بيروت-“القدس العربي”: بات احتمال هروب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الأمام بشن حرب متداولاً كأحد الخيارات التي قد يلجأ إليها نتيجة اشتداد المأزق السياسي الذي يعيشه، بعدما وَجَّه له المدَّعي العام الإسرائيلي لوائح اتهام بالفساد، وبُعيد الإخفاق في تشكيل الحكومة وارتفاع احتمال إجراء انتخابات نيابية ثالثة أوائل العام المقبل. فإلى أي حد تبدو احتمالات الحرب ممكنة على الجبهة الشمالية في حسابات “محور إيران”؟
في الواقع، يعكس مُنظِّرو “محور إيران” توقاً إلى الحرب، كونها ستكون “آخر الحروب”. نظرية “الحرب الأخيرة” بدأت لحظة إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل و”حزب الله” في حرب تموز 2006 التي دارت رحاها على أرض الجنوب اللبناني، ومعها بدأت الاستعدادات. وترسانة الصواريخ التي يتحدَّث عنها أمين عام “حزب الله” السيّد حسن نصر الله، ومن بينها الصواريخ الدقيقة، تحققت بعد القرار الأممي 1701 الذي أوقف الحرب وأنشأ، نظرياً، منطقة خالية من الوجود المسلح غير الشرعي جنوب الليطاني، وأقرّ نزع سلاح كل الجماعات المسلحة، ومراقبة الحدود (اللبنانية-السورية) ومَنَعَ دخول الأسلحة إلى لبنان إلا بإجازة الحكومة اللبنانية، وزيادة عديد قوات الطوارئ الدولية وتكليفها بمساندة السلطات اللبنانية.
وعلى مرّ السنوات الـ13، لم يتوقف “حزب الله” عن زيادة قدراته العسكرية والتجهيز للمعركة الكبرى. هو أحد أهم أذرع إيران العسكرية في المنطقة، وبفضله أصبحت الحدود اللبنانية مع إسرائيل حدوداً إيرانية. ولم يكن مفاجئاً ما كشفه قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني من أنه كان في لبنان أثناء “حرب تموز”، لأن المعركة التي كانت تدور على الأراضي اللبنانية هي حرب إيران في البُعد الاستراتيجي.
اليوم ساحات إيران تمدَّدت، ولا ينفكّ نصر الله يؤكد على تشابكها، من غرب العراق إلى سوريا بعد الحرب الدائرة هناك، إلى لبنان وغزة واليمن في حال استهداف شامل لإيران عسكرياً، ليس فقط على أرضها بل لأي من جبهاتها أو خواصرها. وذهب في أحد خطاباته في ذروة المواجهة الإيرانية-الأمريكية إلى الإعلان عن أن إسرائيل لن تكون مُحيَّدة إذا وقعت حرب أمريكية على إيران، ولو لم تكن شريكة فيها.
تَشابُك الساحات هو نقطة القوَّة التي يستند إليها المحور الإيراني، بما يجعل الحرب شاملة في المنطقة. من هنا، يؤكد منظرو “حزب الله” أن الجبهة الجنوبية على طول الحدود اللبنانية والسورية مع إسرائيل هي جبهة واحدة، وبالتالي ليس ثمّة فصل بين الحرب في جنوب سوريا عن الحرب في جنوب لبنان. ويكشف هؤلاء عن أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت مواقع إيرانية في سوريا، بعد فترة من الهدوء، كانت في واقع الأمر ردَّة فعل إسرائيلية على عملية نُفذت في جبل الشيخ جرى التعتيم عليها، وكانت تهدف إلى محاولة إرساء قواعد جديدة للاشتباك.
في القراءة على مقلب المحور الآخر، أن إقدام نتنياهو على حرب هي آخر الأوراق كي يُعيد اعتباره كزعيم وحيد قادر على حماية المفهوم الحقيقي للأمن القومي الإسرائيلي. لكن الذهاب إلى هذا الخيار يحتاج إلى توفُّر جملة عوامل وظروف لنيل الضوء الأخضر.
انقسام المجتمع الإسرائيلي
أوَّل العوامل، تحقيق وحدة وطنية حوله قادرة على مدِّه بمثل هذا التفويض. وهي مسألة تبدو مستحيلة في ظل الانقسام العامودي الحاصل في المجتمع الإسرائيلي، الذي يراه المراقبون أنه الأخطر منذ نشوء الكيان الإسرائيلي. أما ثانيها، فهو التماهي في الموقف بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية التي لها الثقل الأساسي في أي قرار استراتيجي يتعلق بالمصلحة القومية للدولة العبرية. وفي هذا الإطار، ترتكز الحسابات الإسرائيلية على مدى قدرة ضمان النصر المُؤكَّد في هكذا حرب، والتي تأخذ في الحسبان حقيقة ما يمتلكه “حزب الله” ومِن خلفه المنظومة الإيرانية، من قدرات في المواجهة – إذا حصلت- ولا سيما القدرات الصاروخية المنتشرة على مساحة امتداده اللبناني- السوري.
وثالث العوامل، الحاجة إلى تأمين غطاء أمريكي، وهو أمر سيُحاذره الرئيس دونالد ترامب الذي لم يختر في أخطر لحظات المواجهة مع إيران درب الحرب العسكرية، ولن يُخاطر في سنة الانتخابات الرئاسية بالقيام بدعسة ناقصة أو مغامرة غير محسوبة، فضلاً عن أن عقلية الرجل لا تستهوي الحروب وسيلة. أما رابعها، فيتعلق بتأمين غض طرف روسي بعدما أضحت موسكو لاعباً رئيسياً منذ دخولها المباشر على خط الحرب السورية، محققة حلم وجودها بقوة في المياه الدافئة.
على أن مراقبين يلفتون إلى ضرورة عدم التقليل من احتمال اندلاع مثل هذه الحرب بغض النظر عن الجهة التي ستطلق الرصاصة الأولى، انطلاقاً من الاقتناع السائد بأن ليس نتنياهو وحده هو المأزوم، بل أيضاً إيران التي تواجه حالة مصيرية في ساحات نفوذها. فما يجري في العراق من حركات احتجاجية تصوِّب عليها مباشرة يُشكِّل مأزقاً فعلياً لها وتحدياً وجودياً لمشروعها، كما أن ما يشهده لبنان من “ثورة شعبية” يهزّ شباك “حزب الله” الذي اعتقد أنه بات يُحكم سيطرته السياسية على هذا البلد، ويُمسك بقراره الكليّ من خلال إيصال حليفه إلى رئاسة الجمهورية وتطويع غالبية الأطراف لتكون تحت السقف الذي يرسمه. وليس حال إيران في اليمن أفضل بكثير، مع بدء توجُّه دول التحالف العربي إلى اعتماد سياسة احتوائية للحوثيين.
ورغم ارتجاج تلك الساحات تحت أقدام طهران، فإن الساحة الرئيسية المرشَّحة لتكون “مسرح الحرب” الإسرائيلية هي الجنوب السوري. وحتى الآن، يجري اعتبار كل الضربات الجوية لمواقع إيران وحلفائها من الميليشيات على أنها مواجهات محدودة في نطاقها وأحجامها، ولا ترقى إلى مستوى حرب على الوجود الإيراني. وفي تقديرات “حزب الله” وحلفائه أن الشرارة قد تنطلق من جنوب سوريا، لكنها لن تنحصر فيه بالتأكيد، إذا كان عنوان المواجهة “إخراج إيران من سوريا”.
اتفاق إسرائيلي-روسي
ما تقوم به إسرائيل في سوريا يقتصر على الحد من تعزيز القوة الإيرانية، ومنع نقل الأسلحة المتطوّرة من إيران إلى لبنان، عبر سوريا والعراق. وهذا يُعتبر جزءاً من اتفاق إسرائيلي-روسي، رُسمت من خلاله “قواعد اشتباك”، لا تزال سارية، وإن كان كل من تل أبيب وطهران تطمحان إلى تحقيق مكتسبات إضافية كأمر واقع.
على أن ما نقلته صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن أن وزير الدفاع الإسرائيلي نفتالي بينيت، يعمل في محادثات مع هيئة أركان الجيش الإسرائيلي على صياغة سياسة نوعية جديدة حيال “التموضع الإيراني” في سوريا، يندرج في إطار رغبة إسرائيل في التقاط التوقيت المناسب لإنجاز مهمة إخراج القوات الإيرانية من سوريا. يرى بينيت وجوب “استغلال الظروف الحالية، التي تشهد فيها إيران أزمة عميقة في الداخل وأيضاً في العراق، فيما يواجه “حزب الله” في لبنان تحدياً مماثلاً يجعل احتمالات تدخُّله بما يحدث بين إيران وإسرائيل في سوريا ضئيلة”. ويعتبر أن “التوقيت المناسب لاتخاذ إجراء عسكري هجومي، إلى جانب زيادة العقوبات الاقتصادية والضغط السياسي على إيران، هو الآن وفقط الآن، لوجود نافذة استراتيجية، تشكّل فرصة ذهبية لاتخاذ سياسة هجومية ضد إيران في سوريا تفادياً لتكرار أخطاء الماضي، حين سمحت إسرائيل لـ”حزب الله” قبل 25 عاماً، بنشر صواريخ بالقرب من الحدود الإسرائيلية-اللبنانية، ما أدى إلى امتلاكه اليوم 140 ألف صاروخ”.
هذه الرؤية لبينيت، تدل، وفق قراءة قريبين من “حزب الله” على قصر نظر لدى القيادة السياسية الإسرائيلية. فـ”سيناريو فتح مواجهة مع إيران في سوريا” من الاحتمالات القوية التي يُحضِّر لها “المحور” بساحاته المتداخلة. وليس تصريح “حركة النجباء” قبل أيام بأنه سيكون إلى جانب “حزب الله” إذا اندلعت أي حرب، سوى رسالة على أن حلفاء إيران أينما كانوا في المنطقة سيكونون جزءاً من تلك المواجهة، ولن تُؤخِّر الضغوط التي تواجهها ساحات النفوذ الإيراني عن الانخراط الشامل.
وتُشير مصادر قريبة من “حزب الله” إلى رسالة دقيقة بمغزاها جرى إيصالها أخيراً، حيث أنه في قلب الأزمات الراهنة من العراق إلى لبنان، جرى تحريك لصواريخ لها اعتباراتها الاستراتيجية. رأى الإسرائيلي الصواريخ، فتحرَّك الأمريكي عبر قنوات في اتجاه “حزب الله”. كان الجواب: “نعرف إنكم تعرفون أننا حركنا صواريخ ما، وهو ما أردناه”! رسالة أرادت إيران وذراعها الرئيسي القول من خلالها “إننا جاهزون” لآخر المعارك، رغم اعتقادهما بأن ظروفها غير متوفرة إسرائيلياً في الوقت الراهن، ورغم اقتناع آخرين أن “المحور” لا يريدها هو الآخر.