آفاق واحتمالات حل الأزمة اليمنية

نبيل البكيري
حجم الخط
0

مع تسلم إدارة الرئيس بايدن الديمقراطية للحكم في البيت الأبيض في الـ20 من كانون الثاني/يناير الماضي، برز للسطح الملف اليمني بقوة، كمادة سجالية بين إدارة ترامب التي صنفت جماعة الحوثي كمنظمة إرهابية بآخر قرار لها في البيت الأبيض، وبين إدارة بايدن التي بادرت لوقف دعم التحالف العربي وحربه في اليمن، وإلغاء قرار تصنيف جماعة الحوثي كمنظمة إرهابية، عدا عن تعيين مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق تيم ليندر كينغ مبعوثا أمريكا خاص لليمن.
لا شك أن هذه التطورات دفعت بالمشهد اليمني بقوة للواجهة مجددا، والحديث عن السلام، وخاصة وأن توجه الادارة الأمريكية الجديدة، تتحدث عن أهمية إحلال السلام في اليمن وأن ذلك لن يتأتى إلا من خلال وقف الحرب، وهو تصور رغم وجاهته وهو إحلال السلام لكنه يبقى مجرد تصور لا يستند على قراءة دقيقة لجذور الأزمة اليمنية ومسبباتها ودينامياتها التي تعمل على استدامة الصراع واستمراريته، بغض النظر عن أي جهد دولي أو إقليمي ضاغط في هذا الاتجاه.
فالحديث اليوم عن آفاق إحلال السلام في اليمن، لا يبنى على القراءة الدقيقة للأزمة وجذورها بقدر ما يبنى جزء كبير من هذه التوجه أمريكيا على سبيل المثال من قبيل اتخاذ كل ما هو نقيض ومعاكس لما اتخذته الإدارة الجمهورية الترامبية السابقة، فيما جزء من دواعي هذا التوجه، يعود بدرجة كبيرة للحديث عن الأزمة الإنسانية لهذه الحرب وكيف تم تصوير ذلك أنها أكبر أزمة إنسانية في العالم اليوم.
وكل هذه التوصيفات للأزمة والتي تقفز فوق أسبابها ودوافعها لا تساعد على الحل كما تساعد في استمرارية الأزمة والحرب، وإمكانية استئنافها وتفجرها في أي لحظة تالية – على افتراض إمكانية توقفها – باعتبارها حلولا مؤقتة لا حقيقية، الهدف الكبير منها هو البروبوغاندا والاستثمار السياسي والمعنوي لهذه الأطراف أكثر منه شعور حقيقي وإنساني بضرورة وأهمية إيقاف الحرب في اليمن، وفقا لحل سلام عادل، بمعالجة أسبابها، بالنظر على حالة الصمت الطويل تجاه هذه الحرب التي لا شك أنها تركت الكثير من المآسي والكوارث الإنسانية والتي لا شك، تمثل جماعة الحوثي وفكرها أهم أسباب حدوثها.
وبالتالي، فإن أي فكرة اليوم يتم تداولها، كحل للأزمة اليمنية، وخاصة المبادرات التي بدأنا نسمع عنها يمينا وشمالا، من هذا الطرف أو ذاك، وهي كلها مبادرات كما أسلفنا لا هدف لها سوى تحقيق أجندة أصحابها أولا، وثانيا، استمرار الجهاز الأممي ومنظماته في العمل، باعتبار الحرب واحدة من أهم مصادر تمويل هذه الطواقم الأممية التي تتكاثر في الحروب والأزمات بشكل لافت، بطريقة جعلت ظروف الحرب والعمل على استدامتها، ربما أهم دوافع عمل مثل هذه المنظمات وخبرائها ومنظريها.
ما أريد قوله بهذا الصدد، هو أن الأزمة اليمنية، تختلف كثيرا عن مثيلاتها التي بدأ يُضع عجلات بعضها على سكة الحل، كما هو الوضع اليوم في الملف الليبي على سبيل المثال، رغم حجم التعقيد في هذ الملف وتشابك المصالح الدولية وتقاطعها فيه، لكن مؤشرات الحل وإنهاء الحرب باتت اليوم أكثر حضورا من غيرها، بمعنى أن الأزمة اليمنية، يكمن جوهر تعقيداتها في طبيعة الأسباب الدافعة لتفجر الحرب ابتداء.
بمعنى آخر، إن قضية الإمامة الزيدية التي تقوم على فكرة الحق الإلهي في الحكم لطائفة ومن ثم لسلالة من الناس دون غيرهم هي من أهم الأسباب المحركة للحرب واستدامة الصراع بين اليمنيين، باعتبار هذه الفكرة وتاريخها كانت ولا تزال أهم محركات الصراع الدائم بين اليمنيين، وهي لا شك فكرة تستبطن في عمقها دافعا سياسيا وهي السلطة والثروة، لكن المشكلة تكمن في تحول هذه الفكرة لعقيدة يتم تكريسها بالقهر والإكراة بين الناس، مما يعني استحالة الجلوس والنقاش السياسي مع أتباع هكذا تفكير.
وانطلاقا من هذه الفكرة اليوم، وهي فكرة جوهرية في فهم الصراع والحرب في اليمن، وهو ما يدفعنا للتساؤل هل فعلا أن الخبراء الدوليين لا يعون جيدا قراءة الوضع والمشهد اليمني عموما، وجذور أزماته، وبالتالي تظهر كل هذه التصورات المغلوطة والقاصرة في تحليل المشهد وفهم تركيباته، وطبيعة مشكلاته ودينامياته الاجتماعية والدينية؟
ختاما، تعقيدات الأزمة اليمنية الداخلية كبيرة جدا، بالنظر لجملة أسبابها وبواعثها ومآلاتها وتعقيداتها، هو ما يدفعنا بعدم التفاؤل المفرط والساذج بالتحركات المكوكية للمبعوثين الأمميين الخاصين لليمن، وكثرة الحديث عن السلام الذي يرتفع الحديث عنه فجأة وبدون أي مقدمات، فيما تظل الأرضية في اليمن غير مهيئة ولا معدة لسلام حقيقي يتخطى معالجة الأسباب التي كان القرار الدولي 2216 أهم القرارات الأممية في مقاربتها حتى الآن، وبالتالي لا يمكن إنجاز سلام حقيقي بتجاوز هذا القرار مطلقا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية