آخر تقليعة امريكية.. حكومة جنرالات في بغداد
هارون محمدآخر تقليعة امريكية.. حكومة جنرالات في بغدادصعق الرئيس المناوب للجنة الحكماء الامريكية الخاصة بالعراق وزير الخارجية الاسبق جيمس بيكر خلال زيارته الي بغداد مطلع الشهر الماضي من الكم الهائل للأخطاء السياسية والعسكرية التي ارتكبتها قوات بلاده وممثلوها من سياسيين ودبلوماسيين وعسكريين ومخابراتيين ومستشارين ومقاولين، حتي انه وهو الرجل الذي عركته الاحداث كدبلوماسي محترف، وقانوني لامع، وقيادي جمهوري منذ اربعين عاماً، راح يهز رأسه دهشة وحيرة عندما كان يستمع الي نخبة صغيرة من الاكاديميين والخبراء واساتذة الجامعات، جمع أفرادها علي عجل أحد اصدقاء واشنطن وهو رجل اعمال سابق، كلف من بيكر نفسه باختيار شخصيات اكاديمية من خارج الأحزاب والكتل السائدة وليست لهم علاقة او تعامل مع الامريكيين وهيئاتهم الحكومية.وقد استمع بيكر والأسي باد علي وجهه الي كلام علمي بعيد عن السياسة، تضمن ارقاماً واحصائيات ووثائق بعضها صادر من مراكز دولية وامريكية، عن الاقتصاد والنفط والصناعة والخدمات في العراق، خلال العقود الثلاثة المنصرمة حتي نيسان (ابريل) 2003. ولأن الاجتماع كان مفتوحاً وهو ما أراده بيكر ذاته، وعقد في واحدة من أجمل الفلل الرئاسية السابقة المطلة علي نهر دجلة، فأنه لم يخل من معاكسات وغمزات للمسؤول الامريكي والطاقم الذي برفقته، لعل أبرزها ما قاله احد المشاركين وهو خبير عراقي سابق في الامم المتحدة، عندما خاطب بيكر ان حربكم واحتلالكم دمرا الصناعة والاقتصاد والبني التحتية والمؤسساتية وهذه أمرها سهل، نستطيع في خمس سنوات اعادتها في ظل أوضاع هادئة ومستقرة، ولكنكم دمرتم الحياة اليومية للعراقيين وخربتم الشخصية العراقية وأجهزتهم علي الفنون والاداب والجامعات وكل معالم نهضة المجتمع العراقي، وهنا الصعوبة والمأساة، فالمصنع المخرب يمكن بناؤه من جديد وأفضل من السابق، والامر نفسه ينطبق علي المنشآت والطرق والجسور والمعامل، ولكن كيف نعيد الثقة الي نفس الإنسان العراقي وهو يعيش في الجحيم يومياً، كيف نقنع الشاب العراقي والطفل العراقي بان ما يحصل في العراق شيء طارئ والظروف التي يمر بها البلد لا تترك فسحة لجلسة عائلية بلا منغصــــات ومحاضرة مدرسية او جامعية بلا مشكلات واجتماع نقابي او مهني بلا خلافات.وانتهي الاجتماع وهو واحد من سلسلة اجتماعات عقدها بيكر مع فعاليات سياسية وحكومية، علي وعد منه بانه سينقل ما سمعه وما اطلع عليه بامانة الي المسؤولين في واشنطن، مؤكداً بان تقريره الذي سيقدمه الي الكونغرس والقصر الابيض سيتضمن الكثير من الآراء والملاحظات ووجهات النظر. وقد لوحظ عند اختتام جولة بيكر العراقية وعودته الي بلاده ان زميله السيناتور الديمقراطي السابق لي هاملتون وهو رئيس مناوب للجنة الحكماء طلع بتصريح غير مألوف عندما قال في منتصف الشهر الماضي ان امام نوري المالكي رئيس الحكومة الحالية فترة ثلاثة شهور حاسمة، اما ان ينجح في تنفيذ الأجندة التي التزم بتحقيقها وفي مقدمتها الأمن والإستقرار، او سيكون البحث في خيارات أخري ضرورة لابد منها.وبعد ثمانية عشر يوماً بالضبط، يصرح السفير الامريكي زلماي خليل زاد، وتحديداً في الثاني من الشهر الحالي، بتصريح صحافي يتطابق تماماً مع تصريح هاملتون ولكنه انقص فترة (المهلة) الي شهرين، فماذا يعني هذا التحديد الزمني الذي هو اشبه بانذار للمالكي الذي لم ينجح طيلة الشهور الخمسة الماضية، ويريدون منه النجاح في شهرين؟ علماً بأن المؤشرات تؤكد إن الشهرين المقبلين مليئان بالفوضي والعنف والإحتقان أكثر من الشهور التي سبقتهما.لا نأتي بجديد اذا قلنا ان الامريكان الذين مارسوا سياسات التجريب في العراق منذ احتلاله يبحثون منذ انتهاء الانتخابات الاخيرة عن تجربة جديدة للحكم في العراق، لقد جربوا صيغة مجلس الحكم الانتقالي وفشلت، وجربوا الحكومة المؤقتة برئاسة علاوي وأخفقت، وجربوا الحكومة الانتقالية برئاسة جعفري وسقطت، وجربوا ما يسمي بالحكومة الدائمية الحالية برئاسة المالكي وانتكست، إذن هم يسعون الي صيغه جديدة وحكومة أخري تختلف عن صيغ وأشكال الحكومات الأربع السابقة والحالية، هذا هو المنطق الامريكي الذي يعبر عنه زلماي وطاقمه الدبلوماسي والاستخباري وجيش المستشارين والجنرال جون ابو زيد قائد القوات الامريكية المركزية ومعاونه في العراق الجنرال جورج كيسي.وقد بات واضحاً ان الصيغة الجديدة التي يشتغل عليها الامريكان منذ حزيران (يونيو) الماضي، هي الحكومة العسكرية، وصاحب الفكرة كما يتردد في واشنطن وبغداد معاً هو: الجنرال ابو زيد الذي بات اللاعب الاساسي وصاحب الكلمة الفصل في الشأن العراقي، حتي ان الاوساط العراقية المقربة من الامريكان راحت تؤكد مؤخرا، بان هذا الجنرال اللبناني الاصل هو صانع القرار الحقيقي في العراق اليوم، وهذه مسألة غير معهودة في الادارات الامريكية سابقاً. وفكرة الجنرال ابو زيد تتلخص في ان الحكومات المتعاقبة (المدنية) الاربع التي تشكلت منذ آب (اغسطس) 2003 أثبتت فشلاً ذريعاً في أدائها جميعاً بلا استثناء، ولا يمكن إنتاج وتشكيل حكومة مدنية جديدة خامسة الآن لمواجهة الإنهيارات المتوقعه في العراق، وخاصة قضية الحرب الطائفية الاهلية التي برزت مقدماتها بحدة خلال الشهورالعشرة الاخيرة بشكل يفوق التصور، وتنذر بآثار وخيمة اذا استمر الوضع علي مساره الحالي الخطير، إذن فالحل كما يراه الجنرال ابو زيد هو حكومة عسكر، ويبدو ان صناع القرار الامريكيين في الكونغرس ومستشارية الامن القومي والخارجية والسي آي ايه، تلقفوا فكرة ابو زيد قبل جماعة تشيني والبنتاغون والاخيرة تراجع دورها المؤثر في العراق مؤخرا، وقد لاحظ سياسيون وبرلمانيون عراقيون اجتمع بهم السفير زلماي والجنرال كيسي في الشهر الماضي ان اللغة التي تحدث بها المسؤولان الامريكيان متطابقة تماما وتنصرف مباشرة دون مقدمات او إيحاءات الي موضوعة حكومة جنرالات لا غير، ووصل الامر بزلماي ان يقول بصراحة متناهية وهو يجادل جلال طالباني في اجتماع ضم نائبي رئيس الوزراء سلام الزوبعي وبرهم صالح ووزراء الدفاع عبدالقادر العبيدي والداخلية جواد بولاني والامن الوطني شيروان الوائلي ومدير المخابرات محمد الشهواني قبل سفر طالباني الي نيويورك، اننا نتوقع هجمات وانتقادات ستنهال علينا عند لجوئنا الي الحكومة العسكرية، وسنتهم بالدكتاتورية ومناهضة الديمقراطية والانقلاب علي مبادئنا وقيمنا الامريكية، كل هذا صحيح ونحن علي استعداد لمواجهته، ولكن كل هذه الضجة ستتلاشي وتضمحل إذا نجحت الحكومة العسكرية المنشودة في تقليل العنف والاقتتال الي نصف المعدل الحالي، والتخفيف بنسبة خمسين بالمئة من الاحتقان الطائفي الراهن، وحل نصف الميلشيات الفئوية والحزبية والطائفية.وعلي هذا الصعيد ثمة ملاحظة جديرة بالاهتمام تتمثل في ان الشهرين الماضيين شهدا زيارات لثلاثة جنرالات حاليين الي واشنطن مروراً بلندن عدة مرات، تتجه اليهم الانظار والاشارات علي انهم سيشكلون نواة المجلس العسكري الاعلي، وهم الفريق نصير أركان العبادي، الذي كان يشغل موقعاً متقدماً في هيئة الاركان والطيران في النظام السابق، وهو من اسرة شيعية عربية من الفرات الاوسط، فجده الشيخ عبادي الحسين هواحد شيوخ عشيرة (آل فتلة) ووالده عضو مزمن في مجلس الاعيان في العهد الملكي وعمه اللواء كاظم العبادي شغل لسنوات قيادة القوة الجوية، وأمه من اسرة بغدادية سنية معروفة، وهي شقيقة رئيس الوزراء الاسبق الراحل جميل المدفعي، ويوصف العبادي بانه ضابط محترف ليست له اهتمامات سياسية او انتماءات حزبية منذ السابق. والضابط الاخر هو اللواء محمد عبد الله الشهواني، مدير المخابرات الحالي، وهو عسكري متقاعد منذ نهاية الثمانينات عاش في الخارج متنقلا بين الاردن وبريطانيا وامريكا، بدأ حياته العسكرية رياضياً في الفرقة الثالثة ببعقوبة، قبل ان يلتحق بدورات عسكرية في الصاعقة وطيران الجيش، ويصبح قائداً عسكرياً بارزاً، ومستشاراً لوزير الدفاع الاسبق المرحوم عدنان خيرالله، وعاد الي العراق بصحبة القوات الامريكية المحتلة، وعينه بريمر مديرا للمخابرات، ومعروف عن الشهواني انه من عشيرة سنية تسكن في نواحي الموصل.أما الضابط الثالث فهو اللواء الطياركمال برزنجي، يشغل حالياً آمرية القوة الجوية، وكان برزنجي آمراً لقاعدة الناصرية الجوية في العهد السابق، والذين اشتغلوا معه يؤكدون انه كان يحظي باحترام رؤسائه السابقين امثال الفريق حميد شعبان قائد القوة الجوية الاسبق والفريق سلطان هاشم وزير الدفاع السابق لانه ضابط مهني علي درجة عالية من الانضباط، ويعتقد ان جلال طالباني اقنعه بالعودة الي الجيش في عام 2004 لكون الاثنين من منطقة واحدة هي السليمانية، رغم ان برزنجي أمضي اغلب سنوات عمره ودراسته في العاصمة بغداد. ويتردد في بغداد ان هؤلاء الضباط الثلاثة سيقودون المجلس العســكري عند تشكيله بالاستعانة مع زملاء ورفاق سابقين لهم، والاعتقاد السائد ان المجلس سيتكون من رئيس ونائب رئيس ومقرر، إضافة الي ستة اعضاء يتولون مهمة الاشراف علي الوزارات التي سيكون وزراؤها من العسكريين والتكنوقراط، والفئة الاخيرة تتسلم الوزارات الفنية والخدمية.ويبدو ان الامريكان بعد ان فقدوا السيطرة علي العراق، وباتوا عاجزين علي مواجهة الاخطار التي تتهددهم، وأقروا بفشلهم وعجزهم خلال الشهور الـ (42) الماضية، توصلوا الي ان الحكم العسكري هو الخيار المناسب لهم علي المدي القريب علي الاقل، وللتذكير فقط فان فرض حظر التجول في العاصمة بغداد لمدة (36) ساعة في الاسبوع الماضي، كان اختباراً او(بروفه) كما أسماها بعض السياسيين العراقيين للتهيئة والتمهيد لما سمي بالانقلاب العسكري، والصحيح هو الحكم العسكري، ولننتظر حتي نهاية الشهرين المقبلين اللذين يحملان الكثير من الاحداث الدامية، والفوضي واعمال العنف لتكون ذريعه للامريكيين باللجوء الي الحكومة العسكرية. والسؤال هو: هل يصلح الجنرالات ما أفسده الامريكان؟9