‘ماذا حصل للمال الذي جمع لإغاثة الشعب السوري العام الماضي؟’… ‘ما هي الأرباح التي جنتها صالات العرض؟’، ‘لماذا لم توافقوا على مشاركة غاليري سويسري في تظاهرة هذا العام من آرت دبي؟’… إنهالت أسئلة صعبة مثل هذه من بعض الصحافيين على أنتونيا كارفر، مديرة فعاليات ‘آرت دبي’ في المؤتمر الصحافي للتظاهرة. إجابات كارفر عادت موجزة ومصاغة بطريقة لطيفة للتعامل مع طقس غير متوقع.
خلال الأيام اللاحقة ستكون أنطونيا كارفر روح التظاهرة الهائمة وهي تتحرّك بألوان بسيطة سوداء ودون ماكياج أو مبالغات تزيينية. تبتسم للجميع أو تحاول أن تتذكر أين رأتك كي لا تبدو متعالية، وعندما تتحدث لا تحسّ أنها تقول ما تقوله بداعي الدبلوماسية.
لا يمكن، بالتأكيد، توقع أن يمرّ حدث بهذه الضخامة في الخليج (70 مجموعة متحفية و85 صالة فنية من 35 بلداً) دون أن يهزّ دوائر محلية وإقليمية وعالمية ودون أن يثير الكثير من الأسئلة الجذرية التي يطرحها الحاضرون على أنفسهم قبل أن يطرحوها على مسؤولي التظاهرة.
تشكل فعاليات ‘آرت دبيّ’ (18 22 آذار/مارس 2014) ملتقى كبيرا لجدل الثقافات والأفكار والفنون بصورة لا تشبه تظاهرة فنية أخرى في العالم فقد جمعت هذه النسخة الثامنة من ‘آرت دبيّ’ مئات الصحافيين والفنانين وأصحاب الصالات الفنية وجامعي التحف ورجال الأعمال والشركات الكبرى والناشطين والمعترضين والمتفرجين والباعة والمشترين (والعابرين بداعي الفضول) في بوتقة واحدة غنية تنبض بالحياة ومدّت جسوراً بين عوالم مختلفة ثقافياً في خلطة مذهلة لا يمكن للصحافي أو الكاتب العابر أيّاماً قليلة استيعابها بسهولة.
بداية، ما كان لهذه التظاهرة أن تتوفر على هذا الطابع العالميّ الفريد لولا تموضعها مثل جزيرة عالمية ضمن بيئة محلّية قابلة لاستيعاب الآخر، وفي الآن نفسه توظيف كل ذلك لاستيعاب فنون الخليج العربي وامكانياتها المتزايدة تأثيراً وإبداعاً.
لذلك نفهم لماذا بدأت تظاهرة ‘آرت دبيّ’ في العاصمة القطرية الدوحة بندوة خاصة ل’منتدى الفن العالمي’ (وهي فعالية أصبحت جزءاً أصيلاً من ‘آرت دبيّ’ على مدى السنوات الثماني الماضية)، متناولة اوائل المخططات التنظيمية في الدوحة بين 1972-1982 بالشراكة مع هيئة متاحف قطر ومبادرة ‘الأعوام الثقافية’، في نوع من اللمحة التي لا تفوتها الدلالة الى ان الثقافة والفن قادران على تجاوز التوترات السياسية العابرة.
في الإطار الخليجيّ نفسه، شهدت التظاهرة الإعلان عن افتتاح مركز الملك عبد العزيز للثقافة وعن فعالياته في المملكة العربية السعودية (والذي كان موضوع نقاش حول الخصوصية والاختلافات السعودية مع مسؤولة الثقافة والابداع فيه رفقة الزملاء محمد غندور (من ‘الحياة’) ومحمد وردة (من ‘الاتحاد’ الاماراتية)، والزميل محمد منصور (مراسل ‘القدس العربي’ في الإمارات) وزميل من ‘الرأي’ الكويتية.
غير أن التظاهرة هذه ليست وردة في الصحراء فهناك عشرات الفعاليات التي تتفتح وتفاجئك بديناميّات خاصة بها، مثل فعاليات ‘سكة’ التي كان في صميمها معرض سكة الفني 2014 الذي يقدّم برنامجاً مخصصاً بالكامل لأعمال فنانين إماراتيين ومقيمين في دولة الامارات، كما تقدم عروض افلام في الهواء الطلق وعروضاً موسيقيى وترفيهية حية وجولات ثقافية ومناقشات فنية وورش عمل ونشاطات تثقيفية اضافة الى الاستوديو المفتوح لبرنامج ‘الفنانين المقيمين في دبي’، وذلك باشراف القيّمين الشيخة وفاء هاشر المكتوم وكايوكو ايمورا ويوساكا ايمورا.
أما الحديث عن الفعاليات الثقافية والفنية الموازية الاخرى الباقية في دبي وكذلك في الإمارات الأخرى مثل عجمان وابو ظبي فتحتاج مقالاً موسعاً بحد ذاتها.
استحداث قسم الفن الحديث
التجديد الأول في برنامج ‘آرت دبي’ لهذا العام كان استحداث قسم الفن الحديث وتخصيصه، لفنون القرن العشرين في الشرق الأوسط وجنوب آسيا بإشراف القيّمات كريستين خوري وكاثرين دافيد وسافيتا آبتي والمؤرخة الفنية المعروفة ندى شبوط، وقدمت فيه الصالات الفنية معارض فردية او مشتركة للفنانين ميشال بصبوص وسيد صادقين ومقبل فدا حسين وناصر اليوسف وراشد آل خليفة وزهور الأخلاق وباية وحامد عبد الله وآدم حنين ورشيد أرائين وانور جلال شمزا ونبيل نحاس وهوغويت غالاند واردشير محسس اضافة لبعض أعمال عبد الله الريس.
تركت روحي تتجوّل في المعرض وتستطلع آراء الناس والعارضين. ضمن تظاهرة الفن الحديث لفتتني أعمال زهور الأخلاق فسألت كاميلا تشودري، من ادارة الغاليري، عن عموم الحركة التشكيلية في باكستان وإن كان للهند او لتأثيرات عالميّة أخرى تأثيرات عليها، فردّت بأن الفن التشكيلي في باكستان مزدهر شديد الإزدهار نتيجة التنافس الكبير فيه الذي أدى الى قناعة لدى الفنانين بضرورة التميز والفرادة، وأن لا تأثير حقيقياً للهند او لمراكز كبرى عليه فقد تجاوز مرحلة التأثر بالفنون العالمية.
زهور الأخلاق (1941-1999)، الذي عرضت ‘آرتشوك’ أعماله، بحسب كاميلا، مثال على ذلك فهو معلّم لأجيال عديدة في الكلية الوطنية للفنون، وأعماله ألهمت تلاميذه. ‘من ينظر الى أعمال زهور،’ تقول تشودري، ‘يلاحظ المستويات العديدة لأعماله كما لو كانت ظلالاً مرسومة فوق ظلال. ما فعله زهور كان اعادة وصل الباكستانيين بتراثهم ومحليتهم. حصل ذلك خلال دراسته في بريطانيا وزيارته للمتحف البريطاني حيث شاهد أعمال المغول وشاه جهان’، ومع عودته الى باكستان ألهم زهور مدرسة كاملة واشتهرت بفضل ذلك أسماء فنية باكستانية كبيرة مثل عمران قريشي وراشد رانا وشازيا اسكندر.
مختلفون بشكل وحشي!
ترافقت تظاهرة ‘مؤشر’ (Marker) هذا العام مع أحداث اوكرانيا مما أعطاها طابعاً ديناميكياً كونها مخصصة لفنون اواسط آسيا ومنطقة القوقاز، بحيث أعطت حيوية كبيرة لقضايا تداخل السياسي والجغرافي والتاريخي بالفني في منطقة كانت خاضعة للإطار السياسي والفني السوفييتي قبل ان تهب عليها رياح التغيير.
قابلت بيان شريفي ممثل إحدى المجموعات المدعوّة المسمّاة ‘سلاف وتتار’ والذي عرّف المنطقة التي غطّاها معرضه جغرافياً بأنها تمتد من شرق جدار برلين حتى غرب جدار الصين. استثارتني أفكار المجموعة التي مثلها شريفي مثل اعتبارها ان الإسلام ازدهر في الحواشي والأطراف أكثر من المراكز، وأن هبوب الحداثة المتأخر عليه بعد اختلاطاته بالشامانية والهندوسية وغيرها من الأديان فتح المجال للتعبير الإشكالي الفني عن الهوية وقضايا إشكالية عديدة أخرى.
في قاطع آخر من ‘مؤشر’ التقيت يوليا سوروكينا مديرة ‘آسيا آرت +’، ألماتي (كازاخستان)’ التي ‘دردشت’ معي حول انشغالاتي التي ولّدتها الأعمال المعروضة في قسمها ضمن ‘مؤشر’. ‘مختلفون بشكل وحشي!’ تصف يوليا التفارقات بين فناني المنطقة الشاسعة التي يغطيها المعرض. ‘كازاخستان هي الأغني بسبب النفط والمعادن’، تقول. ‘اوزبكستان فيها نظام غريب مؤيد للنظام السوفييتي الآفل ودكتاتورية تعاضد هذه الصورة’. مع ذلك تتحدث يوليا عن التشابهات بين كل هذه البلدان الكبيرة ‘لدينا تراث سوفييتي. هناك شكل من الأخوة. لدينا جذور مشتركة. التعليم وشكل الحياة وكيف نفكر… وفي النهاية كلنا نتكلم الروسية’.
ترى سوروكينا ان شعوب آسيا الوسطى تشترك ايضا في نوع من المناخ البدوي. ‘اذا كان لديهم طقس جيد وأكل فكل شيء جيد.’، كما تشير الى نقطة أخرى مهمة ‘الفن يمكن لمسه هناك لأنهم يعملون بأشياء من الحليب والطين. حين اذهب الى روسيا اشعر بشعور مختلف. لدينا متع أخرى في الحياة وحين ننتقد نقوم بذلك بدعابة وبطريقة فنية.’
على المقلب السياسي ترى يوليا ان الفنانين حساسون وغير مرتاحين سياسياً ولكنهم يقاتلون بطرقهم الخاصة وباشاراتهم الخاصة. ‘هذا الأمر ليس جديداً. الفن المعاصر هو نقديّ دائماً. لا يمكن للفن أن يكون معاصراً دون أن يكون سياسياً ونقدياً’.
فنان لبناني لغاليري ارمني في اليونان
لفتتني في العروض أعمال للفنان اللبناني رائد ياسين كانت معروضة في غاليري كالفايان (أثينا) وما لبثت أن عرفت لماذا. روبين كالفايان، أحد مدراء الغاليري أخبرني انهم الأقدم في اليونان في اختصاصهم بفنون الشرق الأوسط. ‘كنّا في آرت دبيّ منذ البداية. اليونان هي جسر بين اوروبا والشرق الأوسط’. أصحاب الغاليري من أصل أرمني. ‘الشرق الأوسط وطن أحفادنا. هربنا من الابادة الى لبنان ومنها الى اليونان’.
يرى روبين ان المشهد الفني تغيّر كثيراً في ‘آرت دبيّ’. صار هناك اهتمام أكبر وتغيير في الذوق وخصوصاً بين جامعي الآثار الفنية الشباب.
تربّى روبين في بيت محبّ للفن بحيث صار يميّز بين الفن السيء والجيد وتوصل الى استنتاج صادم ‘أغلب ما يباع من الأعمال الفنية سيء!’.
بعد ذلك استوقفتني فنانة لبنانية أخرى تدعى أنابيل ضوّ التي عرضت صالة تانيا فاغنر في برلين أعمالها. قامت انابيل بجمع رسائل حب لأكثر من خمسمئة شخصية مشهورة وغير مشهورة وصنعت منها نصّاً جديداً في أعمال فنية. خلال بحثها الفنّي اكتشفت انابل وجود تكرار كبير للأفكار في الرسائل. الإعجاب بالعيون الزرق مثلاً. لكنها صنعت أعمالها بشغف وتحليل.
بعد الحب جاءت الشهوة وكان أجمل التعبيرات الفنية عنها لفنانة استرالية شابة تدعى جوز كيتسون جالت بلداناً كثيرة والتقطت منها تفاصيل ومرميّات وفواكه وحصى وخرز وقولبتها في عمل سمّته ‘المشتهى يشتهي ما يشتهيه الآخر’ حيث خلقت من هذه الأنواع المتعددة من الأشياء المتنافرة عملاً فنيا مذهلا نابضاً بكل دلالات الشهوة والجنس.
مجددون ومخضرمون
هناك فنانون كثر في فعالية ‘آرت دبي’ الأخيرة لا يمكن المرور بأعمالهم سريعاً دون إسداء الاحترام المفترض لإبداعيتهم العالية. كثيرون من الذين استجابت ذائقتي الفنية لهم يعملون على الحدود المختضّة والمثيرة لسرديّات الهوية في علاقاتها المعقدة بالتاريخ والجغرافيا والجنس والطبيعة، مثل الفنانين امينة بن بوشتة وعليمجان جوروبوف وحسين فالامانيش وليلى السعيدي وشيزاد داود وبشرى خليلي وميمونة غريسي وسيرغي ماسلوف وجيورجي خانياشفيلي ورضا هزاري.
هناك أيضاً المخضرمون الذين أسسوا مساراتهم وبنوا عماراتهم الفنية المؤثرة مثل باية التونسية ومنى حاطوم الفلسطينية وصفوان داحول السوري وحسن شريف الاماراتي وفرهاد موشيري الايراني، وعشرات غيرهم.
إضافة للفعاليات الكثيرة التي ضمها برنامج هذا العام لفت نظري جهد كبير تقوم به مؤسسة ‘يارات’ الأذربيجانية والتي وزّعت الكثير من أدبياتها خلال الفعاليات وأعلنت عن معرض ل17 فناناً من اذربيجان وايران وروسيا وتركيا وجورجيا في ‘مركز حيدر علييف’ (تحفة الفنانة المعمارية العراقية زها حديد) في باكو تحت عنوان ‘تحبني، لا تحبني’.
مع سنته الثامنة، تحوّل ‘آرت دبي’ الى نهر لا يمكن السباحة في مياهه نفسها مرتين مثبّتاً معادلة جديدة توازي بين الثقافة النخبوية والجماهيرية ومحوّلاً، بطريقة استثنائية، صورة المدينة التي تستضيفه الى مركز فنّي كبير وجسر بين ثقافات العالم لا يمكن مضاهاته.
وما جعل من هذه الظاهرة حدثاً ديناميكياً هو اجتماع عوامل عديدة أهمها انه نشأ وتواصل مع بيئة ثقافية تتلخّص فيها خصائص المدينة والخليج العربي عموماً بحيث استطاع خلق بيئة تحتية واسعة من مراكز فنية وثقافية وصالات عرض تشكيل وسينما ومسرح ومتاحف ترفدها طبقة وسطى متعلمة وغنية، واستطاعت ادارة التظاهرة تلمس اشكاليات ثقافية وفنية وتفاعلت معها بذكاء مما حوّل المكان الى سرّة جغرافية تتوازن وتتنافس فيها حواضر آسيا الكبرى: الهند وايران والعراق وسوريا مع بلدان المعسكر السوفييتي السابق وحواضر الغرب وافريقيا وامريكا، مما حرّك المركزية الغربية عن مكانها وحفز حراكات مماثلة في الدوحة وابو ظبي والرياض وجدة، في عمل ثوريّ يغير بهدوء وحكمة القوالب الثقافية الراسخة بقوة الجذب الحضاريّ لا بالمدافع والطائرات، وهي مقاربة عربية جديدة لتطوير الثقافة بمعناها العميق.
يجب القول، مع ذلك، ان هذه البيئة الليبرالية ثقافياً واجتماعياً لا يمكن ان تنمو بمعزل عن الليبرالية السياسية، وان آفاقها المستقبلية ستتأثر سلباً بأي اتجاه للإقصاء السياسي والحجر على الآراء والافكار أيّاً كان مصدرها.
‘ شاعر وصحافي من اسرة ‘القدس العربي’