القاهرة ـ «القدس العربي»: تفرز الأزمة الاقتصادية التي تصل لحد “النكسة” حسبما يشير كتاب بعضهم من المنتمين للسلطة، والكثير من خصومها، مفارقة لا تخلو من الكوميديا السوداء، ومن تلك الوقائع لص تم القبض عليه أمس الجمعة، حيث سرق مبلغا كبيرا من المال، وفي التحقيق اعترف بأنه أراد إطعام الجوعى، وفي التفاصيل التي أثارت اهتماماً واسعا: تعرض محل سوبر ماركت في مدينة المنزلة في محافظة الدقهلية لسرقة مبلغ يزيد عن 112 ألف جنيه، ورصدت كاميرات المراقبة عملية السرقة كاملة، وعندما تمكن ضباط المباحث من القبض على المتهم قبل مرور 48 ساعة فجّر مفاجأة؛ وقال إنه اشتري بالمبلغ الذي سرقه عجلا وذبحه ووزعه على أهالي قريته، إضافة إلى أرز وبطاطس ولم يتبق معه سوى 1200 جنيه، وبالعرض على النيابة العامة أمرت بحبسه 4 أيام واعترف اللص بأنه سعى من وراء فعلته غسل ذنوبه من خلال إطعام الفقراء والجوعى قائلا «كنت عاوز أغسل ذنوبي».
وأمس الجمعة 24 فبراير/شباط تسببت شحنة الفراخ البرازيلية التي تم طرحها في الأسواق للسيطرة على انفلات الأسعار لهجوم واسع على الحكومة، التي اتهمها خصومها بأنه سعت لتحقيق أرباح ضخمة من وراء طرح الدجاج في المعارض التابعة لها، كما واجهت الحكومة كذلك اتهامات مفادها أن ما قامت به سوف يسفر عن تدمير صناعة الدواجن التي يعمل فيها ما يزيد على ثلاثة ملايين عامل، حيث تواجه آلاف المزارع شبح الإغلاق. ومن الشائعات التي حرص مجلس الوزراء على نفيها: أكد صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، أنه لا صحة لإلغاء الحكومة الدعم على جميع الوحدات السكنية بمبادرة “سكن كل المصريين” لمنخفضي الدخل، على خلفية موافقة مجلس الوزراء على بيع عدد من الوحدات السكنية بالسعر الحر، مُؤكدا استمرار الحكومة في تقديم الدعم على الوحدات السكنية ضمن مبادرة “سكن لكل المصريين” للمواطنين منخفضي الدخل، مُوضحا أن موافقة مجلس الوزراء بشأن اعتماد أسعار بيع الوحدات السكنية بالسعر الحر، تخص عددا معينا من الوحدات السكنية التي سوف يتم طرحها ضمن إعلان مستقبلي في عدد من المدن، وهذه الوحدات تم حصرها من متبقيات الإعلانات التي تم طرحها سابقا للمواطنين فقط، مُناشدا المواطنين عدم الانسياق وراء تلك الأخبار الكاذبة، واستقاء المعلومات من مصادرها الموثوقة.
المهم الأفعال
علق كثير من الكتاب آمالهم على عودة الزخم للقضية المحورية في تاريخ العالمين العربي والإسلامي وكثير من من المهتمين بنصرة الحق وأهله في العالم، ومن هذا المنطلق راهنت الكاتبة سكينة فؤاد في “الأهرام” على الدعم السياسي والشعبي للقضية وشعبها وفي هذا السياق قالت: تابعت مؤتمر صمود القدس، وما تقشعر له أبدان كل صاحب ضمير في ما جاء في كلمة الرئيس الفلسطيني مما ارتكبه ويواصل ارتكابه العدو الصهيوني من جرائم بحق الشعب الفلسطيني وبشاعة 51 مذبحة وما تم القضاء أو الاستيلاء عليه من مدن وقرى فلسطينية، وارتكاب أكبر عملية تزوير للتاريخ بتغيير أسمائها وصدور 1000 قرار دولي لنصرة القضية والحقوق الفلسطينية، لم ينفذ منها الكيان الاستيطاني الاستعماري قرارا واحدا ومن المفارقات أن ينعقد مؤتمر القدس قبل أيام قليلة من الاحتفال باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية في العشرين من فبراير/شباط كل عام، في عالم فاقد للعدالة والإنسانية والضمير وحقوق الإنسان، ولأن القدس قضية عربية فقد أحسست أن أقدام العدو السوداء تطأ وتتحدى كرامة الأمة كلها، إن لم تبادر إلى فعل يترجم الكرامة والغضب، وموقف جاد وفاصل من الكيان الاستعماري، إذا تمسك بمواقفه المتطرفة ورفض تطبيق القوانين الدولية وفي مقدمتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة في كامل ما احتل من أراض بعد 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ورهن علاقات الأمة بهذا الكيان بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، لنؤكد فعلا لا قولا أن فلسطين ستظل القضية المركزية للأمة العربية.
لأجل غير مسمى
أكملت الحرب الروسية ـ الأوكرانية عامها الأول، رغم أن كل التوقعات كانت تؤكد كما أشار إليه فاروق جويدة في “الأهرام”، أن روسيا سوف تنهي كل شيء في شهور قليلة، وأن آلاف الجنود والمعدات التي انطلقت نحو الأراضي الأوكرانية سوف تحتل العاصمة كييف خلال أسابيع قليلة.. ولكن الذي حدث غير ذلك، لأن حشود الجيش الروسي الضخمة لم تستطع أن تحسم المعارك حتى الآن، رغم الفارق الكبير في توازنات القوى العسكرية وعدد السكان ونوعية السلاح المتطور، الذي استخدمته روسيا في هذه المعارك، وهو أحدث ما أنتجت الترسانة العسكرية الروسية.. هناك أسباب كثيرة وقفت خلف المقاومة الأوكرانية أوجزها الكاتب منها، أن الشعب الأوكراني دافع ببسالة عن وطنه، حتى تحولت المعارك رغم التفوق الروسي إلى ما يشبه حرب العصابات، فقد شهدت مناطق كثيرة مواجهات من بيت لبيت ومن شارع إلى شارع.. لا شك في أن الغرب كان يشعر بالذنب تجاه أوكرانيا، فقد ألقى بها في مواجهة غير متكافئة بين جيش صغير وقوة عسكرية ضارية في العدد والإمكانات.. ومن هنا كان حجم الأسلحة التي تدفقت إلى أوكرانيا من أمريكا وألمانيا وإنكلترا وفرنسا وبولندا وبلجيكا وحلف الناتو بكميات كبيرة ونوعيات متقدمة من الصواريخ والدبابات والطائرات.. لا شك في أن الآلاف من المتطوعين الذين تدفقوا من أوروبا وأمريكا وحشود المرتزقة كان لهم دور كبير في دعم قدرات الجيش الأوكراني لمدة عام كامل، لأن صمود أوكرانيا حتى الآن يمثل تحولا كبيرا في توازنات القوى بين البلدين، ورغم الدعم الكبير الذي قدمه الغرب وحلف الناتو.. فإن الجانب الأخطر في هذا الدعم كان العقوبات التي اتخذها الغرب تجاه روسيا، وإن كانت حتى الآن قادرة على أن تتحمل نتائجها.. على الجانب الآخر فإن لدى روسيا من الإمكانات ما يجعلها قادرة على أن تحارب أعواما وليس عاما واحدا، بل إنها تضع في حساباتها أن تمتد الحرب إلى دول أخرى، بل إن بوارجها وغواصاتها النووية تجوب بحار العالم الآن ولديها استعداد للمواجهة في أي لحظة وفي أي مكان.
دعونا نوقفها
على جانب آخر والكلام ما زال لفاروق جويدة فإن العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا لم تجن كل نتائجها، فقد وجدت روسيا دعما كبيرا من الصين وإيران وجيران روسيا، وهذا يعني أن روسيا لن تتراجع، خاصة أن مفاوضات السلام وصلت إلى طريق مسدود.. الأخطر من ذلك أن الرئيس بوتين لن يقبل بالهزيمة بعد أن حقق كل هذه النتائج التي غيرت كل الحسابات السياسية والعسكرية والاقتصادية في العالم.. بوتين الآن يقف على رأس العالم، ويقف ندا لكل القوى، ولا يعقل أن يفرط في كل المكاسب والإنجازات التي حققها في هذه الحرب.. والسؤال هنا: ما هي احتمالات استمرار هذه الحرب؟ وهل يمكن فعلا أن تدخل فيها أطراف أخرى؟ وهل تتوقف أحلام بوتين ومشروعه على أوكرانيا، وفرض الأمر الواقع على العالم كله؟ هناك مؤشرات كثيرة تؤكد أن بوتين لن يوقف مشروعه على أوكرانيا.. ولكن هناك دولة أخرى قد تكون ساحة للصراع مثل بولندا التي تعتبر بحكم الموقع والأهمية والعداء التاريخي من أهم الدول لروسيا، فقد كانت سببا من أسباب اشتعال الحرب العالمية الثانية، وهي أهم جيران أوكرانيا ومعظم السلاح الذي أرسله الغرب إليها كان عبر الأراضي البولندية.. وقبل ذلك كله فإن تسعة ملايين مهاجر أوكراني ذهبوا إلى بولندا، وقدمت لهم كل وسائل الدعم، سكنا وعملا وتعليما ورعاية.. من هنا فإن بولندا قد تكون هدفا آخر إذا استمرت الحرب وحسمت المعارك في أوكرانيا.. من هنا فإن هناك توابع للزلزال الروسي قد تمتد إلى دول أخرى وسوف تكون بولندا من بين الضحايا إذا افترضنا.. أن بوتين لن يقبل الهزيمة بعد أن حقق كل هذه الإنجازات وهو على أبواب أن يغير كل الحسابات، فهل سيقبل الغرب بزعامة أمريكا هزيمة أوكرانيا، وما هي نتائج صعود بوتين وغياب قوى تعتبر نفسها سيدة العالم.. هل تقبل أمريكا أن تنزوي بعيدا وتصبح من الأدوار الثانية، أم أنها يمكن أن ترتكب حماقة مجنونة وتدخل حربا تستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل، أم أنها لن تغامر وتلقي شعبها في هذه الكارثة التي لا أحد يعرف نتائجها.
ما زلنا نعاني
سنة كاملة مرت على بدء الحرب الروسية على أوكرانيا، ولا يزال الطرفان كما لاحظ سليمان جودة في “المصري اليوم” في المكان نفسه تقريبا، فلا روسيا انتصرت ولا أوكرانيا انهزمت. ولا ينطبق شيء على هذا المشهد الذي استمر عاما كاملا، سوى نظرية النهر الذي يصب طول الوقت في البحر، فلا النهر يجف ولا البحر يمتلئ. ولا يزال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث عن عملية عسكرية تقوم بها قواته في الأراضي الأوكرانية، ولا يريد أن يسمي ما تقوم به القوات حربا. ولا بد من أنها عملية عسكرية فريدة من نوعها، لأن مفهوم العملية من هذا النوع في العلوم العسكرية أنها تحقق غرضها سريعا، لتعود ولا تستمر سنة، ولا حتى تستمر ما هو دون السنة من الشهور والأسابيع. وليس سرا أن القوات الروسية إذا كانت صامدة إلى اليوم في المناطق الأربع التي قضمتها من أوكرانيا، فالفضل في ذلك راجع إلى قوات فاغنر الروسية، التي قاتلت بالأجر في ليبيا، وفي دول افريقية أخرى غير ليبيا، وتقاتل هذه الأيام بالأجر أيضا في المقدمة من الجيش الروسي. وهي قوات تشبه النائحة المستأجرة التي يأتون بها لكي تبكي الموتى، وهي تفعل ذلك من غير أن تكون على معرفة ولا قرابة مع أحد منهم، ولكنها تبكيهم جميعا بالطريقة نفسها، وتقول في محاسن هذا ما تقوله في محاسن ذاك، وكأنها كانت تعرفهم وتعيش معهم. وعندما أطلق بوتين قواته في 24 فبراير/شباط من السنة الماضية، فإنه كان يظنها نزهة أو ربما فسحة، ولكن النزهة طالت أكثر من اللازم.. وقد يكون السبب في إطلاق مسمى العملية العسكرية عليها أن خسارة العملية من نوع ما أراده وخطط له أهون من خسارة الحرب.. فهل كان هذا هو السبب؟ وهل هذا هو السبب الذي جعله يحاذر في تسميتها حربا؟ ولأن الطرف الآخر الذي يحاربه ليس أوكرانيا وحدها، ولأنه في الحقيقة يحارب الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وحلفاءهما، فالعملية العسكرية التي سماها هو هكذا، قد تحولت مع الوقت إلى عملية استنزافية له طويلة الأمد، ولولا عناصر فاغنر، ولولا الطائرات المُسّيرة التي حصل ويحصل عليها من إيران، لكانت قواته قد انكشفت بما لا يليق مع جيش دولة كبيرة مثل روسيا.
ما وراء الزلزال
المتأمل لرحلة تفاعل العقل النخبوي – المصري أو العربي- مع موضوع الزلازل وفق ما أشار إليه الدكتور محمود خليل في “الوطن”، يجد أنه مال إلى توظيفه كأداة من أدوات النفاق السياسي. وكان هذا النفاق يتوجّه في القدم إلى الحكام، ومع تطور الزمان وجريان الأيام بات النفاق يتوجه إلى الشعوب. تتعجّب وأنت تتابع شاعرا مثل أبي العتاهية، الذي اشتهر بشعر الزهد، المستغرق في تحذير الناس من الولع بالدنيا، ونصحهم بالإعداد للآخرة ولقاء الله، يستخدم موضوع «الزلزال» كأداة للنفاق السياسي، وذلك في سياق عجيب ارتبط بتجربة حب وغرام عاشها. القصة بتفاصيلها تجدها عند ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية»، ويحكى فيها أن أبا العتاهية عشق جارية فاتنة من جواري الخليفة المهدي اسمها عتبة، وقد طلبها منه غير مرة، لكن الجارية أبت ورفضت، لأنها لم تجد فيه رجلها، وأمام هذا الصد تفنّن أبو العتاهية في التغزل في عتبة، وكتب شعرا كثيرا يشكو فيه صدها عنه وزهدها فيه، ولم يُجدِ هذا نفعا معها، فالتمس حيلة أخرى، اتجه فيها إلى نفاق الخليفة المهدي بشعر يصعد به إلى السماء، حتى يمنحه حبيبته. ومن ضمن ما كتبه نفاقا للمهدى الأبيات التي تقول: «أتته الخلافة منقادة * إليه تجرر أذيالها.. فلم تك تصلح إلا له * ولم يك يصلح إلا لها.. ولو رامها أحد غيره * لزلزلت الأرض زلزالها».. ها نحن أولاء بصدد مستوى من النفاق السياسي وظف فيه الشاعر موضوع «الزلازل» من أجل إرضاء الحاكم، واستدعى فيه آية الزلزال، وقد ظل بشار بن برد الشاعر الكبير وأحد معاصري أبى العتاهية يعيّره بها زمنا طويلا.
محاولة للفهم
لو أنك نقلت المشهد التاريخي من قصر الخليفة في بغداد إلى قصر الحكم الإخشيدي في مصر، وتحديدا في عصر كافور الإخشيدي، فسوف تلاحظ ما توصل إليه الدكتور محمود خليل اتصال خط «التوظيف السياسي للزلازل» في نفاق الحكام. وكان كافور من الحكام الطيبين الأسخياء مع الشعب، كما تحكى كتب التاريخ، وقد حدث أن ضرب مصر في عهده زلزال كبير، فمادت الأرض تحت أقدام الطيبين من أهل البلاد، وانهارت البيوت فوق رؤوسهم. فما كان من أحد الشعراء إلا أن استغل الموقف في نفاق كافور ببيت الشعر الذي نعرفه جميعا: «ما زلزلت مصر من كيد ألم بها.. لكنها رقصت من عدلكم طربا». العجيب أن خط التوظيف السياسي للزلازل ما زال متواصلا حتى اليوم. ولو أنك تابعت زلزال القرن الذي ضرب تركيا وسوريا مؤخرا، فسوف تجد أن المنحازين للقيادة التركية أخذوا يتحدّثون عن نجاح معالجة الحكومة لآثار الزلزال، وعدد من انتشلتهم من تحت الأنقاض، في حين تحدث المنحازون ضدها عن عدد الضحايا والمصابين، وأهمل الطرفان جانبا في منتهى الخطورة يتعلق بانهيار الكثير من المنازل حديثة البناء في المدن التركية، بسبب فساد ذمة المهندسين والمقاولين، وعدم مراعاة أكواد البناء في منطقة من المعلوم أنها عُرضة للزلازل. أما عن المعالجة السياسية لآثار الزلزال في الشمال السوري فحدّث ولا حرج. النفاق السياسي ملمح مهم من ملامح تعاطي العقل العربي «النخبوي» مع الكوارث والأزمات التي تضرب الشعوب، وعلى رأسها الزلازل، وقليلا ما يلتفت هذا العقل إلى التعاطي العلمي أو حتى الإنساني معها.
الأرز يتمرد
حمى ارتفاع الأسعار باتت تطال جميع السلع الغذائية، منذ أربعة أيام والكلام لعمرو هاشم ربيع في “الشروق”، رفعت الدولة يدها عن التسعيرة المتفق عليها للأرز، بعد أن قررت الحكومة في 16 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي ولمدة 3 أشهر اعتباره ضمن السلع الاستراتيجية وفق قانون 181 لسنة 2018. ما الذي جدّ حتى لا تجدد الحكومة قراراتها الصارمة تجاه المضارب والتجار؟ اليوم يكاد الأرز يختفي من الأسواق، وارتفع ثمنه إلى 35 جنيها في بعض الأماكن، بنسبة زيادة تخطت 100%، ولم يعد هناك طعام على مائدة الفقير إلا وارتفع ثمنه، حتى طبق الكشري، وأساسه الأرز، صار ثمنه باهظا. نار الأسعار أصبحت تلتهم كل من يقترب من الغذاء، والحديث عن أكشاك الدولة، سواء الممثلة في وزارة التضامن أو غيرها ليست كافية. في العراق تحت حكم صدام حسين كان يعدم التاجر الجشع، فأمن غذاء الشعب. وفي مصر كان من يريد أن يلوذ من جحيم أسعار التجار الجشعين يلجأ إلى أكشاك الدولة التي تعم الميادين، وكانت الدولة تلجم جشع هؤلاء، وتجعل تلك الأكشاك ملاذا للمحتاج. اليوم أصبحت غالبية التجار تتنافس على الجشع. في الماضي كان الناس يلجأون لمقاطعة السلع، إذا ارتفع ثمنها، فينخفض ثمنها. وكانت الدولة في عون عامة الناس، فتتجه إلى الاستيراد من الخارج حتى يحدث توازن في الأسواق، فيضطر التاجر الجشع لخفض سعر المنتج المحلي. وكانت الدولة في الماضي تتجه إلى التسعير الجبري للسلع كافة، حتى لا يستأسد التاجر على المستهلك. تم إلغاء التسعير الجبري منذ سنوات، ثم عادت الدولة فقررت في ديسمبر/كانون الأول الماضي حصر ذلك في 15 سلعة استراتيجية يجري بشأنها تسعير اتفاقي وليس جبريا، وأكدت على الحبس ومصادرة السلع والغرامة، التي عادة لا تنفذ، وتتراوح ما بين 200 ألف إلى 2 مليون جنيه للمغالاة في الأسعار، أو عدم وضع السعر عليها، أو إخفائها في المخازن بغرض الاحتكار. بعد ذلك أعلنت الحكومة عن رفع يدها عن تسعير واحدة من أهم السلع الـ15 وهو الأرز، ما أدى لارتفاع سعره واختفائه ونحن على مشارف شهر رمضان.
الفلاح ضحية
في حديث لأحد أعضاء شعبة الأرز في اتحاد الصناعات، وعضو مجلس النواب استشهد به عمرو هاشم ربيع كان يتحدث مغتبطا لرفع سعر الأرز، حديثه أعاد إلى الأذهان تبرير أباطرة الأرز ومحتكريه فسادهم بأن الناس استفادت من عائد شهادات 25%، والتجار ليس لديهم سيولة، فلديهم فقط ما يحتكرونه من أرز، وهم يريدون أن يكون لهم نصيب من الكسب الحرام، كما كان لغيرهم نصيب حلال من عائد الشهادات. هؤلاء في الأغلب ليسوا مزارعي الأرز، بل هم تجار، لأن الفلاح يبيع المنتج فورا لحاجته للمال ولسداد إيجارات الأرض، والإنتاج المقدر عام 2021 بنحو 4.8 مليون طن شعير، ارتفع عام 2022 لنحو 7 ملايين طن لزيادة مساحة المنزرع بنحو 550 ألف فدان، وهو ما يكفي للاستهلاك المحلي. المشكلة أن كل ذلك يحدث ولدينا جهاز لحماية المستهلك، لكن ماذا يفعل ذلك الجهاز، وهو جهاز حكومي؟ إذن ما العمل؟ يقترح الكاتب على المدى القريب تجديد قرار اعتبار الأرز سلعة استراتيجية، والرقابة الصارمة لمنع تداوله بأكثر من سعره السابق (15جنيها للكيلو)، وإغراق الأسواق بالمعكرونة كبديل، وتشجيع الإعلام للناس على مقاطعة الأرز المحلي مرتفع الثمن، والاستيراد الفوري من الخارج، حتى يتلف الأرز عند المحتكر. وعلى المدى البعيد، وتحديدا بالنسبة لمحصول الصيف المقبل، فتتم إعادة سلطة الدولة في تحديد المساحات المنزرعة أرزا. وتوريد المحصول البلدي منه (وليس البسمتي) كله للدولة، مع ترك احتياجات استهلاك الفلاح له. التوريد يتم عبر مؤسسات الدولة الرسمية وليس عبر شركات توريد القطاع الخاص، كما تفعل الدولة في القطن والقمح، الذي أصبحت الشركات تتلاعب كثيرا في تسعيرهما وتأخير توريد ثمنهما للفلاح كما تفعل كل عام. وعقب التوريد المقترح للأرز تأخذ الدولة ما تحتاجه لبطاقات التموين، وتقوم ببيع الباقي بنفسها، وهو كم كبير للغاية، في مجمعاتها الاستهلاكية. بعبارة أخرى، فإنه حتى تنضبط أسواق الأرز على الدولة التدخل المباشر والمؤقت بالإمساك بعملية التوريد والتوزيع للمستهلك، وأن تضرب بيد من حديد على كل من يحتكر أو يضرب أو يبيع أرزا محليا. وإبعاد تجار الجملة والتجزئة عن تلك السلعة. وترك الأرز المستورد كله للقطاع الخاص.
الحل المتاح
لا حديث اليوم بين الناس كما تقر ماجدة صالح في “الوفد” إلا عن الانفلات في زلزال الأسعار الذي تجاوز كل الحدود وحطم كل الإمكانيات المتاحة وغير المتاحة وقدرات الدولة، ولا صوت كما أشارت الكاتبة، يعلو فوق صوت جشع المحلات التجارية وأباطرة محتكري السلع حتى صغار البائعين كل ساعة بسعر، وسط غياب تام للأجهزة الرقابية والتموينية، انفلات في كل أنواع السلع الغذائية، أرهقت كاهل أغلب الشرائح في سابقة هي الأولى من نوعها، واكتفت الحكومة ببعض المسكنات والمطيبات هنا وهناك، فالموجة التي ضربت العالم كله وسببت أزمة شديدة في نقص كل السلع الغذائية وصعوبة استيرادها، خاصة في أعقاب الحرب الأوكرانية الروسية، التي أصبحت هما ثقيلا كبيرا تعاني منه معظم الأسر المصرية حتى أصبحت أزمة بلا حل، وعجزت الحكومة عن إيجاد حلول جادة لصعوبة السيطرة على الأسعار وجشع التجار الذين استغلوا الأزمة أسوأ استغلال، دون رحمة في ظل انهيار سوق العمل وتصاعد أزمة الدولار من ناحية، إلى وجود ضغوط بشكل عام. أضافت الكاتبة: نحن لا ننكر الجهود التي تقوم بها الدولة خاصة المنافذ السريعة التي تتولاها القوات المسلحة ووزارة الداخلية، وتوجد بكثرة في الكثير من المناطق الفقيرة.. ولا ننكر أيضا أن هناك أسبابا قد تكون خارج قدرات حكومات العالم، مثل ارتفاع أسعار الطاقة في السوق العالمية، وارتفاع سعر الدولار أمام الانهيار المستمر للجنيه المصري، إلى جانب الأزمات السياسية والمناخية والكوارث الطبيعية التي تحدث في الدول التي نستورد منها، وزيادة أسعار السلع المنتجة في بلد المنشأ وزيادة الرسوم الجمركية، إلى غيره من تقلبات الاقتصاد العالمي الذي قد يتحول إلى كارثة تهدد العالم كله بمجاعة أكيدة في المستقبل القريب.. لكن هذا لا يمثل كل المرتكزات الخاصة بالمشكلة، بل إن هناك الكثير من الحلول التي يمكن التوصل إليها لعلاج هذه الظاهرة أهمها وضع استراتيجية وقائية ضد الأزمات التي تمس قوت المواطن مثل زيادة الإنتاج الزراعي والداجني، وتشجيع الاستثمار، ومنع احتكار كبار التجار ورجال الأعمال في تعطيش السوق وطرح السلع بعد ذلك من أجل الحصول على المزيد من الأرباح والثراء على حساب الغلابة والفقراء، خاصة ونحن مقبلون على شهر رمضان المبارك.. والأهم من ذلك هو فرض قيود وعقوبة رادعة على جشع التجار.
للبؤس أسبابه
تعكس أزمة أطفال الشوارع في مصر كما تأملتها نادين عبد الله في “المصري اليوم” واقعا اقتصاديا واجتماعيا أليما، فوجود هؤلاء الأطفال المساكين في الشارع يفسره في أغلب الأحيان العنف الذي تعرضوا له في إطار عائلات أغلبها فقير ومهمش، أو في أوساط العمل، ما يدفعهم إلى الهرب للشارع الذي يعانون فيه أيضا الأمَرَّيْن. وهنا يتطلب التعامل مع أطفال الشوارع فهما اجتماعيا عميقا ليس فقط لأسباب ذهابهم إليه، بل أيضا لما أصبح الأخير يمثله لهم، ففي الشارع ومن خلاله، تتكون شبكات صداقة وتضامن، أي علاقات اجتماعية جديدة وبديلة لتلك التي لم توفرها لهم عائلاتهم. ومن ثَمَّ، يصبح من الصعب عليهم تركه إلا لو وُفر لهم في المقابل جو من الدفء والحنان وعلاقات تعوض احتياجهم النفسي والعاطفي. والحقيقة هي أن التعامل مع هذه المشكلة الاجتماعية وهذه القنبلة الموقوتة يتطلب تدخلا هيكليا وجريئا، بدلا من دفن رؤوسنا في الرمال واستسهال عبارات سطحية من نوعية «مش عاوزينهم في الشارع»، «لموهم من هناك»، وكأن المشكلة كلها في وجودهم في الشارع وليس في اختلال السياسات الاقتصادية والاجتماعية، التي جعلت وجودهم في الشارع نتيجة طبيعية لن تنجلي سوى بتغيير نمط التنمية الحالي، وجعله أكثر قدرة على استيعاب الطبقات الاجتماعية المُهمَّشة، وهي الغالبة في مصر. تابعت الكاتبة: نعم حياة الشارع تضيع على هؤلاء الأطفال فرصة تنمية إمكانياتهم وقدراتهم لإيجاد عمل مناسب يجعلهم قادرين على العيش الكريم خارجه. ومن ثَمَّ، فإن إيواءهم وتوفير فرص لتعليمهم المهني (وهو ما تبذل فيه وزارة التضامن جهدا ملحوظا)، أمر مهم ومفيد، ولكنه يظل غير كافٍ. فالحقيقة هي أن التعامل مع هذه المشكلة الاجتماعية وحماية آدمية هؤلاء الأطفال يتطلب اشتباكا مدروسا مع مجموعة من القضايا المترابطة، أهمها غياب التنمية الريفية والهجرة إلى المدينة، وما يتعلق بها من مشكلات أخرى ترتبط بها، على غرار زيادة فقراء المدن وارتفاع الطلب على السكن غير الرسمي، خاصة مع غياب سياسات سكنية توفر سكنا رسميا بسعر معقول لمحدودي الدخل. وهنا، وأخيرا، نشير إلى أنه تتعلق بإشكالية الفقر والهجرة الريفية مشكلات أخرى أيضا، كعمالة الأطفال، تلك التي ينبغي أن يراقبها القانون بشكل أكثر إحكاما مع إعطاء ضمانات لحماية حقوق العاملين من المراهقين ممن هم فوق الـ15 عاما.
عيش وملح
بعيدا عن أسعار الخبز المدعم وغير المدعم ووزنه ولونه ودرجة نقاء الطحين المستخدم في صنعه، وربما بلد المنشأ أيضا والأزمة العالمية التي تسببت فيها الحرب الروسية الأوكرانية، وهما الدولتان اللتان يمكن وصفهما وفق ما أشارت إليه خديجة حمودة في “الوطن” بأنهما سلة الطحين العالمي، والخبز السياحي والفرنسي الذي اشتهرت به المخابز العالمية والفنادق، وتقديمه للزبائن بإضافات متنوعة ومختلفة ودرجة حرارة طهيه والخمائر المستخدمة في صنعه، وساعات التخمير وطرق الحفظ والأشكال النهائية له، والآخر الذي يقوم بإعداده مسلمو الصين ويضيفون إليه الأطعمة والتوابل المبهجة في مقاطعة الشنغان، وما تعده نساؤنا في القرى، حيث تفخر كل محافظة مصرية أن لها نوعا خاصا منه لا تتقنه إلا أمهاتها وتضيف له من أشيائها الخاصة من مطبخها ما يمنحه الخصوصية والتفرد والطعم اللذيذ، وحتى لا ننسى العيش الشمسي طيب المذاق والمجهد في إعداده وتجهيزاته، فإن للعيش تاريخا طويلا عرفته الإنسانية منذ قديم الزمان، وله قصص وأمثال شعبية وتشبيهات رائعة، وقد اعتاد العرب على أن يطلقوا كلمة «عيش» على الغذاء الرئيسي لأهلهم حتى لو كان نوعا آخر كالأرز مثلا في دولة الكويت. ومن أجمل ما تحمل تلك الحروف من معانٍ أنها تدل على الإخلاص والحب في العلاقات الإنسانية ولعل كلمة (خاين العيش) التي تطلق على من يخون من الأصدقاء أو لا يحفظ العهد، هي أكبر دليل على ما يحمله المصريون للعيش من احترام وتقدير. وقد تغنى الشعراء بهذه المقولة في عدة أغانٍ مشهورة فمنها (والعيش والملح وعشرتنا) التي تعتبر قَسما مقدسا لدينا.
غيورة بشروط
وفى السياق نفسه المعبر عن الحب والإخلاص والعشرة الجميلة التي تصبح لها، كما أوضحت خديجة حمودة، حقوق وقوانين يجب ألا تخترق أو يتناساها الأشخاص في علاقاتهم الإنسانية والعائلية والزوجية، تقوم نساء العائلة بالالتفاف حول العروس أثناء عقد القران ويضعوا بين يديها رغيفا من الخبز وفوقه بعض الملح، وتقرأ لها الأم آيات من القرآن الكريم تفاؤلا بدخولها حياة جديدة، وكوعد منها بأن تحفظ قدسية العيش والملح. وبالإضافة لذلك فإن من الأعراف عند العرب بعد فض الخلافات وحل النزاعات بين الناس إقامة موائد الطعام، دلالة على حسن النوايا وصفاء النفوس وانتهاء الخلاف. كما اعتبر الخبز قديما جزءا لا يتجزأ من أي طقوس وطنية أو دينية كمقابلة الضيوف والزفاف أو التعميد في الكنائس. ولعل الشكل الأكثر شيوعا للخبز (المستدير) هو الرمز الحقيقي والأقرب للكرة الأرضية، أو الشمس وكل منهما تعني لنا الحياة.. وفي العادات والتقاليد هناك أهمية واعتبار ورمز عظيم للعيش والملح، ففي التراث الفلسطيني يقولون (عمارة البيت خبز وزيت) أي أن البيوت تكون عامرة وتدب فيها الحياة بوجود الخبز والزيت. وفي التراث المصري القديم والقرى اعتادت المرأة أن تتوضأ قبل العجن، وأن تتلو الشهادتين على الدقيق في ما يسمى (المشاهدة)، لأن العجين عنوان للطهر والنقاء. ومن طرائف النساء في التراث المصري أن السيدة الغيور (دمها حام) يتخمر عجينها بسرعة، حيث تنتقل سخونتها له، وعكسها تماما المرأة ذات الدم البارد طويلة البال فعجينها يتخمر ببطء. أما المرأة المخلصة فإنها تحب عجينها وترش وجهه بالدقيق لتستره وتهدهده بأغانٍ حميمية، فتقول أثناء العمل (سترتك بالدقيق يكفينا شر الضيق تسترني مثل ما سترتك تسترني في كل طريق)، ولا تجلس المرأة أمام الفرن غاضبة أو حزينة، ولا نمامة لتحفظ نفسها وخبزها من أذى (ملك الفرن)، لأنه إذا غضب أحرق الخبز وبدد تعبها.
افريقيا تثـأر للفلسطينيين
القضية التي فرضت نفسها على العديد من الأوساط المختلفة وتابع فصولها الكاتب أحمد عبد العزيز في “المشهد” جرت فصولها خلال الأيام الماضية حيث تم طرد الوفد الصهيوني من اجتماعات الاتحاد الافريقي ليمثل خطوة مهمة في وقف تسلل هذه الكيان إلى القارة الأفريقية أو الحد منه على الأقل، حيث تبنت المجموعة العربية بقيادة الجزائر رفض أي وجود لهذا الكيان المجرم على أي مستوى، حيث كان تم منحه صفة مراقب في دورات سابقة للاتحاد، وهو ما رفضته المجموعة العربية بقيادة الجزائر ومصر وليبيا وموريتانيا، خاصة أن التقرير تم تمريره دون اللجوء للآلية المتبعة للاتحاد. أما الفضيحة الكبرى فتمثلت في عدم دعوة وفد الكيان المحتل في هذه الدورة، فتخفى بقيادة دبلوماسية صهيونية للتسلل دون وجه قانوني، أو أي دعوة رسمية، فتم اكتشاف ذلك وطرده وكشف الفضيحة، وهو ما أكده موسي فكي الأمين العام للاتحاد الافريقي وقال إنه لم تتم دعوة هذا الوفد وأن ما جرى سيتم التحقيق فيه لمعرفة من وراء واقعة التسلل وساعد عليها لمعاقبته. لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تم التصويت لصالح دولة فلسطينية تنضم للأمم المتحدة ولها كل حقوق الدول العضو في المؤسسة الدولية، وهذا يعني عودة افريقيا بقيادة المجموعة العربية وفي القلب منها الجزائر لممارسة دورها الطبيعي في دعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ونيل حقوقه كاملة. هذه افريقيا ومواقفها المضيئة في دعم القضية الفلسطينية التي نالت معظم دولها حق تقرير مصيرها بدعم مصري مباشر في ظل حركة التحرير التي قادتها مصر عبد الناصر وجزائر المليون شهيد لاحقا، كما كشفت القرارات الأخيرة عورات الدول العربية اللاهثة خلف التطبيع، كما جري مؤخرا من سودان البرهان المنقلب على ثورة شعبه ويحاول التزلف للكيان المحتل بحجة كسر عزلة السودان، ولم يتعلم الدرس من أن كل الدول التي لهثت خلف التطبيع لم تتلق سوى الخراب والحسرة.