آلاف الأصوات التي جندتها إسرائيل في سنوات التطبيع تحولت إلى أبواق لا تتردد في تزييف الحقائق

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: نسخ بـ«الكربون» من الخنساء التي جادت بأبنائها الأربعة في زمن «خير القرون» زمن النبي وصحبه.. حتى وهن يتأهبن للموت لا يتركن شيئا للصدفة.. نساء غزة يتوضأن قبل أن يتأهبن لنوم محاط بأشد أنواع المخاطر، إذ قد يتخلله على الأرجح تفجير قنبلة فسفورية، سبق أن مزقت أجساد الآلاف قبلهن.. يرتدين ملابس تستر كامل أجسادهن وكثيرات منهن يؤدين صلاة التهجد إذ يحتفظن بقائمة من المطالب تاهت في طريقها للحكام العرب وأمين الجامعة العربية لكنها لم تضل الطريق للسماوات العلا.
وفيما تحظى أخبار الحرب بمزيد من المتابعين الذين يراهنون على أن تصلح غزة المعادلة المقلوبة في العالمين العربي والإسلامي، قال الدكتور مصطفى الفقي، إن الشعب المصري لم يعادِ الطائفة اليهودية، حيث عاش اليهود جنبا إلى جنب مع المسلمين والمسيحيين. وأضاف أن مشاعر الكراهية تجاه اليهود تولدت جراء اضطهاد الأشقاء الفلسطينيين خلال حقبة الأربعينيات. وأشار إلى استمرار وجود 12 معبدا لليهود على الأراضي المصرية إلى الآن، قائلا: «المعابد اليهودية لم يمسها أحد حتى بعد 1967، طول عمرنا شعب ليس لدينا مشكلة مع الآخر».. ومن جانبه طالب الدكتور إبراهيم العدوي استشاري جراحة العظام في مستشفى العريش الطب الشرعي، بإجراء فحص لنوعية إصابات جرحى غزة لتحديد نوعية الأسلحة التي استهدفت المدنيين، لخطورة الإصابات التي يراها لأول مرة، وقال إنها في غاية الخطورة جراء استهدافهم بأسلحة محرمة دوليا، مؤكدا أنها أسلحة بيولوجية أو أسلحة كيميائية فتاكة يستخدمها الاحتلال الإسرائيلي لشن هجمات على الفلسطينيين العزل. وأشار إلى أن المستشفى استقبل أطفالا في عمر عامين مصابين بفقدان النظر، وفقدان السمع وحروق في مختلف أنحاء الجسم، رغم أنه لم يتم استخراج هذه الحالات من تحت الأنقاض، لكنها إصابات جراء الانفجارات والقصف المستمر للمنازل. وقال العدوي الإصابات متنوعة ومختلفة ما بين كسور وبتر إلى جانب انفجارات في الشرايين وبعض أجهزة الجهاز الهضمي، منها حالة صعبة للغاية عبارة عن انفجار في الأمعاء، ونزيف داخلي في مختلف أنحاء الجسم إلى جانب كسور في الجمجمة. وفي سياق المساعي الرامية لدعم أهالي القطاع قال محمود فريد المدير التنفيذى للهلال الأحمر في شمال سيناء، إن مطار العريش استقبل خلال اليومين الماضيين 5 طائرات محملة بكميات من الأغذية والأدوية وسيارات الإسعاف والمساعدات الإنسانية لقطاع غزة. وأضاف فريد، أن الطائرة الأولى من منظمة الغذاء العالمى محملة بـ2 طن من المواد الغذائية، والثانية من فرنسا محملة بـ17 طنا من المواد الغذائية والخيام، والثالثة من ماليزيا محملة بـ16 طنا من المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية، والرابعة من الكويت وهي الطائرة رقم 12 في الجسر الجوي الكويتي، وحملت 3 أطنان من المساعدات المتنوعة وسيارة إسعاف مجهزة، والخامسة من العراق محملة بـ11.5 طن من الأدوية والمستلزمات الطبية.

مطلوب لجمهم

نجحت إسرائيل في السنوات الأخيرة في تشكيل جماعات وفرق تعمل لحسابها.. وهذه الفرق وفقا لفاروق جويدة في «الأهرام» تتحول إلى أبواق تنشر وجهة نظر إسرائيل، كما يرددها الإعلام الصهيوني.. إن آلاف الأصوات التي جندتها إسرائيل في سنوات التطبيع تحولت إلى أبواق، وهي لا تتردد في تزييف الحقائق، وتضليل الناس، وتجميل صورة المجتمع الإسرائيلي تحت شعارات الحريات وحقوق الإنسان.. إن أسوأ ما في مواكب التطبيع أنها تجد الآن من يشجعها ويدفع لها ملايين الدولارات، وقد أصبحت تمارس نشاطها في الكذب والتضليل أمام الناس، وعلى الشاشات والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي.. لقد شهدت أحداث غزة الأخيرة مواقف فجة لدعاة التطبيع، وصلت إلى تشويه صورة رجال المقاومة والهجوم عليهم في مواقف تتسم بالفجاجة.. إن بعض الحكومات العربية ما زالت حريصة على تشجيع مواكب التطبيع وهذه الصور القاتمة تعكس تغيرا في المواقف يسيء للشعوب العربية كلها.. لقد نجحت إسرائيل في تشويه صورة الشعوب العربية من خلال بعض أبنائها، سواء كانوا إعلاميين أو مسؤولين.. والآن ما هو الحل، لقد أصدرت نقابة الصحافيين المصريين بيانا تطالب فيه بوقف مواكب التطبيع، وسحب السفراء، وقطع العلاقات، وهو موقف يجب أن تتخذه الدول العربية، وهذا أقل ما يجب أن يكون دعما للشعب الفلسطيني البطل.. إن أقل ما تقدمه الشعوب العربية لأبطال غزة أن تتوقف أبواق التطبيع التي تنشر الأكاذيب كل يوم.

نهاية تليق به

بعد أن أهانت حركة المقاومة حماس كبرياء إسرائيل في يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول المنصرم، وزلزلت الأرض من تحتها، بهجومها على مستوطنات غلاف غزة وقتلها وأسرها وخطفها العديد من الجنرالات والضباط والجنود الإسرائيليين، أدرك نتنياهو وفق رأي طارق عباس في «المصري اليوم» حجم الإهانة، وقرر أن ينتقم لنفسه ولفشله السياسي والاستخباراتي والعسكري، ويشن حربا ضارية قذرة، منتهكا الأعراف والقوانين الدولية كافة، ليس على حركة حماس وحدها، بل على سكان قطاع غزة برمته، واضعا لنفسه أهدافا برر بها شن هذه الحرب، معتمدا على الدعم العسكري اللانهائي من جانب الولايات المتحدة، ولعل تلك الأهداف هي: القضاء نهائيّا على حركة حماس وغيرها من حركات المقاومة، وتجفيف منابع إمدادها وتسليحها، وكذلك تحرير الأسرى والمختطفين الإسرائيليين، وبناء مستقبل جديد لغزة تحكمه قوة يمكن التوافق عليها، بشرط ألا تكون حماس طرفا فيها. وانطلاقا من تلك الأهداف، دارت عجلة الحرب الإسرائيلية بلا هوادة أو رحمة، واستخدم فيها الصهاينة كل أنواع الأسلحة، حتى المحرمة دوليّا، وأطلقوها على امتداد اليوم كي تنشر الخوف والفزع بين الأبرياء الآمنين وتدفعهم للنزوح من شمال إلى وسط ثم جنوب القطاع، وعلى مرأى ومسمع من العالم الحُر والمستعبد، تُدَمر غزة، وتُقصَف بنيتها التحتية وتُهدَم البيوت فوق رؤوس ساكنيها وتُغتال كل معالم الأمن والأمان، لا أحد يعرف أين المفر، حياتهم مغلفة بالموت وصبحهم معتم وليلهم مضيء بالقنابل، لا صوت يعلو فوق صوت الرصاصات والرشاشات والمدافع، الكل محروم مما يُعين على البقاء، لا مياه ولا كهرباء ولا مصادر طاقة. المستشفيات والمدارس ممتلئة عن آخرها بالنازحين، وعربات الإسعاف تؤدي مهامها بمنتهى الصعوبة، ثلاجات الموتى تستوعب فوق حمولتها، والطرق مدمرة، وشمال القطاع منفصل عن جنوبه، أحياء كاملة تعرضت للإبادة، وعائلات مُحِيَت بالكامل.

قواعد اللعبة

بعد شهر تقريبا من هذه المعركة يبدو سؤال طارق عباس وجيها: هل تحقق لنتنياهو ما كان يصبو إليه، هل أفلح في القضاء على حماس؟ وهل حرر الأسرى والمخطوفين وأعادهم إلى ذويهم؟ وهل نجح في تغيير قواعد اللعبة؟ بالطبع كل شيء لا يزال على حاله، الصواريخ تُطلَق من غزة على مدن إسرائيل، والكمائن تُنصَب لجنود الاحتلال أثناء هجومهم على قطاع غزة من كل المحاور، وحماس تَعِد بتكبيد إسرائيل المزيد من الخسائر، والإسرائيليون يهجرون بيوتهم ويتخلون عن مساكنهم في غلاف غزة وعلى الشريط الحدودي مع لبنان، ويفرون إلى داخل إسرائيل، ما يعني أن ما سعى إليه نتنياهو لم يتحقق. خلال شهر كامل فقد الفلسطينيون أكثر من 9000 شهيد، وخسر نتنياهو سمعته وكرامته وشعبيته التي تدنت – حسب صحيفة «معاريف» الإسرائيلية – إلى أقل من 28%، لا أحد يثق فيه أو يصدقه أو يطمئن لقراراته. إسرائيل باتت في ظله على المحك، تحيطها المخاطر من كل جانب، لم تنفعه حكومته اليمينية المتطرفة ولا سياساته المتشددة، الحصاد المر في سماء الغضب الشعبي الإسرائيلي، المظاهرات والاحتجاجات على ضرورة إطلاق سراح الأسرى والمخطوفين لا تتوقف، والمطالبات بضرورة استقالته ومحاكمته لا تتوقف، والحساب مقبل، تماما مثلما جرى بعد انتهاء حرب يوليو/تموز 2006 بين حزب الله وإسرائيل. نتنياهو يتحمل المسؤولية الكاملة عما جرى في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي وما يجري الآن، ويجب أن يدفع ثمن جرائمه، سواء ضد شعبه أو ضد الفلسطينيين، ومن المؤكد أن أخطاءه السياسية قد تُجهز على ما تبقى من مصيره السياسي، وتدخله غياهب النسيان.

صفعة لن تنساها

لم يكذب السيد حسن نصر الله، عندما أعلن أن هجمات المقاومة الفلسطينية يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول المجيد لم يعلم بها أي طرف إقليمي.. وعلى مسؤوليته يؤكد أحمد عمر هاشم في «المشهد» أنه حتى القيادات الحمساوية خارج قطاع غزة لم تكن تعلم توقيتها، بمن فيهم السيدان خالد مشعل وإسماعيل هنية، اللذان أقسما داخل الديوان الأميري في الدوحة، بأنهما لم يكونا على علم (المصدر وفقا للكاتب قيادة حمساوية). أعادت لنا المفاجأة الاستراتيجية والتكتيكية التي حققها رجال المقاومة بقيادة حماس يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول الفائت ذكريات حرب أكتوبر 1973 عندما أقدمت القوات المسلحة المصرية على عبور القناة والاستيلاء على خط بارليف يوم السبت الموافق عيد الغفران في إسرائيل، في مفاجأة لم يتوقعها قادة الكيان.. بيد أن الأمور كما لا تقاس بالمفاجآت، رغم أهميتها القصوى في الشؤون العسكرية والقتالية، إنما بالنتائج السياسية المترتبة على المفاجأة.. الرئيس الراحل أنور السادات أعلن للعالم أن المفاجأة العسكرية التي حققتها القوات المصرية يوم عيد الغفران اليهودي، كانت تهدف في المقام الأول إلى تفكيك حالة الجمود (اللاحرب واللا سلم) وتحريك القضية بهدف الوصول إلى «تسوية» تنهي احتلال إسرائيل لسيناء.. كذلك الحال في غزة، أقدمت المقاومة الفلسطينية على عمل عسكري مذهل ليس من أجل تحرير فلسطين (فعل يتجاوز حقائق القوة والانحياز الغربي والتطبيع العربي) إنما من أجل تحريك القضية ووضعها على رأس «المنغصات» الغربية والعربية بمشتملاتها الجيوسياسية والإنسانية، وهذا في حد ذاته أولى مكاسب الشعب الفلسطيني الذي يقاتل بلا دعم أو مساندة إقليمية تقريبا، إلا من رحم ربي.

الشجر مع فلسطين

فى قرية الولجة جنوب مدينة القدس المحتلة تقف أقدم شجرة زيتون في العالم حامية للأرض وشاهدا على الهوية الأصيلة للأرض.. وللعنوان عمرها 5500 عام، حسب تقديرات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «الزيتون» كما أطلعنا علي مرجان في «الوفد» عنوان فلسطيني لا تخطئه العين.. متجذر في طبقات الأرض.. شاهد مثمر يحكي في صمت عن تاريخ وحضارة أهل فلسطين أكثر من 11 مليون شجرة زيتون حية تثمر، تحكي ما لا أذنٌ سمعت ولا عينٌ رأت، ولا خطر على قلب وعقل بشر منذ آلاف السنين، الفلسطينيون القدماء هم أول من طور زراعة الزيتون في أرضهم، وسقايته، واستخراج زيته، واستثماره. إنه قصة حضارة وحياة، ذلك أن هناك أكثر من 600 ألف فلسطيني يعملون في زراعته وفى الأنشطة المرتبطة به، ما يجعل الزيتون من أكبر المحاصيل الزراعية في فلسطين (يشكل 45% من المساحة الزراعية الكلية فيها، وأكثر من 85% من مساحة الأشجار المثمرة في فلسطين). يكرهها الاحتلال.. يتخذها عدوا يحرق ويحظر ويُجرِّم ويجرِّف ويفعل كل ما بوسعه لاجتثاثها من فوق الأرض ومن تحتها.. ولو أنه يمتلك منع الإنسانية من تناول الزيتون الفلسطيني اللذيذ لفعل ذلك دون تردد لم يتردد المحتل في اقتلاعها من أرض أصحابها منذ عام 1948، بل ومعاقبة من يزرعها من الفلسطينيين أعماله وعملياته وممارساته العسكرية تستهدف الأطفال والنساء والشيوخ.. وأشجار الزيتون الخلاصة: «شجرة الزيتون».. شاهد حي من نبت الأرض يخبرهم في صمت وصمود من هم أصحاب الأرض.

سننتصر في النهاية

بعد مرور أكثر من أربعة أسابيع على اندلاع القتال في غزة وغلافها، وبعدما استخدمت إسرائيل طاقة نيران هائلة، أوقعت آلاف الشهداء والمصابين، ودمرت قدرا كبيرا من البنية الأساسية والمباني في القطاع، لا يجد القادة الإسرائيليون ما يقولونه عن العملية، وفق ما تابع الدكتور ياسر عبد العزيز في «المصري اليوم» سوى أنها «صعبة» وأنها كلفت الدولة العبرية «خسائر مؤلمة». على نسق «الحرب اللامتماثلة» ستُحكم إسرائيل حصارها حول غزة، وستُمعن في قصف منشآتها، وستقتل المزيد من المدنيين والأطفال والنساء، وستحول مناطق واسعة فيها إلى ركام، مستغلة تفوقا ساحقا في المدفعية والطيران والدبابات والمدرعات، بينما ستكون «حماس» تحت هذا الركام قادرة على توجيه ضربات موجعة، وستظل بعيدة عن الهزيمة، استنادا إلى قدرات هجوم خاطف ومركز، وبنية اتصالية تحت الأرض، ومعرفة عميقة بطبيعة ميدان المعركة، لا يشاركها إياها الإسرائيليون. يعتقد الباحثون المتخصصون في علوم الحرب أن هزيمة القوة غير المتماثلة لن تتحقق للجيش النظامي الذي يواجهها من دون عاملين أساسيين، أولهما نزع الشرعية عن الأولى، وإفقادها مساندة السكان المحليين، وهو أمر لا يبدو أن إسرائيل قادرة على تحقيقه على النحو المأمول. أما العامل الثاني فيتعلق بضرورة تجريد الميليشيا المسلحة من ميزة اللاتماثل، عبر مواجهتها بأساليب حرب العصابات التي تجيدها، وهو أمر لا تقدر عليه إسرائيل أيضا، لأن إطار كفاءاتها العسكرية مُصمم على نسق الجيش النظامي، الذي يمارس عمله وفق قواعد وتكتيكات معلومة في أغلب الأحيان. ميزة أخرى تضيف إلى أسباب تفوق «حماس» في هذا النزال، وهي ميزة الضعف.. الذي تجسده مشاهد قتل المدنيين وذبح الأطفال، وتنقله العدسات والأخبار، وهو الأمر الذي يزيد القيود على القوة العسكرية الإسرائيلية، ويضاعف الضغوط عليها، وقد يجبرها على تقديم التنازلات.

نياشين على صدورنا

في‭ ‬البداية‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬أوضح‭ ‬رفعت‭ ‬رشاد‭ ‬في‭ ‬‮«‬الوطن‮»‬‭ ‬يرى‭ ‬البعض‭ ‬عن‭ ‬ جهل وعدم وجود بصيرة أو رؤية واضحة، أن المقاومة الفلسطينية قامت بما قامت به بناء على اتفاق مع إسرائيل. هذا الكلام يصدر ويليق بمن كنا نطلق عليهم في الماضي جنرالات المقاهي، ويصح أن نطلق عليهم الآن جنرالات التواصل الاجتماعي، حيث يجلس كل فرد على حدة ويطلق الفتاوى في الحرب والاستراتيجية والتكتيك، ويدخل إلى النوايا ويقسم أن فلسطين وإسرائيل على اتفاق لتوريط آخرين. ثبت في الواقع والحقيقة أن المقاومة الفلسطينية قامت بعملها البطولي الذي مرّغت به أنف العدو بعدما بذلت جهدا كبيرا في ضبط النفس ومقاومة الضغوط عليها، وبعد أن قام الفدائيون بالتدريب راقي المستوى، ما جعلهم ينفذون مهمتهم بدقة عالية المستوى أبهرت العالم وأسعدت الشعوب العربية والإسلامية، التي أدركت أن إسرائيل تشبه شخصية «عسران» في أحد أفلام عادل إمام، حيث كان هناك فتوة يرعب القرية ويحصل على أتاوات من سكانها، واكتشف شخص بسيط أن هذا الفتوة «مخوخ» من الداخل يربط جسده بأحزمة حتى يمكنه أن يقف ثابتا وفي عراك بين الشخصين تغلب البسيط على الفتوة وأنهى أسطورته، وهذا ما فعله الفدائيون الفلسطينيون بإسرائيل ما جعل الشعوب تتساءل: لماذا إذن نترك إسرائيل تحتل فلسطين وتضطهد أهلها وتحرمهم من كل حقوقهم؟ بعد عملية طوفان الأقصى لام البعض على المقاومة التي انصاعت لانفعالاتها وضربت ضربتها، من دون أن تحسب حساب الانتقام الإسرائيلي، وبالتالي أضرت بالشعب المدني البريء. وأقول لهم: هل السعي والاجتهاد لتحرير الوطن يكون بتقديم أوراق للمحتل؟ ألا يدرك الشعب في الوطن المحتل أن رجال المقاومين هم أبناؤه في الوقت نفسه، ألا يدرك أن لا أحد معصوم أو محمي من الموت والاستشهاد؟

طريق الحرية

مضى رفعت رشاد متسائلا: هل يفرق المحتل بين أفراد الشعب فيضرب ويقتل الموافقين على حربه ويستثني غير الموافقين؟ ألا يوافق الشعب الفلسطيني على الكفاح والقتال من أجل تحرير الوطن واسترداد الأرض؟ فلماذا لا يسدد الشعب ضريبة كفاحه؟ لقد كافحت الشعوب في فيتنام وفي الجزائر وفي إيرلندا وفي أفغانستان وفي جنوب افريقيا وغيرها من الأوطان من أجل الحرية وإن اختلفت وسيلة الكفاح. لقد تجرع شعب الجزائر الشقيق مرارة الاحتلال الفرنسي البغيض على مدى يقرب من قرن ونصف قرن، ذاق فيه المواطنون الذل والاضطهاد وأجرت فرنسا في الجزائر خلال ذلك العديد من التجارب النووية بعيدا عن أرضها وشعبها، معتبرة شعب الجزائر وأرضها حقل تجارب. وجاء رجال أبطال لم يقبلوا بما كانت تتجه إليه بلادهم، كانت على وشك أن تذوب في فرنسا وثقافتها وتبعد عن الدين الإسلامي وعن العروبة، جاء رجال سددوا الثمن. سدد الشعب الفيتنامي مليون ونصف المليون شهيد، وكبد الأمريكيين حوالي 60 ألف قتيل، الفارق كبير لكن الفيتناميون كانوا على استعداد لسداد ثمن حريتهم واسترداد وطنهم بينما أولئك المعتدون كانوا يحاربون في غير بلادهم لمصالح السياسيين في بلادهم وشركات السلاح التي تجني الأرباح كلما طال أمد الحرب. لدينا نموذج أفغانستان التي سويت مدنها وقراها بالأرض بأيدي وسلاح أمريكا. ما تدمره إسرائيل في غزة هو أحجار وبشر فانين أعمارهم مقدرة، وهي تحاول حفظ ماء وجهها الذي أراقته المقاومة بعدما عرتها أمام العالم، وكشفت عن عوراتها في جيشها ومخابراتها، لكنها حتى بضرباتها الجوية لم تجنِ إلا الخيبات، فهي بعد شهر كامل من عملية «طوفان الأقصى» لم تقدر على اجتياح غزة كما كانت تفعل في المرات السابقة، لقد تغير ميزان القوى.

«وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ»

ما يحدث في غزة في كل لحظة من إبادة جماعية واستهداف متعمد للمدنيين الآمنين، خصوصا الأطفال والنساء، وتدمير ممنهج للمستشفيات والطواقم الطبية بمباركة أمريكية ترفض وقف إطلاق النار، بدعوى أن مثل تلك الهدنة من شأنها كما أشار علي هاشم في «فيتو» أن تعطى للمقاومة فرصة لالتقاط الأنفاس.. وفي سياق كهذا يبدو طبيعيا أن يشعر الناس بالحزن ليس هنا فقط، بل خارج هنا أيضا؛ فكل نفس سوية لا بد حتما من أن تتألم لما تراه من مشاهد قتل ودم ودمار يرتكبها معدومو الضمير وفاقدو الإنسانية.. ويزداد الحزن ويتعمق، إذا تعلق الأمر بقتل الأطفال الذين لا يملكون إلا البراءة، ولا طاقة لهم على دفع الأذى أو احتمال الألم.. يقول الله تعالى «وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ».. فماذا يكون ما نراه من جرائم بحق أطفال أبرياء إلا أنه وأد واغتيال بدم بارد، ترتكبه دولة الاحتلال الإسرائيلي على مرأى ومسمع من العالم كله، بحق أهلنا المدنيين في غزة، بأسلحة شديدة الفتك والتدمير، وربما بأسلحة محرمة دوليا بدعوى القضاء على المقاومة.. بمنطق الغاية تبرر الوسيلة. الحزن حالة يتألم القلب والنفس لأمر مكروه وقع بالفعل.. أما الهمَّ فهو انشغال النفس واضطراب القلب لتوقع مكروه يقع في المستقبل.. وقد نهى الله تعالى صراحة عن الوهن والحزن بقوله تعالى: «وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ» (آل عمران:139).

هل ينجو؟

حرب إبادة جماعيَّة تلك التي تُنفِّذها إسرائيل بمباركة أمريكا وتابعيها ضد أهالى غزَّة، بينما يكتفي العالم بمشاهدتها على الهواء مباشرة.. جرائم حرب يصفها جمال حسين في «الأخبار» بمُكتملة الأركان ارتكبتها إسرائيل على مرأى ومسمع من جميع المنظمات التي صدَّعتنا ليل نهار بالدفاع عن حقوق الإنسان، دون أن يُحرِّك لها ذلك ساكنا، وكأن أهالي فلسطين ليسوا من بني الإنسان تناسى زعماء العالم أن المجازر التي استهدفت الأطفال والنساء ستظل وصمة عارٍ في جبينهم وجبين الإنسانيَّة، ولن تسقط بالتقادم.. من العار أن تُسقط الطائرات الإسرائيليَّة 25 ألف طن من المُتفجرات والصواريخ فوق رؤوس المدنيين، الذين احتموا بالمستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس والمنازل، وتحوِّل أجسادهم إلى أشلاءٍ في مجازر وحشية لم تهتز لها قلوب الرئيس الأمريكي بايدن وتابعيه رؤساء إنكلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، الذين أبكتهم صورا مُزيَّفة فبركتها إسرائيل عن قطع حماس للرؤوس. بينما لم تُحرِّك مشاعرهم مشاهد تفجير جماجم الأطفال والرُضَّع والنساء، ودفن الآلاف أحياء وهم نيام.. للأسف باركوا المجازر التي ترتكبها إسرائيل ليل نهار، ولم تقشعر أبدانهم السميكة من مشاهد قصف مستشفيات المعمداني وجباليا ودار الشفاء، ومشاهد قصف موكب سيارات الإسعاف أثناء نقل المصابين إلى المستشفيات. لك الله يا غزَّة.. الموتى فوق الأرض وتحت الأرض، والأحياء يموتون قهرا وجوعا وعطشا.. والمستشفيات أصبحت خارج الخدمة، والمنازل تحوَّلت إلى مقابر جماعيَّة. الإحصائيات مُفزعة، والأرقام كاشفة؛ فقد أعلنت وزارة الصحة الفلسطينيَّة أن عدد الشهداء، خلال شهر، بلغ 9500 شهيد، بينهم 3826 طفلا، و2405 امرأة وعدد المُصابين أكثر من 25 ألفا، بينما لا يزال أكثر من 1500 طفل و1200 امرأة و1300 رجل تحت الأنقاض يستحيل انتشالهم. شعوب العالم أدركت الحقيقة التي زيَّفها بايدن وتابعوه، أين المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة من جرائم الحرب التي يرتكبها نتنياهو؟ أليست هي مَنْ أصدرت مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي بوتين، واتهمته بالتورُّط في ترحيلٍ قسرىٍّ لأطفال أوكرانيا، بينما تغض البصر عمَّا يحدث لأطفال غزَّة؟ هل يُمكن أن يُحاكم نتنياهو ووزراء حكومته كمجرمي حرب ننتظر أن يُلاحقهم شُرفاء العالم.

ما أشبهها بعمورية

عقد سامي أبو العز في «الوفد» مقارنة بين الواقعة التي تتناقلها الأجيال في كل مأزق تواجهه الأمة وما يجري الآن: الحكاية التي تتناقلها الأجيال بفخر حدثت بعد موت الخليفة المأمون وتولى الخليفة المعتصم أميرا للمؤمنين الذى يعد الابن الثالث للخليفة الرشيد، حيث استصرخته سيدة عربية مسلمة في بلاد الروم أسرت في الحرب على بعد آلاف الأميال لرفع الأسر عنها، ولما بلغته تلك الاستغاثة قال لبيك، وأرسل رسالة إلى أمير عمورية قائلا له «من أمير المؤمنين إلى كلب الروم: أخرج المرأة من السجن وإلا أتيتك بجيش بدايته عندك ونهايته عندي» ونظرا لتعنت الأمير الرومي خرج المعتصم بجيش لم يشهد المسلمين قوامه من قبل وفتح عمورية وأخرج المرأة من السجن وقال لها هل أخرجك المعتصم؟ قالت نعم». الرواية التي يعتبرها البعض أسطورية ويحفظها ويرددها خطباء المساجد والعامة عن ظهر قلب تعبر عن قوة الدولة الإسلامية في ذلك الزمان، ويتندر بها على ضعف المسلمين الآن. دارت الأيام وكبرت الأمة واتسعت رقعتها وتكاثر عددها، والآلاف المؤلفة قاربت المليارين حول العالم، يملكون المال والعدة والعتاد، أما حالهم فقد أشار إليه الرسول الكريم قبل 1445عاما من الآن قائلا: «توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». فقال قائل: ومِن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذٍ كثير، لكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن». فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا، وكراهية الموت». الحقيقة أن حديث الرسول الكريم يصف بدقة حالنا كمسلمين الآن حول العالم وما آلت إليه أمورنا ونحن غير متفقين على رأي ولا تحكمنا مصالح أو خطوط حمر تجاه قضايانا ومصالحنا وأولوياتنا كعرب ومسلمين.. ما يحدث في فلسطين الآن من مجازر ومذابح يجسد هذه الحقيقة المُرة، فالعرب والمسلمون باتوا ثلاثة أصناف، أولهم – ويتزعم هذا الفريق مصر- أصحاب موقف ثابت لا يتغير ولا يتبدل، لا لتصفية القضية ولا للتهجير ولا للنزوح والحل الأمثل في إقامة الدولتين، وتتحكم هذه الفئة في ضبط النفس لتجنب المنطقة انفجارا لا تحمد عقباه.
وحدهم يناضلون
الصنف الثاني الذي يحدثنا عنه سامي أبو العز، من حيث التعامل مع المحنة التي يمر بها الشعب الفلسطيني أشقاء يتجاهلون ما يحدث في غزة من عمليات الإبادة الجماعية وجرائم الحرب ويصفّون حسابات مع المقاومة، ويلقون عليها اللوم في أنها فكرت في إزاحة المعتدي الجاثم فوق أرضها وأنفاسها منذ 76 عاما. والصنف الثالث يتعامل على مبدأ «جحا» في أن المعارك ما دامت بعيدة عنه فلا تهمه ولا تخصه ولا تعنيه، لأنه لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم، المهم علاقته وشعبه وجيرانه مع اليهودي المحتل ويرون الوطن البديل حلا أمثل، والأكثر أهمية أن يكون بعيدا عن أراضيهم. باختصار.. صرخة امرأة عمورية أشعلت الغضب في قلب حاكم وحركت جيشا حررها من سجنها وفتح بلادا جديدة، والآن صرخات آلاف الأخوات المسلمات ودماء آلاف الشهداء من الرجال والشيوخ والأطفال تثير الغضب اللحظي وتستمر الحياة. المرأة العمورية نقل صرختها سجين فارّ من السجن إلى المعتصم، وآلاف الإخوة الأشقاء يذبحون ويقتلون ويستشهدون في غزة وتتطاير رقابهم وترتقي أرواحهم إلى السماء على شاشات التلفزيون يوميا ليراها العالم بأم عينيه، دون أن يحرك ساكنا ويتعاملون مع المأساة على طريقة «فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إنّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ» وزادت المأساة تعقيدا وتزايدت أعداد الشهداء خلال 28 يوما وسط نار جهنم لتكشف الحصيلة المأساوية عن 9500 شهيد تقريبا، بواقع شهيد كل 3 دقائق ولا عزاء للمسلمين والعرب وأصحاب النخوة والشهامة.

توشك أن تختفي

يتساءل الناس همسا وعلنا عن مستقبل إسرائيل وكيف ترى نفسها، خاصة بعد هجمات حماس عليها في السابع من أكتوبر/تشرين الأول؟ هل لإسرائيل مستقبل بين الدول العربية وفي منطقة الشرق الأوسط عموما؟ وأي مستقبل هذا في دولة لا تعرف السلام، بل تعيش في حروب ومعارك مستمرة مع جيرانها وجيران جيرانها؟ من جانبه أوضح الأب رفيق جريش في «الشروق» الحقائق التالية: أي مستقبل لشبابها فحتى سن الأربعين هم مجندون في الجيش أو الاحتياط؟ إلى متى ستقوم الدولة على المجازر المتوحشة ضد الشعب الفلسطيني وقتل المرضى العزل والأطفال والنساء حتى متى يستطيع هذا الوضع أن يستمر؟ أي مستقبل واقتصادها موجه للحرب والمعارك والتأمين الأمني؟ وأي مستقبل عندما يعيش سكانها كبارا وصغارا، شيوخا وأطفالا تحت تهديد الصواريخ التي تطلقها حماس أو حزب الله أو الحوثيون أو غيرهم على رؤوس السكان في أي يوم وأي لحظة؟ أي مستقبل لإسرائيل التي تولد الكره والبغض بسبب أعمالها الإجرامية من قتل ودمار للأبرياء، ألا تخشى الانتقام؟ ومبادلة العين بالعين والسن بالسن؟ أي مستقبل للذي يتكل على الولايات المتحدة الأمريكية والغرب وإلى أي مدى سيتحملونها ويسندونها؟ ألا ترى ماذا فعل الغرب والولايات المتحدة الأمريكية في أوكرانيا؟ فبعدما صرخوا وصرحوا بأنهم سيسندون أوكرانيا إلى أبعد مدى إلى أن ذهبت «السكرة وجاءت الفكرة» عندما رأوا أن الحرب طالت ومخازن السلاح تستنفد وخزائن المال تنكمش إضافة للأزمة الاقتصادية العالمية الطاحنة. فبدأوا يتراجعون عن التعضيد المطلق ويتباطأون بالتفاعل مع دميتهم رئيس أوكرانيا.

أسئلة صعبة

يتوقع الأب رفيق جريش أن ينفض الغرب عن إسرائيل، كما حدث مع أوكرانيا: جرى شيء من ذلك مع إسرائيل ففي الأيام الأولى للسابع من أكتوبر/تشرين الأول بعد الهجوم الحمساوي، ارتفعت نغمة التعضيد من أمريكا والغرب وصرحوا أخطر التصريحات وحركوا البوارج، وما إلى ذلك، وبعد عدة أيام مع فظائع إسرائيل في هدم غزة وقتل الأولاد وزيادة عدد الجرحى إلى الآلاف، دون مستشفيات وعلاجات، تراجعوا رويدا رويدا وبدأت الاستعانة بدول الجوار وبدأ التفكير في السؤال الأهم، وماذا بعد الحرب على غزة؟ هل سيدخل حزب الله وإيران كطرفين في الصراع؟ هل ستفتح جبهات داخلية في الضفة الغربية؟ هل حكومة نتنياهو ستذهب ويتم التحقيق معها في أسباب الفشل الأمني والعسكري والحكومي؟ داخل قلب كل عربي تقبع دولة فلسطين فهي دولة محتلة منذ 75 سنة وهي قضية العرب الأولى وهذه المشكلة توارثتها الأجيال، فهي مشكلة وأزمة مستمرة فمهما حصل من تطبيع بينها وبين دول المنطقة، إلا أن ما في القلب في القلب. فكيف ستتعامل إسرائيل ومن ورائها أمريكا في هذا الشعور البغيض المتبادل بين الشعب العربي وإسرائيل؟ وكيف سيكون المستقبل بينهما؟ كل هذه اسئلة تحتاج إلى إجابات كاملة متكاملة، خاصة لصناع القرار. ألم يحن الوقت لتحقيق ما وعد به مئات المرات من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية ودول العالم «بحل الدولتين»؟ يجب أن نعترف أن حل الدولتين ليس «أحسن الحلول» لكنه «أنسب الحلول» حاليا وهذا ما ينادي به الجميع، خاصة الولايات المتحدة ودول الغرب. فهل إسرائيل ترى نفسها «الدولة الأخرى» وتعمل على نبذ العنف والجرم وتجريف الأراضي واحتلال المدن الفلسطينية؟ أم ستتطلع إلى المستقبل وتهدئ من وتيرة عنفها وتكون دولة سالمة ومسالمة تعمل من أجل سلام المنطقة وتقبل بوجود دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية بجوارها؟ هذا السؤال الذي ينتظر إجابة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية