■ أكــثـر مـن علامة تــوحي بأن رواية إلياس خـوري «أولاد الـغيـتو»، بـجـزأَيها، تـســتـوحي مأساة فلسطين، خصوصاً في مـرحلتها الأولى، بـعد استيلاء العصابات الصهـيونية المسلحة على معظم الأراضي الفلسطينية وتـهجيـر سـكانها، والإمـعان في التقتيل والتـعذيب، وفـرض الحصار داخل «الـغـيـتو»، على نحو ما فـعلوا في مدينة الـلد (يوليو/تموز 1948). إلاّ إن المـضي في الـقـراءة سـرعان ما يـُـشعـرنا بأن الكاتب لا يـتـقـصد رواية ضمن الشـكل الـمألوف في نـصوصه السابقة غـير الخاضعة للـسرد الكلاسيكي، وإنـمــا يـتـوخى في الآن نفسه، أن يعيد النـظر في مسألة ماهية الأدب وغايـتـه، وبـنـية الرواية وشـكلها في حـدودها الـقصـوى. ثم، تسـتدعي القراءة إبـراز هذه العلاقة بين تجديد الشـكل جذرياً، وطرح المأساة الفلسطينية من زاوية مـغايـرة لـما طـُرحت عليه في روايات عربية. لأجل ذلك، سـأتناول «أولاد الـغيـتو» في جـزأَيها: «اسمي آدم»، و«نجمة البحـر»، من خلال عـنـصرين: الـبنـية والشكل، ثم الدلالة ذات المعنى الـمعـلق.
الـبـنـية والشـكـل
منـذ الصفحات الأولى من «اسمي آدم» يـنـبـهنا الكاتب إلى أنه ليس هو مَـن كتب نص الرواية، بل هو آدم دنـّـون الفلسطـيني ذو الحياة الغريبة، الذي ولد داخل غـيتو اللـد وعاش في أكثر من مدينة فلسطينية محتلة، ودرس العـبرية وآدابها، والتـقى دالية اليهودية، التي عاش معها حـبه الكبـيـر، ثم سـافـر إلى أمريكا للعمل في مطعم صغير يـقدم الفلافل، وبعد ذلك موته أو انتحاره هناك، تاركاً مجموعة من الكراسات تحوي نصوص «أولاد الـغـيـتو» التي اكتفى الكاتب بمراجعتها ووضع عـنـاوينها الـفرعية… يـتعلق الأمـر إذن، بشـخصية متخـيلة هـــي التي تعـيد تـخـيّـل ما جـرى في اللـد أثناء مـحاصرة السكان وتجويـعهم، وهي التي تحدثنا عن مـسار حياتها من الولادة إلى المراهقة والشباب وبداية الكهولة، عـبر فضاءات متنوعة وشخوص واقعية وأُخرى متخيلة، لكن الجزء الأول من الرواية يشتمل في البداية على قصة الشاعر وضاح اليمن، الذي مات داخل صندوق عشيقته زوجة الملك الأموي بدون أن يعلن وجوده أو يعترض على قتله؛ فـأودى به صمته. غير أن الكاتب المفترض وجد أن هذه الصيغة لا تـرتقي إلى التعبير عن تجربته: «فـأنا أردت كتابة استـعارة كـبرى، استـعارة كـونية صنعها شاعر عربي مغمور عاش في العصر الأموي، ومات كما يموت الأبطال. وفجأة اكتشفتُ أن الاستـعارات لا تـُجدي». عندئـذ، اختار آدم أن يروي حياته كما عاشها في فلسطين والمهـجر الأمريكي. وخلال هذا السـرد بضميـر المتكلم في الجزء الأول، ثم ضمير الغائب في الجزء الثاني من الرواية، تـتـداخل أصوات عدة شخصيات رافقت حياة آدم، مثل صوت مـنال المرأة التي التقطته خلال فـرْضِ الغيتو على اللـد، وأصوات مأمون الأعمى وغيره ممّن شهد وعاش محنة الغيـتو، و«رفقة» ابنة غابـريـيـل اليهودي صاحب الكراج، وحوارات آدم مع عشيقاته العابرات، ومع دالية التي قادته إلى بحر الحب العميق، إلاّ إن صوت آدم يـظل هـو الأقـوى، خصوصاً عندما يتـعلق الأمـر بـبسْـطِ تـنـظيـراته للأدب وشكل الرواية.
خلق إلياس خوري شخصية آدم دنّون في فضاء مدينة اللد، وتـخيـل لها مـساراً وأحداثاً تـتـقاطع مع فترة من تاريخ فلسطين، الأمر الذي يجعله يمارس ما يُصطلح عليه، منذ بضعة أعوام، بـ«التخـيـيل الخارج ـ ذاتي».
وهذا الجانب الذي يـكتـسي صـفة ما يـسمى «الـمـيـتا ـ نـصّ» يـحـتل حـيّـزا لا يستهان بـه، ويـضطـلع بدورِ تـكسـيـرِ تـتـابُع الســــرد، وتـنبيـه القارئ إلى الشكل الجديد الذي يجـرّبه إلياس خوري من خلال الكاتب آدم، الذي ابـتدعه ونـسب إليه جميع التصورات النظرية والتأملات الفكرية: «لو يستطيع أبطال الروايات أن يكسـروا جـدران الصفحات ويتـكلموا مباشرة، وبلا أي وسيط، لـروى آدم حكايته ليس كإنســان لامرئي، بـل كرجل صنعه الخـيال. آدم هـو ابن مـخـيّلته التي رسمت له شخصية مـلتصـقة بـشخصيـته، لكنها مختلفة عنها». في هذه الإشارة، يُذكّـرنا الكاتب بأن آدم يمارس في سـرده «تـخـيـيل الذات»، أي أن يضـع الكاتب نفسه في مواقف وحكايات لا تمتّ بصـلــة إلى حياته الواقعية، كي يضيء جوانب لا مـرئية منها. لكننا نجد أن إلياس خوري هـو مَـن خلق شخصية آدم دنّون في فضاء مدينة اللد، وتـخيـل لها مـساراً وأحداثاً تـتـقاطع مع فترة من تاريخ فلسطين، الأمر الذي يجعله يمارس ما يُصطلح عليه، منذ بضعة أعوام، بـ«التخـيـيل الخارج ـ ذاتي»، لاستعادة الانفعالات والمشاهد الـمنسية لدى شخصيات عاشت في التاريخ، أو ابـتدعتها المخيلة لكتابة ما طـــواه الـزمــان.
على هذا النحو، تـتـخذ «أولاد الغيتو» في جـزأَيها شـكـلاً دينامـياً تـتـجاور داخله عدة عـناصر تـتحدر من تـقاطع الـواقعي ـ التاريخي بالمـتـخـيل، وتتجســد في الـميتا ـ نص، والاستـطراد، والتـشـكيك في المحكيات، والتخييل الذاتي، والتخيـيـل الخارج ذاتي، فضلاً عـن السخـرية واستثمار عـنصـر اللـعب والذاكرة الأدبية. وهذه العناصر مجتمعة أو متفرقة، نجدها في تجارب روائية عالمية وعربية سـعـت للخروج عـن الشـكل الكلاسيكي المشـدود إلى الإيهام بالواقع؛ إلاّ إن محاولة إلياس خوري في «أولاد الغـيتو» تربط هذا التجديد بغـرض أوسع يتـمثل في مسألتين: إعادة النظر في مفهوم الأدب ووظيفته؛ والتـساؤل عمّا إذا كانت روايته تنتمي إلى جنس أدبي لـه اسم معروف. بالنسبة إلى مفهوم الأدب، يقول على لسان آدم في «نجمة البحر»: «والحقيقة أن هذه النصوص التي لـن يطلق عليها مؤلفها اسم رواية، هـي محاولة اعتـراضية على الأدب أكثر مما هي عمل أدبي. صحيح أن آدم حاول أن يروي تجربته الشخصية، لكنه ليس مـتأكداً من أي شيء». وهذا الاعتراض على مفهوم الأدب سـيـتكـرر في أكثر من موضع، ليؤكد أنه يـقتـرن عنده بالخلوّ من المعنى ليصبح كـشفاً لخلجات الـروح الإنـسانية التي تـعـبّر عن نفسها بـعيداً عن تـبـليغ الرسائل، أو التــقـيد بالحدود الموضوعة لتميــيز أجناس التعبيــــر، ثـم نجد تلك الحرية التي أباحها آدم لـنفسه في استـدعاء محكيات ونصوص قديمة وحديثة تـتــصادى مع ما تجيش به مشاعره، غيـر مبـالٍ بـتـفــكـك الــسرد، ولا بما قد ينجم عن تحطيم أسـيـجة الذاكرة من تـضليل للقارئ أو إرباكه. وبشأن التشكيـك في كون «أولاد الـغيتو» تنتمي إلى جنس الرواية، يقول آدم: «أحاول أن أرمم صورة الصحـافي والمثقف الهامشي والإنسان البوهيمي الذي سكن في حيّ العجمي في يافا، وانتهى به المطاف إلى إقامة شــبه دائمة في الحي اليمني في تل أبيب، فــأجدها مقطعة الأوصال، وإلى آخـره… وصـولاً إلى زمني الجديد في نيويورك، حيث أقوم بمساعدة غير مباشرة من سـارانغ لي بــإقـنـاع نفسي بأنـني أكتب رواية لا تـشبه الروايات، لأنها تـنـتمي إلى جنس أدبي لا أعـرف لـه اسماً، ولست مـتأكداً من وجوده أصلاً».
في الواقع، هـذه الإشكالية التي يـطرحها إلياس خوري من خلال آدم الكاتب المفتـرض لـ «أولاد الـغيتو»، هي إشكالية طـُرحت من قبل بطرائق متنوعة. نشير مثلاً، إلى مسألة «الـمـطلق الأدبي» التي طـرحها الأخـوان شبيغل وأصدقاؤهما في ألمانيا في مجـلة «الأتـينـيوم» سنة 1800، داعـيـن إلى إزالة الحدود بين الفلسفة والأدب، والـسعي لبـلورة لحظة تـدشـيـنـية للأدب، بصفته إنتاجاً لـنـظـريـته الخاصـة، وأيضاً جَـعْـل الـنـظرية تـفـكر في نـفسها على أنها أدب. وفي الـتـنـظـيـر الـمـتـنـاثـر عبر «أولاد الـغـيـتو» مـا يجعلنا نستـحضر محاولة دعـاة «المطلـق الأدبي» الألمانـيين الذين ذهبوا إلى حـد إلـغاء مِـلكية النص الأدبي وجعله منتوجاً جماعياً، كما أننا نجد أن الخروج عـن الشكل الروائي ذي السـرد المنطقي والمترابط، قد تحقق في نصوص كثيرة، منذ رواية «عوليس» لـجويس، ثم في جماعة الرواية الجديدة في فرنسا وصولاً إلى الرواية في أمريكا اللاتينية، التي جـسدت مقولة إن الرواية شكل مفتوح قابل لأن يـمتص جميع الخطابات من خلال إدماج الـمـيـتا ـ ســرد ضمن النص الروائي، واختلاق شخصية الكاتب الضمني، وتـوظيف الخطاب الأسطوري والـوثائقي لبناء فضاء التخييل. من هذه الـزاوية، نلاحظ أن هذا التـجريب الـمـتعدد الوجوه، لم يـمـنع من اللجوء إلى الشكل السـردي «المتـرابط»، على الرغم من استفادته من تقنيات تكـسير البنـاء الروائي، على نحو ما لاحظه بعض النقاد في فـرنسا من عودة لدى أغلبية حفدة فـولتير، منذ بداية القرن 21، إلى سـرد «منتظم» في شكله، يوظـَّف لمعالجة إشــكاليات ملموسة بـقصد الإيحاء بـضرورة «إصلاح العالـم». غير أننا، في الوقت نفسه، نجد أن السـياق المجـتـمعي في الفضاء العـربي، مثلاً، يســتـدعي شـكـلاً روائياً مـتـشـظـياً ولغة مـتفجّرة، يحـيلان على واقع متـشظّ، فـاقد لـتـصنيف اجتماعي مـتـبلـور ومرجعيات أيـديولوجية فاعـلة في ساحة الصـراع الـديمقراطي. بـتعـبـيـر ثــانٍ، إن باب التجريب الـمفتوح باستـمـرار أمام الكتّـاب، لا يمكن أن يتجاهل الدلالة أو الـرؤية التي يحملها الشـكل ليـكتـشفها القارئ. وإذا كان الروائيون يبحثون عن شكل آخـر غـيـر ما تبـلور عـبر قـرون من الإبداع والتـجريب، فذلك لأنهم يظنون أن ما يـتـطلعون إلى التعبير عنه لا تـستطيع الأشكال المتوفـرة أن تستـوعـبه وتـحتضـن خصوصيـته. انطلاقاً من هذه الملاحظة، نـعود إلى مسألة علاقة الشكل بالدلالة في الرواية التجريـبية «أولاد الـغيتو» لإلياس خـوري.
السـياق المجـتـمعي في الفضاء العـربي، مثلاً، يســتـدعي شـكـلاً روائياً مـتـشـظـياً ولغة مـتفجّرة، يحـيلان على واقع متـشظّ، فـاقد لـتـصنيف اجتماعي مـتـبلـور ومرجعيات أيـديولوجية فاعـلة في ساحة الصـراع الـديمقراطي.
أول ما يلفت الـنظر، أنه لا يكتفي بـتقديم شكل مغاير ذي بــنـيـةٍ تــنِــدّ عن الـتـوصيف، بـل يجعل من الـميـتا ـ نصّ أيضاً، خـطاباً لـشـرح دوافع البحث عن شكل غير مسـبوق، وعلاقة هذا البحث بـمـفهوم خاص لـلأدب يكون متحرراً من كل تـجنيس، ومن كل مـعنى أو رسالة تبـدد متعـته الخالصة. وهنا مصدر الالـتـباس في الخطاب الشارح الذي يكـوّن جـزءاً من الرواية، ذلك أن الروايتـين «اسمي آدم» و«نجمة الـبـحـر» تـشــتملان على رؤية دلالية ذات بُـعد إنساني مســتـوحى من مأساة فلسطين يعبّر عنها على هذا النحو: «فـمـهمة الأدب الأولى هي أن يقوم بـقلب هذه المعادلة، كي تكون الحكاية هــي تاريخ المهزومين الذي لا يجـرؤ المؤرخون على كتابته». وهذه الفكرة يسـتـوحيها في رسم مسار آدم دنـّـون وبحثه عـن مـوقع له داخل وطـنـه الـمحتل، حيث سُـلبت منه هـويته. وبالتالي، عـند تحليلي للدلالة في «أولاد الـغيتو»، فإنني لن أتـقـيـد بـما ردده الكاتب في الـميتا- ســرد من أنه لا يـستـسـيغ الرسائل في الأدب، لأنـه يفقــد مـعناه إذا صار وسيلة لـشيء آخـر؛ سأتخطى ذلك لأجد له تأويلاً مغايراً أرى أنـه تحقق في النص، على الرغم من «تـصــريح النوايا» المــتـعلـق بـمفهوم الأدب وشـكل الـرواية غير المـسبوق.
بـعد تـوضيح هذا الإطـار الفكري، النقدي والـتنظيـري الذي تسـتند إليه «أولاد الغـيـتـو»، الذي ربما يُــحدث تـشـويـشاً لـــدى القارئ، سـأواصل تحليل الرواية باعــتـبارها شـكلاً ســردياً يـضع نفسه مـوضع تـساؤل، ويجعل من الاستـطرادات والتشكيكات جـزءاً لا ينفصل عـن السـرد وتـركـيب المشاهد والفصول. ولذلك، سأعـتـبـر أن دلالة الرواية ورؤيـتها إلى العالم قـائـمـتـان في الخـطابـين معاً المكونـين لـنـصّ الـروايـتـين، أي الخطاب الـسردي، الـتـخـيـيـلي ـ التـاريخي؛ والـخطاب الـمـيـتا ـ سـردي الذي يتـخلل بعض فصول الروايتـين.
نـبـض الحياة بـدلاً مـن تحـنـيط الذاكرة
تـأسيـساً على مـا سـبق، يمكن اعتبار «صـندوق الحب»، وهو مشروع رواية بـصيـغته الأولى، بـمثابة رصــدٍ مـــرآوي قصد الكاتب من ورائه أن يـلفت الـنظر إلى مسألة الاسـتـعارة الكونية التي أوحت لـه بها قصة الشاعر وضاح اليمن.
لقد جرب الكاتب/ دنّون أن يبني على هذه القصة روايته المستوحاة من علاقته بمأساة فلسطين، هو المولود في مدينة الـلـد أثناء احتلالها ومحاصرتها سنة 1948، إلاّ أنه عـدل عن ذلك، لأنه وجد هذه الاستـعارة مسرفة في التجـريد لا تـنقل النـبض الداخلي لمشاعره، الأمر الذي جعله يتخلى عن قصة وضاح، مكتفياً بالإشارة إلى أنها صيغة أولى لـم تـقنعه. لكنه مع ذلك سيـظل مشدوداً إلى فكرة الموت صمتاً من أجل مَـن نحب، التي جسدها وضاح بـمـوته داخل صندوق عـشيقته، وسـيشـيـر إليها أكثر من مـرة وهو ماضٍ في كتابة قصة حــياتــه.
ما يقودنا إلى بوّابة الدلالة، هـو آدم دنّــون المـتعدد الآباء، والمـنـتـسب إلى أمَّـين، والذي وُلــد مع بداية فـرْضِ الـغيـتو على مـدينة اللـد، وواجـه أعوام ما بـعد النــكبة مشــرداً، مـتنـقـلاً بين مـدن فلسطين المحتلة، منتحلاً اسماً يهودياً بعد دراسته الأدب الـعـبري، ثم مهاجـراً إلى أمريكا حيث يصبح بائعاً للـفلافل في مطعم صغير. وفي نيويورك، سيجد أن مَن يتحدثون أو يكتبون أو يُخرجون أفلاماً عن فلسطين هم أبـعد ما يكون عن الاقـتراب من جوهر المأساة، مثلما يـحسها هــو الفلسطيني اللقيط الذي تـسكنه الـغربة أينما يكن، حتى وهو في أمريكا الـمـسلية والضاحكة على ذقون الشعوب. هناك تـراوده فكرة كتابة رواية عـن تجربته، بصفته ابن الـغـيـتو الذي خـبَــر الحياة في ظـل الاحتلال الإسرائيلي، وأنـضجـته تجاربه في الحب والصحافة والتعليم، وأصبح حاضناً لأسـئلة تـعذبه عـن الـهوية والذاكرة والنكبة والمأساة والمحرقة والـغـيتو والموت… لـم يكن دافعه إلى كتابة رواية تـستوحي حياته هـو تسجيل تفصيلات النكبة وفضح وحشية الهاغاناه، وإنما محاولة فهم المأساة الملتـصقة بـجلده وأحلامه في ســياق حـاضـره، بـعيداً عن قـفص اجترار ذكــريات الـنكبة وآلام مــاضٍ ولّى إلى الأبـد. وهذا الاختـيار لـمنظور كتابة الرواية لا يـعـني تـنــصّـل آدم من فلـسـطينيته وتاريخها الـمـدموغ بالدم والأحــزان والـفـقدان، ذلك أن دراسته للأدبَيـن العربي والـعـبـري سـتـقوده إلى اسـتـحضار ومحاورة أســئلة الذاكرة والـهـوية ومفهوم الأدب، انطلاقاً من مــساءلة مـغـايـرة قاده إليها البحــث عن شكــل روائي مختلف يسـتـوعــب مـشاعره الـنوعية. مـن هنا جاءت البداية التـجـريبـية الأولى مستوحاة من قصة وضاح اليمن، غير أن «الكاتب» يتحرر من هذه الاستـعارة المـسرفة في التجريد لـيُعطي لـ«أولاد الغـيتـو» مــساراً لـولـبـياً تــتـناسـل مـكـوناته السـردية بالتدريج لـتـتجسـد في شــكل دائري ودلالات مـتـشــابكة لا تــكاد تــستـقر عـند مـحطة ثابتة: ينطلق النص الأول من قـرار آدم دنّـون كتابة رواية بـعد أن أصبح مقيماً في نيويورك، عقب حضوره مناقشة لفيلم إسرائيلي شـارك فيها كاتب رواية «بــاب الشمس»، إلياس خوري الذي سيكـتب «مقدمة توضيحية» لـ«اسمي آدم»، يــزعم فيها أن الطالبة الكورية «سـارانغ لي» هـي مَــن أعطته دفاتر تـحتوي على نــصّ الرواية التي كــتـبـها آدم دنــّـون قبل أن يموت محترقاً في بـيتـه. وهو (إلياس)، اكتفى بـضبط اللغـة ووضـع عــناوين الفصول، من دون أن يغـيـر شـيئاً، بـما في ذلك الانـتـقادات التي يصوغها الكاتب آدم في صـلب روايتـه ضد كاتب «بــاب الشمش».
هناك تـراوده فكرة كتابة رواية عـن تجربته، بصفته ابن الـغـيـتو الذي خـبَــر الحياة في ظـل الاحتلال الإسرائيلي، وأنـضجـته تجاربه في الحب والصحافة والتعليم، وأصبح حاضناً لأسـئلة تـعذبه عـن الـهوية والذاكرة والنكبة والمأساة والمحرقة والـغـيتو والموت.
مــن هذا المنظور الـذي يـقـترحه الكاتب الضـمـني (إلياس)، لا مـناص من أن نـقـرأ «أولاد الــغـيــتـو» بصفتها نـصـّــاً متخيلاً، تتدثــر شخوصه بالـتـخيـيـل والـغـرابة؛ وفي الوقت ذاته تـتخـذ مـن فضاء فلسـطين ســاحة يـضـطـلـع فيها التـاريخ بــدور الـخـلفية الـمأساويــة التي يعيد الكاتب داخلـها خـلْــق شخـصيات محتملة تـنـتسب إلى فـلسـطيـن/ المــأسـاة، لا إلى فـلسطين/ الـنـكبة التي ارتبطت بماضٍ متجمد، أي أنـه يــستوحي فـلسطيـن التي اخـتارتها الحركة الـصهيـونية فـضاء لـتكــرر فيها ســيـرورة الـغــيــتـو والـتشـريد والـتـقـتـيل والاستعمار.
من خلال هذا الـتركيب والـبناء والـدلالة، تـنـفتح «أولاد الـغـيـتـو» على أبــعاد إنســانية تحيـل إلى جوانب من المأساة التي تـتـعــرض لها ذخـــيــرة الـقيم الـكونية التي سـبـق أن عاشت الانـتهاك والـتدمـيـر عـلى يـد الـنازية التي دشنت الـهولوكست (المحرقة) خلال الحرب العالمية الثانية. على هـذا النحو، تـغدو فلسطين في «أولاد الـغـيـتو» مكـوّنـاً ضمن مكونات أُخرى لـ«فـضاء روائي» لا يـتـقـصد التأريخ لمأساة فلسطين، ولا فـضح جـرائم مستعـمريها، وإنما هـو فضاء تـتحقـق داخله مـغامـرة تـخيـيـلية تعـفي الكاتب من الالـتـزام بصدقية المـؤرخ، وتجعـلــه مطلقاً الـعنان في تخـيّل الشخوص، بـدءاً من آدم الفلسطيني، وصولاً إلى عـشيقاته وآبائه الـعديدين. ولا شك في أن هذا التحـلل من إرغامات التاريخ هـو ما أتاح للـكاتب أن يعانق مفهومـه الـنوعي لـلأدب الذي تحدث عـنه اسـتـطراداً في صفحات متعددة من النـص، وهو مفهوم نظّر من خلاله لرواية مفتوحة على جميع التـخيـلات والمشـاعر، تـبـني شـكلها الرحراح من إعــادة صــوغ الـمـقروءات الأدبية وفقاً لرؤيــة تـعـتـبـر الأدب / الرواية مـجالاً لتـحقيق المـتعة، لا مـنـبــراً لـتـبـليـغ الرسائل.
واضح أن هذا التـصور الـذي يـؤكـده إلياس خوري على لسان آدم الكاتب المفترض، هـو تـصـوّر يسعى لوضـع مـسافة بينه وبـين مفهومَي الالـتــزام أو الواقعية الاشتـراكية، الـحريصَين على ربط الأدب بالدفاع عـن قضية، أو بالسعي لتطوير وعـي الـمتلقي. غير أن الإشــكال المتصل بـمثل هذا التـصور الحريص على «تـحرير» الأدب من الـتسـخـيـر، هو أن جميع تـحـقـّـقـات النص تـؤول في النهاية إلى تـضـمـين رؤيـــة، أو الـتحـيّــز إلى وجهة نــظـر، وهو أمر راجع إلى الأداة التي يـتـوسل بها الإبداع الأدبي؛ فـاللغة ليست أداة «محايدة»، مثـل اللحن أو الـنغم في الموسيقى، والألــوان والخطوط في الــرسم، بل إنها أداة مـشتـركة بين جميع أفـراد المجتمع في اسـتـعمالاتها المتداولة؛ ومهما يسْعَ المبدع لنحت قـامـوسه الخاص، فـإنه يـظل مـنـتـسباً إلى المعجم اللـغـوي السـائد، وتظل كتابته، على الرغم من خصوصيتها، حاملة لـدلالات مـشتـركة. من هذه الزاوية، أرى أن «أولاد الـغـيـتـو» تـظل مـشتـملة على رؤية تـسـائل الـقارئ، سـواء اعتـبـرناها رؤية الكاتب الصريح، أو رؤية الكاتب الـمـفـترض آدم دنّـون. لأجــل ذلك، أجـد أن «أولاد الغـيتو» استـطاعت أن تـحـقـق شيئاً آخــر غير ما أفصح عنه الكاتب في خطابه الشارح، وهـو تـحـاشي التـعـبيـر المباشــر عـن أفكار ومشاعـر شخصيات الرواية. بـعبارة ثانـية، اعتمــاد الســــرد على الـمـيتا ـ سرد، وعلى الاستطراد وتـعـديــد الأصوات، واسـتثمـار الـتخييل في كــسر حــرفـية الـواقع ومـنطقـه، والتـشكيك في المحكيات، وكـلها عناصر جعلت الـدلالة تـتــعدد وتـفـقـد مـبـاشـرتها ويـقـيـنـها. وفي الاتجاه نفسه، يلجــأ الكاتب إلى توظيف عـنـصر اللعب من خلال نـقض الأقوال، والـتراجع عـن آراء سبق أن أكّدهـا، واختلاق الالتــبـاس بشأن ما يـبدو مـؤكــداً في التاريخ أو الدوغما السائدة.
إذا لـم تـنجح «أولاد الـغـيـتو» في التخلص من الدلالة ذات الـرؤية مثلما كان يتمنى كاتـباها، فـإنها استطاعت من خلال مكـوناتها السـردية والشكـلية أن تـجعل دلالة الرواية قــابـلة لأكــثر من تـأويل، ومحفّزة للقارئ على اسـتـنطاق ذاكـرته.
لــكن، إذا لـم تـنجح «أولاد الـغـيـتو» في التخلص من الدلالة ذات الـرؤية مثلما كان يتمنى كاتـباها، فـإنها استطاعت من خلال مكـوناتها السـردية والشكـلية التـي أشـرنا إليها آنـفاً، أن تـجعل دلالة الرواية قــابـلة لأكــثر من تـأويل، ومحفّزة للقارئ على اسـتـنطاق ذاكـرته ومـخـزوناته المــعرفـــيــة والـوجــدانــية. وبالنــسـبة إلى الـبـاحثيـن عـن «الـمـتعة الخالصة» في الرواية، نذكّــرهم بـأنها تـوجــــد أيضاً في النصوص التي تـستـوحي موضوعات حياتية أو تاريخية، مـولّدة أسئلة تـستـدعي التـفكير والتـأمـل. مــا من حــدود قاطعة تـمـيّـز الـممـتـع مـمّــا عداه.
لـم أتـوقف، في هذه الـقراءة، عـند المـحكيات الـكثيرة التي تـؤثـث حياة آدم دنّـون الـمـتخيلة، وخصوصاً تلك التي تسرد علاقاته الغرامية العابرة، قبل أن يلتقي دالية التي «رأت الفلسطيني الكامن في روح آدم»، وألهبت حـبّـه الذي سيؤول إلى مأساة؛ ولم أتوقف عند المشاهد والقصص التي يـرويها رجال ونساء اكـتـووا بـنـيـران المحرقة في وارسو، وعذابات الـغـيـتو في الـلــد، لأنـها سـرديات تُـكـوّن الرحم الـمـولد لـلأنفاس الـملحمية التي تــقـْـمِــط فصول الروايـتـين، وتمتص التأملات الشارحة، لـيتـدفق النص مـتدثـراً بغلالـته الـملحمية التي لا تهدف إلى تمجيد الــبـطولات، وإنما تلـمـلم الأشلاء والذكريات واللحظات الأليمة، كي تحـيل إلى مـأساة الـمـهزوميــن الذين فـقدوا وطــناً، وأصبحوا مشـردين أو مـحتـلين، مـهانين داخل أرضهم. وفي هذا الـمـستوى، نســجل أن «أولاد الـغيـتـو» تتميز بـسلاسة في التـعبـيـر، وبلغة رقــراقة منسابة، تجمـع بين الفصحى ولغة الكلام في زواج موفـق، وتلتحــف بالشـعرية الوجــدانية، كـلما تـعلق الأمــر باســتـكناه العواطف، أو وصف الأمكنة الجميلة، مـثل مدينة حـيـفا.
إن «أولاد الــغــيــتـو» بجـزأَيها «اسـمي آدم» و«نجمة البحـر» حـقـقت تلك الــمـتعة التي ألحّ عليها الكاتب، وجـعلها في طـلـيـعـة مــا يــبـتـغـيه من وراء مـغامـرته الحريصة على تـجديد الشكل، ونـزْع الحدود بين الأجناس التعـبـيـرية؛ لـكن المتعة التي حـقـقَــتها، في نـظري، تـظل مشــحونة بالأســئلة الفكـرية واللمحات الـوجدانية التي تـقــنع القارئ بأن معانقة نـبض الحياة هـو الـسبــيل إلى رفض الـذاكـرة الـمـحـنـطـة، والـمراهنة على أفـق القــيم الكونية الضرورية لاســتـمرار الإنــسان في الوجــود.
كاتب مغربي