آخر ملوك اسكتلند الفائز بأوسكار أفضل ممثل: المأساة المتجددة لطغاة العالم الثالث!

حجم الخط
0

آخر ملوك اسكتلند الفائز بأوسكار أفضل ممثل: المأساة المتجددة لطغاة العالم الثالث!

د. عماد عبد الرازق آخر ملوك اسكتلند الفائز بأوسكار أفضل ممثل: المأساة المتجددة لطغاة العالم الثالث! من اللحظة التي يظهر فيها الممثل فورست ويتكر لأول مرة علي الشاشة وظهره لنا يستحوذ علي اهتمام المشاهدين وحتي اللحظة الأخيرة مع انتهاء الفيلم وظهور أسماء العاملين فيه. بل إن شخصية عيدي أمين كما جسدها ويتكر تظل تلاحقك لساعات طوال بعد مغادرة دار السينما. هذا بلا أدني شك واحد من أفضل أدوار ويتكر قاطبة حتي الآن (علي الرغم من تميزه في معظم أدواره السابقة في أفلام مثل لعبة الصراخ The Crying Game و ملابس جاهزة Pret a Porter ). منذ أن رشح ويتكر عن الدور والحديث لا يتوقف عن أدائه المدهش، وقد دعي الممثل للظهور في كافة برامج الدردشة والثرثرة في الشبكات والقنوات التليفزيونية الأمريكية، علما بأن الفيلم أبعد ما يكون عن التيار الرئيسي للسينما التجارية في هوليوود، وهو من إنتاج بريطاني علي أية حال. ولا يبقي أمام المرء سوي مشاهدة الفيلم حتي يدرك أن ويتكر يستحق كل هذه الاحتفاء الذي حظي به والضجة التي أثيرت حوله، في دور لا جدال في أنه سيدفع بمشواره السينمائي خطوات عريضة ليتبوأ مكانة بارزة وسط نجوم هوليوود الكبار. اختار المخرج ان يقدم أمين في لحظة ذروة درامية لكل من الحدث الذي يشكل لب الدراما والشخصية التي تتمحور حولها وهي استيلاء الجنرال عيدي أمين علي السلطة في أوغندا علي رأس الانقلاب العسكري الذي قاده. قبل أن يحملنا الفيلم إلي أوغندا ينطلق من اسكتلندا مع أسرة نيكولاس غاريغان ، الذي تخرج لتوه من كلية الطب ويحتفل مع والديه بنجاحه، وهو يستعد للبحث عن عمل بطريقته الخاصة، إذ يمارس مع نفسه لعبة الاختيار العشوائي للبلد الذي يمكن ان يذهب إليه ليبدأ حياته المهنية، وبعد دورتين عشوائيتين لمجسم الكرة الأرضية يقع اختياره العفوي علي أوغندا. فهناك، في هذا البلد الإفريقي الفقير يمكنه أن يساهم بقدر معقول في انتشال الآلاف من الفقراء والمعدمين من الأمراض والأوبئة، ويكتسب خبرة ميدانية حقيقية قد لا تتوفر له في أي مستشفي مجهز في بلده. وبالفعل يشد الرحال إلي أوغندا ونصل معه في القطار المكتظ بالمسافرين، وبعد مغامرة جنسية عابرة مع حسناء إفريقية التقي بها في القطار، وهي تفصيلة تكتسب أهمية خاصة مع تطور الأحداث حين نتبين أن غرامه المفرط بالنساء هو نقطة ضعفه التي توشك أن تورده موارد التهلكة، كما أنها علي مستوي آخر تشكل إحدي دعائم علاقة الرجل الأبيض (المستعمر سابقا أو حتي الأمس القريب) بأبناء القارة الإفريقية (المستعمرين سابقا). هذه العلاقة ذاتها بأبعادها المختلفة تشكل محور الدراما التاريخية التي يرويها الفيلم مرتكزا بشكل أساسي علي العلاقة التي تنمو سريعا بين الطبيب الشاب وعيدي أمين بعد أن ينجح الأخير في إقناعه بان يكون طبيبه الخاص، بل ويمنح – الطبيب الذي تخرج لتوه – صلاحيات واسعة تعادل صلاحيات وزير الصحة، ليكون مشرفا علي تطوير المستشفيات ونظام الرعاية الصحية كله في أوغندا. .الطريقة التي ينسج بها الفيلم مولد هذه العلاقة ويطورها تمنح الفيلم مذاقا خاصا اقرب إلي السوريالية، بقدر ما أنها تكشف لنا تدريجيا عن جوانب هامة في شخصية أمين. فاللقاء الأول يتم مع الاستعداد لوصول أمين لقرية مجاورة للعيادة التي يعمل فيها الطبيب نيكولاس، الذي ينجح في إقناع زوجة الطبيب بمصاحبته لمشاهدة الاحتفال الشعبي ورؤية هذا القائد العسكري الجديد الذي يتناقل القرويون حكايات كثيرة ومثيرة عنه. هذا هو المشهد الذي نلتقي فيه بعيدي أمين لأول مرة، حين يخطو بجسمه الضخم علي خشبة المسرح التي أعدت له فيرتجل خطبة حماسية محملة بالوعود بمستقبل أفضل ومشرق لأوغندا الحرة القوية المستقلة، فيلهب حماس المئات الذين اصطفوا لاستقباله بالطبول والأهازيج المحلية، قبل أن يصل المشهد إلي ذروته بانضمام أمين إليهم في نوبة رقص إفريقية عفوية تزيد من إشعال حماس الجماهير، بمن فيهم، الطبيب نيكولاس الذي بدا أن شخصية الجنرال الذي يتمتع بكاريزما غير عادية فضلا عن صدقه وتلقائيته في مخاطبة شعبه، كل هذا الوجود الطاغي يمس شيئا داخل الطبيب الشاب، فوجد نفسه مهللا مصفقا مع أبناء البلد لهذا المخلص الذي جاءهم فجأة من حيث لا يعلمون. في غضون دقائق يرتب القدر لقاء بين الاثنين، حين تصل سيارة عسكرية مسرعة لتقطع الطريق علي سيارة الأطباء تطلب منهم العودة لأن الرئيس أمين أصيب في حادث سيارة، وبالفعل يهرولون إلي مكان الحادث حيث اصطدمت سيارة الرئيس ببقرة علي الطريق، في مشهد فوضوي يجمع حشدا من القرويين ورجال حرس الرئيس مدججين بالسلاح، والبقرة الجريحة طريحة الأرض تئن من الألم. ووسط ذعر وجلبة الموقف يقترب نيكولاس من الرئيس وسط بنادق الحرس ليفحص يده التي أصيبت، وفي لحظة يقرر الطبيب الشاب حسم الموقف علي طريقته فيقبض علي مسدس الرئيس الذي كان علي سيارته ويطلق النار علي البقرة الجريحة رأفة بها وليوقف أنينها المزعج. تثير جرأة الطبيب دهشة أمين، التي سرعان ما تتحول لإعجاب بعد أن ينجح في تقديم الإسعافات الأولية لإصابة يده البسيطة، وأيضا حين يكتشف أنه ليس إنكليزيا، كما كان يظن، بل اسكتلنديا. تصادف هذه الحقيقة هوي في نفس أمين الذي يكره الإنكليز بقدر ما هو متيم باسكتلندا، إلي الدرجة التي يصر فيها علي مبادلة سترته العسكرية بفانلة ـ تي شيرت ـ نيكولاس المطبوع عليها اسكتلندا، كي يهديها لابنه، في مشهد رمزي لا يخلو من السوريالية يختصر مولد تلك العلاقة الغريبة في لحظة مصادفة قدرية صادقة بين اثنين أقل ما يقال عنهما أنهما علي طرفي نقيض متباعدين تباعد أقصي الشمال الأوروبي البارد، وقلب إفريقيا الحار المترع بالصراعات والحروب. د.عيدي و مستر أمين الفيلم مأخوذ عن رواية بنفس العنوان من تأليف جايلز فودن ، وهو أول عمل روائي لمخرجه كيفن ماكدونالد الذي عمل من قبل في مجال الأفلام الوثائقية (من أفلامه ملامسة الفراغ Touching the Void )، وعنوان الفيلم يشير ليس فقط إلي ولع عيدي أمين باسكتلندا (علي اساس منطق عدو عدوي يكون صديقي)، بل ولأنه في أواخر أيامه عرض علي اسكتلندا مساعدتها في الاستقلال عن بريطانيا العظمي. وشخصية الطبيب الاسكتلندي الشاب الخيالية هي الوسيلة التي يختار الفيلم أن يقدم لنا عيدي أمين من خلالها وبالأحري من خلال العلاقة الغريبة التي يشتبك فيها الاثنان. لنقل أن نيكولاس يمثل المشاهد الغربي المنوالي، شاب في مقتبل العمر لديه حس إنساني وضمير يقظ ، متحمس ويحمل بعض الأفكار المثالية بحكم حداثة سنه. ذهابه إلي إفريقيا لا يخلو من حس المغامرة والرغبة في اكتشاف العالم، بقدر ما أنه يحمل رغبة صادقة في المساهمة بنصيب في إنقاذ العالم وصقل شخصيته واكتساب خبرات مهنية ميدانية. العلاقة التي تتبرعم بينه وبين أمين سرعان ما تنمو من طبيب/ الرئيس لتكتسي طبقات أخري من اللحم، ليس أقلها محور الأب/ الإبن، بكل تداعياتها من بسط الحماية والرعاية، وأيضا العقاب الشديد حين تضطرب العلاقة. وفي غضون فترة قصيرة يصبح الطبيب واحدا من أعضاء الدائرة المقربة من أمين ، بل مستشاره الأول الذي يثق فيه، حتي أنه يوكل إليه حضور اجتماعات هامة نيابة عنه. علي الجانب الآخر من العلاقة نجد شخصية عيدي أمين علي درجة من التعقيد ليس أقلها الحدان المتناقضان اللذان تنطوي عليهما كوجهين لعملة واحدة يتبدلان أمام ناظرينا بين لحظة وأخري، علي نحو أقرب إلي ثنائية د. جيكل ومستر هايد في الرواية الشهيرة. في البداية لا يري نيكولاس سوي الجانب الإنساني من أمين، الأب الذي يبسط حمايته عليه وعلي أوغندا في الوقت ذاته، فهكذا يقدم هو نفسه للطبيب الشاب. وهو صادق في كل ما يقوله ويتمناه لوطنه وكل أبنائه، لكنه في الوقت ذاته يتحول إلي وحش كاسر ينكل بكل من يجرؤ علي مخالفته من أبنائه . علي مستوي آخر نجد أن علاقة عيدي أمين بالغرب ملتبسة علي نحو لا يقل تعقيدا. فإعجابه بنيكولاس ليس سوي تعبير عن إعجابه بكل ما هو اسكتلندي بقدر ما هو تعبير عن كراهيته للإنكليز. لكنه أيضا، كما هو ثابت تاريخيا، كان مفتونا بالكثير من المنتجات البريطانية (كسيارات لاندروفر، ورينج روفر، ورولزرويس). كما كان يحرص علي اختيار ملابسه بعناية من تصميمات أشهر المصممين في بيوت الأزياء العالمية والعناية الفائقة التي كان يوليها لاختيار ربطات عنقه. كراهيته للإنكليز تعود لطفولته البائسة التي تربي خلالها في معسكرات الجيش البريطاني كطفل يتيم، كما يروي هو ذكرياته المؤلمة عن معاملة الانكليز الفظة له، لنيكولاس في ساعة تبسط في غرفة نومه، حين يتم استدعاء الطبيب الشاب علي عجل لعلاج الرئيس من الام حادة يتبين أنها نتجت عن تناول عقاقير مهدئة بعد الإسراف في شرب الخمر. علي مستوي آخر تلخص علاقة أمين ببريطانيا- ومن وراءها الغرب- علاقة العديد من بلدان العالم الثالث مع الدول التي استعمرتها، فهي غالبا ما تشوبها الشكوك وفقدان الثقة والإعجاب المضمر، أو الكراهية المعلنة تارة والمواربة تارة أخري. وربما تكمن في تضاعيف هذه العلاقة الملتبسة تلك الخاصية المعروفة بـ القابلية للاستعمار لدي البلدان التي تحررت من ربقة الاستعمار ولا تزال أسيرة الإرث التاريخي وازدواجية الحب/ الكراهية التي تربط المستعِمر بالمستعَمر. يلخص أمين هذه العلاقة من وجهة نظره حين يقول عن الأجانب إنهم يعرفون كيف يحلبون البقرة لكنهم لا يعرفون كيف يطعمونها. هذا التوصيف للعلاقة لا يبدو مجرد مبالغة أو من شطحات خيال أمين أو هلوساته البارانوية، بل يعكس عمق تأزم العلاقة التي تربط الغرب بالمستعمرات السابقة، وفي الفيلم نجد انعكاسا لاستمرار هذا الإرث من خلال الحبكة الثانوية التي تدور حول الدور الخفي الذي تلعبه بريطانيا في لعبة الصراع علي السلطة في أوغندا، من خلال شخصيات مثل القنصل البريطاني والمحيطين به. ونري ذلك في سعي البريطانيين لتجنيد نيكولاس للعمل لصالحهم بعد أن صار مقربا من الدائرة اللصيقة بالرئيس. إلا أن الطبيب الشاب يرفض التعاون معه من منطلق كراهيته للإنكليز كاسكتلندي يعتز كثيرا بقوميته. وإن كان يضطر لطلب مساعدة السفارة حين يشتد الخطب عليه وينكشف أمره أمام الرئيس ورجاله، وتتكشف له حقيقة الوجه الآخر المرعب لأمين. نفس المسؤول البريطاني ذاته ستون ، الذي يلجأ إليه نيكولاس ويرفض مساعدته، هو الذي يعبر في بداية الفيلم عن سعادته لاعتلاء أمين السلطة لأنه رجل قوي وأوغندا في حاجة لرجل مثله . قبل أن يتطور الأمر في غضون سنوات إلي التآمر عليه مع نمو المعارضة الداخلية ضده وتنكيله هو بمعارضيه، وتتضخم مشاعر الاضطهاد لدي امين بسبب الحملات الإعلامية التي تشن ضده في الغرب، ويلجأ الي مستشاره الشاب طالبا النصح لأن الصحف البريطانية تصفه بأنه مجنون والأمريكية بأنه من آكلي لحوم البشر، فينصحه بأن يعيد الأجانب الذين طردهم من البلاد حتي يحسن صورته أمام الرأي العام العالمي، وإن بدا الوقت متأخرا لتدارك الدمار الذي أحدثته سياساته الخرقاء. السيرة الذاتية تختزل التاريخ لم يجتهد الفيلم في الخوض في التفاصيل التاريخية والتعقيدات السياسية التي أحاطت بصعود وسقوط عيدي أمين، ربما لأن هذا لم يكن هدفه في الأساس، لأن اهتمام المخرج كان منصبا علي أن يروي لنا سيرة مختصرة لحياة عيدي أمين، يركز خلالها علي إبراز الجانب الإنساني له، بمعني نقاط ضعفه وأهوائه الشخصية ونزواته، فضلا عن حسه الساخر الذي لم يكن يخلو من فظاظة أحيانا وولعه بإطلاق النكات، وإن كانت كل هذه الصفات مجتمعة هي التي صنعت شخصيته الفريدة وتلك الجاذبية الآسرة التي كان يتمتع بها مع خليط من الرهبة التي يبعثها جسده الضخم وفحولته البادية. هذه الصورة التي برع في تجسيدها ويتكر تشكلت في مواجهة الصورة المشيطنة التي صنعها له الإعلام الغربي، كطاغية همجي مطلق الفساد، ومتوحش من آكلي لحوم البشر. ولا يعني ذلك أن الفيلم ينفي أو حتي يسعي لتفنيد هذه الصورة، بل بالأحري يقدمها في إطار اشمل بعيدا عن النمطية الهوليوودية التي تقسم العالم إلي أخيار منزهين وأشرار مطلقين. من هذا المنطلق يقارب الفيلم من عائلة أمين، وخاصة إحدي زوجاته، التي تستنجد بالطبيب الشاب لإنقاذ إبنها من نوبة صرع ألمت به. ويكون اللقاء المصادفة سببا في تطور العلاقة بينهما لاحقا، علي خلفية شكوي الزوجة الوحيدة التي لا يعيرها زوجها الرئيس أي اهتمام لكثرة مشاغله وتعدد زوجاته وأبنائه. ستكون تلك العلاقة الآثمة بمثابة السقطة التراجيدية للبطل الشاب، والتي ما كان ممكنا ألا يسقط فيها، وقد رأينا كيف أن ولعه بالنساء هو كعب أخيله الذي سيقوده إلي الهاوية. والمفارقة أن نقطة الضعف تلك بالذات كانت من نقاط الالتقاء بينه وبين أمين، الذي داعبه في البداية حول هيامه بزوجة مدير المركز الطبي البريطاني الحسناء (الممثلة جيليان أندرسون، بطلة حلقات ملفات x )، والتي حاول نيكولاس بالفعل إقامة علاقة معها لكنه فشل. ولم يكن ممكنا من ناحية أخري ألا ينكشف أمر تلك العلاقة، في بلد يحكمه الرئيس بقبضة من حديد وله عيون وآذان في كل مكان. تكمن جدارة الفيلم الدرامي في ذلك الزخم والعمق الذي يقدم به العلاقة بين أمين وطبيبه الشاب بوجهيها، أي من وجهة نظر كل منهما بنفس القدر من الإنصاف مفسحا لكل منهما مساحة متساوية من الحدث، حتي أن المشاهد لا يملك إلا ان يتعاطف مع كل منهما، علي ما في ذلك من تناقض صارخ. العلاقة ذاتها وعلاوة علي زخمها دراميا علي المستوي الفردي لكليهما، فإن ما تستولده من معان علي المستويات الأخري سياسيا وتاريخيا لا يقل زخما. علي الصعيد الفردي كانت خيبة أمل أمين في صديقه الاسكتلندي كبيرة، بعد أن ائتمنه وقربه ورفعه إلي مصاف طبيبه الخاص، فجاءت خيانته له لتؤكد من جديد كل شكوكه وآرائه المسبقة حول الرجل الأبيض (يريد أن يأتي إلي هنا لينهب ثرواتنا ويستبيح نساءنا). كان أمين قد علم بأمر خيانة زوجته كاي له (الممثلة الأمريكية كيري واشنجتون )، لكنه لم يفاتح به نيكولاس واكتفي بمراوغته من آن لآخر بسؤاله هل لديك شيء تريد أن تقوله لي؟ . بمثل ما أن المرء لا يملك إلا أن يعجب بشخصية أمين في النصف الأول في الفيلم (طريقته في المزاح، ابتسامته العريضة، حماسه المفرط المفعم بالصدق في كل ما يقوله، ثقته الزائدة وحضوره الطاغي وعفويته بل ومسحة من الطيبة جعلت أحدهم يصفه بأنه كان في نصف الفيلم الأول أقرب إلي دب أليف منه إلي غوريلا متوحشة)، لا يملك المشاهد أيضا إلا أن يتعاطف معه لاحقا ليس فقط في غضبه وإحساسه بالغدر حيال نيكولاس الذي خان الثقة التي وضعها فيه، بل ويتعاطف معه ضد القوي الغربية التي تشن عليه حملة شعواء. وحين يواجه أمين نيكولاس أخيرا بفعلته يقول له إن عقاب من ينام مع زوجة رجل آخر في قريتنا هو ان يعلق بخطافات من جلده ثلاثة ايام حتي يموت موتا بطيئا وتنهش لحمه الطيور الجارحة. (وهذا ما يفعله به حراس أمين بالفعل في إحدي غرف المستشفي، قبل أن يتمكن من الهرب بمساعدة طبيب أوغندي ينال جزاءه بالقتل فورا علي أيدي الحراس). من ناحية ثانية لا يملك المرء إلا أن يتعاطف مع نيكولاس حين يري الطريقة التي نكل بها أمين بزوجته، وهي التي كانت قد ذهبت الي المستشفي لإجهاض الجنين الذي حملت به من نيكولاس . حين يتكشف هذا الوجه السادي البشع لأمين أمام عيني نيكولاس ، تسيطر عليه الرغبة الشخصية في الانتقام، رغم أنه رفض أن ينصت لمزاعم مساعد القنصل البريطاني حول جرائم أمين ضد معارضيه السياسيين، ربما لمعرفته أن المسؤول البريطاني تحركه دوافع سياسية ومصالح بلاده العليا وليس حرصه علي الشعب الأوغندي. علي مستوي آخر لا يخسر أمين تعاطف المشاهد تماما حين تتكالب عليه الظروف مع اشتداد حملة القوي الغربية ضده ردا علي تنكيله بالمعارضين، علما بأن وجهة النظر البريطانية كانت في بداية الفيلم مؤيدة لاستيلائه علي السلطة عبر انقلاب عسكري من منطلق حاجة أوغندا لرجل قوي. وفي نفس الوقت لا يخلو منطق أمين من وجاهة حين يدافع عن سلوكه حيال معارضيه بأن السلطة ليست لعبة، وهو يدرك أن من جاء الي السلطة عبر القوة المسلحة لا يمكنه أن يحتفظ بها إلا بنفس الطريقة في مجتمع تحكمه قوانين وأعراف قبيلة في المقام الأول، وفي إطار صراع سياسي لا تري الأطراف المنخرطة فيه وسيلة لإدارته سوي عبر القوة المسلحة، ليس أقلها محاولة الاغتيال التي تعرض لها أمين . إن احتشاد طرفي الصراع الدرامي كل وراء منطقه متحصنا بمسوغات ودوافع قوية، هو ما يمنح الدراما قوتها وقدرتها علي الإقناع والتأثير. وما كان ممكنا لهذا التأثير أن يبلغ ذروته دون الأداء المبهر لبطلي الفيلم، وفي هذا فإن الممثل الصاعد جيمس ماك أفوي في دور نيكولاس لم يكن أقل جدارة من ويتكر بأوسكار كأفضل ممثل في دور مساعد، علما بأن مساحة دوره وظهوره علي الشاشة كانت أطول من تلك التي احتلها ويتكر ، وقد بلغ أداء جيمس في بعض المشاهد ذروة درامية آسرة. علي الصعيد السياسي، لا يملك المرء أن يري في دراما صعود وسقوط عيدي أمين إلا مصداقا لمقولة التاريخ يعيد نفسه . إنها ذات القصة للحاكم الذي تدفع به قوي غربية (غالبا ما تكون المستعمر السابق أو أحدا من وكلائه) إلي سدة السلطة، وغالبا بناء علي اتفاقات ضمنية بالحفاظ علي مصالحها، أو علي الأقل يكون هذا هو ما تتوسمه القوي الغربية في الشخص المختار (وغالبا ما يكون من العسكرتارية، ويا حبذا لو كان قد تخرج من إحدي مؤسسات هذا البلد، أو رضع من ثقافتها بالقدر الكافي الذي يجعله أسيرا لها إن لم يضمن ولاءه لها).وتظل القوي الغربية صماء، عمياء، بكماء حيال كل ممارسات الحاكم ضد شعبه، وهي ترقب تفرده بالسلطة واحتكاره الثروة مع عصابات المقربين والأقارب وجلاوزته من حراس النظام، وتفشي الفساد الذي عادة لا يكون بمنأي عن مؤسسات وشركات غربية من نفس ذات البلد الحاضن للدكتاتور. تسير الأمور دائما علي ما يرام، إلي أن يقرر الحاكم الطاغية الخروج علي النص، أو تخطي الخطوط الحمراء ، أو تجاوز قواعد اللعبة غير المكتوبة والمتفق عليها ضمنا، فيقلب له ظهرالمجن وتبدأ الحملات الإعلامية وتفتح الملفات المقفلة، وتستخرج الفضائح المدفونة، وتستدعي السجلات الماضية، وتفتح نيران ألف مدفع ومدفع علي الحاكم الطاغية منتهك حقوق الإنسان، ومخترق القوانين والأعراف الدولية، ومهدد السلام والأمن العالميين. هذا فضلا عن استعراض مظاهر الفقر والمرض والبلاء الذي عم البلاد والعباد في عهده، وكأنما لم تكن هذه القوي الغربية ذاتها هي التي تمنحه المعونات التي كانت تعلم أنه ينهبها، فيما تمارس هي نهبا منظما لثروة البلد من المواد الخام أو تحوله إلي سوق لبضائعها الاستهلاكية غالبا ما تستفيد وتتربح منها طبقة المنتفعين من حاشية الطاغية. ولننظر حولنا الآن لنري كم حاكما عربيا طاغية يعمل النهب في ثروات بلده وينكل بكل من يجرؤ علي معارضته، وهم مع ذلك في طليعة حلفاء الغرب المتحضر المدللين، من بلاد الواق الواق الي بلاد السند والهند وبلاد تركب الأفيال. لم يكن عيدي أمين متفردا في هذا ولن يكون الأخير الذي يسقط من عليائه مضرجا في الفضائح ومصحوبا باللعنات. فما أشبه الليلة بالبارحة. فورست ويتكر: وحش الشاشة الفضيةلعب فورست ويتكر العديد من الأدوار الصغيرة لا يشبه فيها دور الآخر، في أفلام مثل أوقات سريعة في ثانوية ريدجمنت Fast Times at Ridgmont High ، و كلب شبح Ghost Dog ، و غرفة الطوارئ Panic Room ، و الدرع The Sheild ، ومن أشهر أدواره دور الجندي البريطاني الذي اختطف كرهينة علي يد الجيش الجمهوري الايرلندي في فيلم لعبة الصراخ The Crying Game ودور مصمم أزياء مثلي الجنسية في فيلم ملابس جاهزة Prگt A Porter . وهو بذلك واحد من أكثر ممثلي هوليوود تنوعا، وهو ما ينبئ عن ثراء موهبته وقدراته الأدائية الكامنة وحسه الفني المرهف الذي يعني بأدق التفاصيل ويصغي لأدق خلجات الشخصية التي يؤديها. كل هذه القدرات الفذة لا يفصح عنها هدوؤه وتواضعه الجم حين يتحدث عن نفسه سواء في البرامج التي يستضاف فيها، أو في كلمته المؤثرة التي ألقاها عند تسلمه اوسكار أفضل ممثل، ولم يتمالك نفسه من ذرف دمعتين علي استحياء. ويتكر البالغ من العمر خمسة وأربعين عاما وهو أب لثلاثة أطفال، يقول عن آخر وأعظم أدواره حتي الآن لقد فعلت كل ما في وسعي ان أفعله لأداء هذا الدور حتي لا أترك لنفسي أي عذر كان. كان علي أن انظر في المرآة وأتأمل هذا الدور، وكم أشعر بالفخر بالعمل ككل .بلغ أداء ويتكر لشخصية عيدي أمين الحاكم الطاغية ذي الشخصية المركبة درجة من الصدق أخافت زملاءه من الممثلين والممثلات في الفيلم بعض الأحيان. شريكه في البطولة جيمس ماك أفوي (في دور الطبيب الشاب) يقول كان أمرا مقلقا، بقدر ما كان مدهشا، لأنه بلغ درجة عالية جدا من التقمص فلم يعد المرء متأكدا ماذا يفعل بالضبط من مشهد لآخر، ولم أجرؤ علي سؤاله ما إذا كان قد أصبح هو بالفعل الشخصية أم أنه يحرص فقط علي التحدث بنفس اللهجة الأوغندية حتي لا تهرب منه الشخصية. أما كيري واشنطن التي لعبت دور زوجة أمين، فتصف تقمص ويتكر للشخصية قائلة لقد شاهدناه يتحول بالفعل إلي عيدي أمين، ولأن الشخصية يصعب التنبؤ بسلوكها، فإن الجميع افترضوا أن ذلك جزء من تقمصه ومن ثم تركه الجميع وشأنه، وكونه ترك وحيدا لعب من ناحية أخري دورا في زيادة معايشته للشخصية كلية طوال فترة تصوير الفيلم وتعمق في توحده بها بلغ هوس ويتكر بتقمص الشخصية أنه عزل نفسه تماما عن مجريات الأحداث اليومية الأخري، بما فيها المقابلات الصحافية وكل ما من شأنه أن يفسد عليه معايشته الفنية. ولم يكتف ويتكر بتعلم لهجتين من اللغة الأوغندية (يستخدمهما في بعض مشاهد الفيلم) بل إنه أصر علي ألا يأكل سوي الأطباق الأوغندية المحلية. وحين حضر صحافي من صحيفة لوس أنجليس تايمز ليجري لقاء معه اصر ويتكر أن يتحدث بلهجة عيدي أمين الإنكليزية. أما المخرج كيفن ماكدونالد فقال إنه لم يكن متأكدا من أن ويتكر هو الاختيار الصحيح للدور، ولم يفكر فيه بالمرة، لأنه كان يري شخصيته الوديعة والرقيقة أبعد ما تكون عن عيدي امين ، لذا فإن نجاحه في أداء الدور بهذه البراعة دليل آخر علي عمق موهبته. يقول ويتكر أنا أكرس نفسي تماما للدور الذي ألعبه، لكن هذا الدور بالذات اقتضي الكثير من العمل الشاق وقد استنفد طاقتي تماما. وكم أشعر بالسعادة الآن. ان المرء لا يعرف أبدا متي سيصل للتحقق الفني الذي ينشده، فالأمر أشبه بصعود درج، تصعد درجتين وتنتابك مخاوف اثناء الصعود ان تواجه نفسك ولا ترضي عما تراه فتبدأ في تلمس الأعذار لنفسك، وتتراجع قليلا عن الصعود أو تتوقف. وهكذا تظل طوال الوقت هيابا من الوصول إلي قمة الدرج حتي لا تفاجأ بما قد لا يسرك . ناقد من مصر يقيم في امريكا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية