كمار سفايد (افغانستان) ـ من روبرت بيرسل: يدوي صوت انفجار بين جنبات الجبال الافغانية مسببا انهيار سلسلة نتوءات ومرسلا صخورا تقعقع وهي تسقط علي جانب أحد المنحدرات. غير أن الانفجار لم يكن نتيجة قنبلة فجرتها حركة طالبان أو ضربة جوية يقوم بها حلف شمال الاطلسي. فالعمال المشتغلون في التعدين فوق القمم الجبلية المطلة علي وادي بانجشير يشقون طريقهم عبر تفجير الصخور بحثا عن الزمرد الذي قد يمنحهم ثروة في أحد أفقر البلدان في العالم. وقال محمد نور وهو أحد المشتغلين في التعدين وهو رجل هزيل ملتح بينما كان في مخيمه فوق نتوء جبلي في حقل ثلجي في جبال هندو كوش اذا كنت سعيد الحظ.. يمكن أن تعثر علي شيء يكفيك بقية حياتك.
ويبحث مئات الرجال من أمثال نور عن الحجارة الخضراء الموجودة في الشقوق بين الالواح الصخرية في وادي بانجشير الي الشمال الشرقي من العاصمة كابول وهو المعقل القديم للزعيم المناهض للاتحاد السوفييتي السابق ولحركة طالبان أحمد شاه مسعود الذي لا يزال يحظي بتبجيل كبير بعد مقتله. واكتشف خبراء الجيولوجيا الروس الزمرد في المنطقة في السبعينات. وتوجد في المرتفعات العالية فوق الوادي ولكن في الجانب الشرقي منه فقط. ولا يبدو أن أحدا يعرف السبب. وبدأ نور وهو أخ لاربعة لا يملكون سوي قطعة أرض صغيرة يشتركون فيها البحث عن الزمرد قبل نحو 18 عاما تقريبا. وتوقف من أجل القتال في الحرب والعمل في كابول غير أنه عاد الان ويمني نفسه بأن يعثر علي كنز ثمين. ويقول هذا سبب كل هذا العناء.
وقام عمال مستقلون بالبحث عن الصخور الخضراء علي مدي سنوات الحرب ضد السوفيت أولا ثم ضد طالبان فيما بعد. وجابت الطائرات العسكرية السوفيتية السماء متعقبة مسعود ورجاله في الثمانينات. وترقد عبوة قنبلة يعلوها الصدأ نصف مدفونة تحت الصخور في أحد طرق الهبوط من علي الجبل. وقال كرم وهو أحد المشتغلين بالتعدين بينما كان يرتشف كوبا من الشاي في كوخ بمناجم كمار سفايد التي تبعد نحو ثلاث ساعات سيرا علي الاقدام عن أقرب قرية وطريق كان الامر عندها أكثر صعوبة.. فقد قصفت الطائرات الروسية كثيرا.
وكان ذلك عندما عثر كرم علي أكبر كشف له وهو حجر در عليه الاف الدولارات وسيارة ومنزلا. لكن الامور أصبحت صعبة خلال حكم طالبان عندما حاصرت قوات الحركة الوادي رغم أنها لم تتمكن مطلقا من السيطرة عليه. واضطر كرم لبيع المنزل والسيارة. وقال قبل أن يبدأ رحلة سير طويلة للعمل في أعلي الجبل الامر برمته يعتمد علي حظك. وتمتلك أفغانستان كميات كبيرة من الاحجار الكريمة بما فيها اللازورد والياقوت والزمرد، غير أنه لم تجر عمليات تنقيب تذكر عنها منذ عقود، كما تسببت الحروب في تنفير المستثمرين. وتحاول الحكومة السيطرة علي هذه الصناعة غير أن كثيرا من الحجارة الخام تهرب الي باكستان. كما أن أغلب عمليات البحث تتم علي يد قرويين مستقلين باستخدام وسائل بدائية. وقال التاجر محمد جول وهو يجلس فوق منضدة محملة بالاحجار بمركز الاحجار الكريمة الجديد الذي افتتحه في كابول ان الزمرد الافغاني ذو جودة عالية. وقدر حجم التجارة فيها بما يصل الي 60 مليون دولار سنويا. لكن جول أضاف أن الزمرد الافغاني عادة ما يتضرر خاصة بسبب التفجير. وأردف يقول انه أفضل بكثير من الزمرد الكولومبي اذا كان نظيفا وكاملا. وتابع بينما كان يمسك في يده حجرا كاملا به ثقوب صغيرة لكن 99 في المئة مصاب بأضرار. غير أن الباحثين عن الزمرد يرفضون ذلك ويقولون انهم يعلمون كيف يزرعون شحنات التفجير (يصفونها بالقنابل) بطريقة تضمن عدم الاضرار بالزمرد. وعادة ما يعمل الباحثون عن الزمرد في فرق من ستة أفراد. بينما تقوم مجموعة من 30 شخصا أو نحو هذا العدد بتزويدهم بالطعام والوقود والمتفجرات. وتقسم العوائد بين الجميع. ويمكن لاحدهم أن يحصل فقط علي قطعة صغيرة ولكن في حجر كبير يمكن أن يباع مقابل الاف الدولارات. وقال محمد بكر الذي كان يرتدي قبعة منسدلة علي أذنيه ويلف وشاحا تحت ذقنه بينما كان يستريح فوق احدي الصخور تحت سماء زرقاء أحلم بالعثور علي الحجر الكبير.
وهناك صفوف من الحفر كبيرة بما يكفي لان يزحف رجلان أو ثلاثة من أجل احداث ثقوب صغيرة في صفحة قمة في الجهة الاخري. وكانت هناك خيام مثبتة بمنحدر جبلي تلوح من بعيد حيث كانت مجموعة أخري تواصل العمل. ويصيح صبيان بينما يحاولون تحفيز حمير برية محملة بالامدادات للتحرك الي أعلي فوق منحدر غير ممهد. وبدأ سابزودين (15 عاما) وهو أصغر أعضاء فريق نور سنا العمل كسائق حمار قبل نحو خمس سنوات. وهو غير مهتم بكسب ما يقتات به بالكاد كمزارع. ويقول اذا عثرت علي زمردة فسيكون ذلك أفضل من أي وظيفة في أمريكا.
غير أن هذا العمل ينطوي علي مخاطر. فقد اصيب أحد أخوة نور في أحد التفجيرات وتوفي في وقت لاحق. وفي كهف عثر فيه علي أمارات وجود الصخور الزرقاء قام نور ورجاله بتجهيز قنابلهم. واستخدم أحدهم مثقابا يعمل بضغط الهواء لاحداث حفرتين قاموا بحشوهما بالديناميت ثم أشعلوا فتيلا واختبأوا. ثم هز انفجاران الجبل وعاد رجال نور واستخدموا عتلات حديدية في ازالة الصخور المتكسرة. وكان أحد الرجال يمسك بمطرقة ثقيلة ويقوم بفصل الصخور عن بعضها ثم يفحصها قبل أن يضعها جانبا. ولم يعثروا علي شيء. وقال نور انني محبط بعض الشيء لكن ذلك حدث من قبل.. يجب أن نواصل العمل.4