آفاق مستقبل الاعلام العربي: بين التبعية وتحقيق الأمن الاعلامي
حسين مجدوبيآفاق مستقبل الاعلام العربي: بين التبعية وتحقيق الأمن الاعلامي الحديث عن آفاق الاعلام العربي يفرض طرح مجموعة من الأسئلة البديهية المرتبطة بعالم السياسية والاقتصاد، أسئلة أساسية من قبل، ما هي التغييرات السياسية والاقتصادية الرئيسية التي يمكن أن تحدث مستقبلا في هذه الرقعة الجغرافــــية (العالم العربي)، وفي الوقت نفسه التساؤل عن الدور الذي يمكــــن لهذا الاعلام أن يقوم به سواء كموجه ومؤثر أو متأثر بهذه التطورات والتغيرات، وكل هذا يجرنا الي التساؤل العريض، هل سنصل الي تحقيق الأمـــن الاعلامي ؟كما أن الحديث عن آفاق هذا الاعلام يطرح علي مستويات متعددة، الأول علاقته بالتطور التكنولوجي، والثاني المضامين والمواضيع التي ستفرض نفسها وســـتكون نتيجة التطور السياسي، في حين أن المستوي الثالث وهو مرتبط بالثاني أشد الارتباط ونعني نوعية المشاهد، القارئ أو ما يمكن تصنيفه عموما بالمتلقي للخطاب حسب نوعية الأداة الاعلامية هل هي سمعية بصرية أو مكتوبة، وأخيرا مدي استقلاليته عن الدولة عموما.أي دور للقطاع الخاص؟في الوقت الراهن، الهاجس الرئيسي للإعلاميين في الغرب هو إشكالية سيطرة أطراف محدودة علي القطاع الاعلامي عبر ظهور شركات ضخمة تهيمن علي الصحافة المكتوبة وقنوات التلفزيون والراديو وإنتاج الكتب، وكيف بدأت تحل مكان الدولة في الرقابة بسبب مراعاة مصالحها التجارية، في العالم الأنجلسكسوني هناك إمبراطورية مردوخ وفي العالم اللاتيني الناطق بالاسبانية مثلا مجموعة بريسا التي تصدر جريدة الباييس ولديها شبكة راديو كادينا سير وذات التواجد المكثف في أمريكا اللاتينية.في العالم العربي، ما زال الاعلام تابعا للقطاع العام بطريقة أو أخري، باستثناء حالات تنفلت من السيطرة وأغلبها في الصحافة المكتوبة، فالمغرب مثلا شهد خلال السنوات الأخيرة بزوغ الصحف المستقلة مثل لـ وجورنال و تيل كيل و الأيام و الصحيفة و الأحداث المغربية و الصباح ، والأمر نفسه مع الجزائر. المغرب من أوائل الدول التي سارعت الي تحرير القطاع السمعي البصري، وحدث هذا خلال السنة الجارية، ويترقب المهتمون تجربة محطات الراديو الجديدة وقنوات التلفزيون. ويسود الاعتقاد المبني علي التجربة الواقعية أنه إذا راهنت هذه القنوات التلفزيونية في المغرب علي نوع من الاستقلالية والجرأة علي شاكلة الصحف المستقلة المذكورة، فهذا يعني التعجيل بنهاية قنوات التلفزيون العمومي، كما عجلت الصحف المستقلة بتراجع الصحفة الحزبية والعمومية.في الغرب، الاعلام يعيش أساسا علي الاشهار، والاشهار في العالم العربي ضعيف للغاية وليس هناك مؤشر علي تعزيز مكانته ودوره مستقبلا بحكم ضعف القطاع الخاص. وإن حدثت عملية تحرير القطاع السمعي البصري، فهذا الاعلام لن يقوم أساسا علي الاشهار وإنما سيكون إعلام شيوخ النفط وما شابههم إلا باستثناءات. فقنوات التلفزيون الحالية كلها مرتبطة بالدول أو بالأمراء، الجزيرة بوزير الخارجية القطري و العربية بالدولة السعودية وقناة العالم بإيران، ويحدث هذا في بعض الصحف العربية الكبري.فالتطورات الاقتصادية المقبلة لا تشير الي ظهور طبقة من رجال الأعمال الذين يمكنهم أن يقوموا بأدوار تنويرية في المجال السياسي بالرهان علي قنوات تلفزيونية تنشر قيم الديمقراطية والتحرر واحترام حقوق الانسان، بل ربما سيقتصر دورهم علي قنوات مثل روتانا. ولكن يمكن الرهان علي استثمار القطاع الخاص مستقبلا بصورة أكبر في الصحافة المكتوبة والالكترونية نظرا لتكاليفها الرخيصة مقارنة مع السمعي البصري.2 ـ التقدم التكنولوجي:الحديث عن دور التكنولوجيا في الاعلام لا يقتصر فقط علي الاعلام العربي بل هو نقاش عالمي، ويتمحور حول مدي تأثير الاعلام الالكتروني علي الصحافة المكتوبة. وهل ستختفي هذه الأخيرة بسبب انتشار ثقافة الانترنت. هذا النقاش شبيه بالذي حدث عندما ظهر الراديو، وقتها قال البعض ان الصحافة المكتوبة ستموت أو عندما ظهر التلفزيون والفيديو قيل ان السينما ستختفي، ولكن لم يحدث أي شيء من هذا. هناك جرائد ورقية رفعت من مبيعاتها رغم تواجدها علي شبكة الانترنت.يبقي الأساسي أن التطور التكنولوجي يصب أساسا في مصلحة توسيع هامش حرية التعبير في العالم العربي، وشبكة الانترنت لا يمكن في الوقت الراهن السيطرة عليها، أنظمة عربية تقوم بالرقابة علي الصحف الورقة ولكن هذه الأخيرة متوفرة علي شبكة الانترنت.التقدم التكنولوجي يعطي صوتا لم لا صوت وله، كل شخص الآن يمكن أن يستعمل شبكة الانترنت للتواصل مع الآخر فيحال لقوي السياسة أو وضع تقرير عن حقوق الانسان،. وكما ساهم التقدم التكنولوجي في توسيع هامش الحرية في منطقة أمريكا اللاتينية التي كانت تعيش تضييقا علي حرية التعبير، فالعالم العربي بدأ يشهد في الوقت الراهن مؤشرات شبيهة بما حدث في أمريكا اللاتينية منذ منتصف التسعينات.3 ـ نوعية القارئ المستقبلي:سياسيا، يشهد العالم العربي موجة من ظهور الحركات الاسلامية التي أصبحت تتوسع وسط المجتمعات العربية، وتؤكد معطيات الواقع أن الخطاب الاسلامي هو الذي يلقي إقبالا كبيرا من طرف الشباب نظرا لجرأته في الرد علي أطروحات الغرب ولكونه أصبح المسلك الرئيسي لمواجهة حالة القهر واليأس التي تسيطر علي نفوس العرب. ونتيجة هذا المعطي، فبعض القنوات ذات الانتشار الواسع تخصص حيزا للدين وتولي أهمية للناطقين باسم الاسلام السياسي كما هو الشأن مع قناة الجزيرة. ويكفي أن برنامج مثل الشريعة والحياة الذي يشارك فيه القرضاوي يحطم أرقاما قياسية في نسبة مشاركة المشاهدين والمشاركين، وتجلب أكبر نسبة من المشاهدة من الصعب أن يحققها مفكر يساري أو علماني. ومشاركة أي سياسي اسلامي في برنامج تلفزيوني يضمن نسبا مرتفعة من المشاهدين، فظهور أسامة بن لادن علي شاشة التلفزيون يحطم الأرقام القياسية في نسبة المشاهدة في العالم العربي، ويبقي من المستحيل في الوقت الراهن أن يتفوق أي زعيم عربي مهما بلغ شأنه في استقطاب أعلي نسبة المشاهدة مقارنة مع زعيم حزب الله حسن نصر الله إذا ظهر في قناة من القنوات التلفزيونية. معطي آخر يؤكد لنا التوجه الاسلامي أو الراديكالي للقارئ والمشاهد العربي مستقبلا وهو عمليات التصويت في مواقع معينة في شبكة الانترنت المرتبطة ببرامج بعض قنوات التلفزيون مثل الاتجاه المعاكس في الجزيرة، فأعلي نسبة مئوية تكون لصالح ما يمكن تصنيفه بالحلول الجذرية ذات التوجه الاسلامي. وعلي شبكة الإنترنت، انتشرت مواقع إعلامية ذات مضمون ديني وهي تتناسل بصورة مذهلة أكثر بكثير من المواقع التي يمكن تصنيفها بالعقلانية.عموما، القارئ أو المتلقي العربي المستقبلي يطلب إعلاما ذا حمولة دينية، والمعطيات تؤكد أن الاعلام الاسلامي أو المرتبط بالإسلام السياسي مرشح للهيمنة المطلقة علي الساحة الاعلامية العربية مستقبلا.4 ـ صحافة الرأي والتحليلالعالم العربي ما زال يبحث عن مستقبله السياسي، ما زال في طور بناء المؤسسات وتشييد الديمقراطية، وهذا يعني المواجهة بين مشاريع فكرية وسياسية مختلفة، الاعلام العربي مطالب بالمساهمة في إبراز هذا النقاش بعيدا عن المقالات التبريرية أو مقالات المدح والتبني الأعمي للأطروحات بدون روح نقدية. ـ المضامين المستقبلية:التطورات السياسية في العالم العربي تفرز قضايا وإشكاليات تتعلق بحقوق الانسان ونوعية التسيير الحكومي مستقبلا والبيئة ضمن قضايا أخري، والاعلام العربي مطالب بمواكبة هذه التطورات ابتداء من الآن حتي يكون في طليعة قيادة الرأي العام العربي، ومن أبرز القضايا التي تطرح سياسيا:المحلية والأقليات:عادة ما يتزامن النضال من أجل الديمقراطية الاهتمام بالشأن المحلي، بحكم أن المواطن يصبح يهتم كثيرا بتطورات السياسة المحلية سواء تلك المرتبطة بالمدينة أو الاقليم العام، وعدد من الدول العربية بعد مرحلة الديمقراطية المنتظرة قد تشهد حكما ذاتيا للأقاليم، التطورات السياسية في السودان وفي المغرب تؤكد ذلك في رهان البلدين علي حل مشاكل ترابية. فالمغرب مثلا يراهن علي ما يسمي بالجهوية والتي أخذت تسمية الحكم الذاتي في نزاع الصحراء المغربية، الدولة المغربية مثلا سمحت بإذاعة جهوية والآن بتلفزيون جهوي يبث في مدن الصحــراء المغربية دون باقي مناطق المغرب.والحديث عن الحكم الذاتي يؤدي مباشرة الي حقوق الأقليات، حتي بداية التسعينات كان موضوع الأقليات مغيبا في اعلام دول أمريكا اللاتينية، منذ انتفاضة جيش التحرير الزاباطي تشهد أمريكا اللاتينية بروز دور الاثنيات أو السكان الأصليين، ولهذا فنسب مهمة من الأخبار والتحاليل تنصب علي الاثنيات، ما يجري في هذه الرقعة من العالم سينتقل الي العالم العربي وإن كان ملف الاثنيات ما زال مغيبا إعلاميا ولكنه حاضر سياسيا.بعض الجرائد العربية، بدأت تنهج سياسة المحلي ومن ضمنها جريدة القدس العربي التي تخصص صفحات معينة لكل منطقة عربية، فلهذه الجريدة يعود الفضل في تقديم منطقة المغرب العربي للمواطن العربي في الشرق الأوسط، والآن تقدم الهجرة العربية في أوروبا للقارئ في ربوع العالم العربي.الانفتاح علي تجارب الآخرين العالم العربي يبحث عن نموذج للتنمية والديمقراطية، اعتدنا سماع استحالة تطبيق خصوصية الغرب نظرا لخصائص كل حضارة، لكن هناك مناطق شبيهة بوضعنا عاشت الاستعمار وكانت متخلفة ولقيت الآن طريقها نحو التقدم، ونعني أمريكا اللاتينية ودول جنوب شرق آسيا مثل ماليزيا وأندونيسيا التي يمكن أن تشكل نموذجا.في هذا الصدد، الاعلام العربي مطالب بالانفتاح علي تجارب الآخرين ونقلها الي الانسان العربي لكي يستفيد منها، ومع الأسف الشديد، سواء الصحف أو قنوات التلفزيون تهمل هذه الدول من أجندتها الاعلامية، ونادرا ما تجد مقالات أو أخبارا حول أمريكا اللاتينية إلا أذا أصدرت دولة منها مثل فنزويلا موقفا من قضية عربية ما. ـ المصــــادر: وكالة الأنباءمن ضمن الركائز الأساسية في الاعلام، المصدر، وهذا الأخير متنوع ولكن تبقي وكالة الأنباء هي الجامعة له. وكالة أنباءفشل الاعلام العربي في إنشاء وكالة أنباء مستقلة علي غرار بعض الوكالات الدولية الكبري مثل فرانس برس و رويترز ، وكان الفشل مضاعفا بحكم أن الغالبية العظمي من الصحف العربية لا تتوفر علي مراسلين في أماكن الحدث أو العواصم الكبري، وكل ما هناك حتي الآن هو تنسيق بين وكالات بعض الدول العربية التي تتبادل فيما بينها أخبار رسمية تتحدث عن أجندة الزعيم ليس إلا.غياب وكالة أنباء موحدة يعود الي عوامل متعددة، أن الاستثمار غير مربح بصفة نهائية، ثم غياب الديمقراطية وحرية التعبير، لكن في ظل تطور وسائل الاتصال وخاصة شبكة الانترنت وسهولة البث عبر الأقمار الاصطناعية، أصبح من الممكن تجاوز مثل هذا العائق.وكالة أنباء عربية موحدة تبقي ضرورة ملحة لأنها يمكن أن تضع أسس خطاب إعلامي في الصحافة المكتوبة وتجعل القضايا العربية الرئيسية تنظر بعين عربية وتصاغ بعين عربية، فهناك مفارقة كبيرة في الاعلام العربي، أغلب الأخبار التي تنشر حول قضية مقدسة لدي الرأي العام العربي مثل فلسطين مصدرها وكالات أجنبية مثل رويترز و فرانس برس .فالعالم العربي ما زالت له قضايا ويجب ترسيخ مجموعة من المفاهيم حول هذه القضايا وعلي رأسها استمرار الصراع العربي ـ الاسرائيلي بحكم احتلال دولة اليهود لأراض عربية. الصحافة يجب أن تعيد النظر في استخدام بعض المصطلحات المتسامحة في تعاملها مثلا مع إسرائيل، فبدل الاكتفاء بالدولة اليهودية أو مصطلح إسرائيل يجب التركيز وفق رأينا علي مصطلحات من قبل دولة الاحتلال أو الارهاب الاسرائيلي.ورغم النجاح الذي حققته بعض القنوات الدولية مثل الجزيرة و العربية أو بعض الصحف، فنسبة معينة من أخبارها صادرة عن الوكالات. في حالة الجزيرة، الأكثر مشاهدة في العالم العربي، يكون خبر الوكالة أو ما ينشر في الصحافة الأمريكية هو المحدد، الحديث عن اغتصاب وقتل عبير العراقية حضر في الجزيرة بعدما تحدثت عنه نيويورك تايمز ، وغاب بعدما لم تهتم به الصحافة الأمريكية، ولا ندري لماذا لم تتابع الصحافة العربية هذا الخبر المأساوي، وأكيد أنه سيعود الي الواجهة إذا تطرقت اليه مجددا نيويورك تايمز أو الواشنطن بوست .الكثير كان يتكهن بموت وكالات الأنباء لكنها تثبث أنها ما زال لها دور في تطوير الصحافة، وتعتبر العمود الفقري للصحف كما تعتبر العمود الفقري لقنوات التلفزيون ومحطات الراديو، من هنا ضرورة تفكير الاعلاميين العرب في إنشاء هذه الوكالة شريطة التنصيص علي نزاهتها واستقلاليتها، أمران صعبان ولكن ليسا بالمستحيل.6 ـ الأمن الاعلامي:ونتيجة الاستقلال النسبي عن الغرب الذي حققه الاعلام العربي بفضل بعض القنوات العربية وبعض الجرائد، يحاول الغرب الآن مخاطبة المتلقي العربي من خلال تدشين محطات راديو وقنوات تلفزيونية باللغة العربية، ومن أبرز الأمثلة محطة سوا وقناة الحرة الأمريكيتان، وعزم الـ بي بي سي فتح قناة تلفزيون ابتداء من آذار (مارس) المقبل.وأمام هذا الوضع، الاعلام العربي يجب أن ينشد ما يسمي بـ الأمن الاعلامي الذي هو شبيه بالأمن القومي العسكري والاقتصادي، ويعني أساسا تحصين المواطن العربي من الأخبار التي توجه من الغرب أساسا لتمرير مخططات ثقافية وسياسية معينة، فراديو سوا وتلفزيون الحرة يرميان أساسا الي تعزيز السياسة الأمريكية في العلم العربي ليس إلا.المسافة بعيدة لتحقيق أمن إعلامي حقيقي، لكن تهافت المواطن العربي علي قنوات عربية معينة وجرائد معينة وتراجع قنوات أجنبية باللغة العربية بل ورفضها أحيانا هو بمثابة إصدار حكم بوجود مصداقية لديها، وهذه أهم خطوة نحو الأمن الاعلامي العربي.صحافي من المغرب يقيم في اسبانيا8