آلاف المعتقلين المصريين ما زالوا الملف الأبرز في ذكرى ثورة يناير

مصطفى بلال
حجم الخط
1

لندن-“القدس العربي”: تشكل قضية المعتقلين السياسيين في مصر الملف الأبرز داخل البلاد على المستوى الحقوقي والسياسي، وذلك منذ الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي في صيف العام 2013. حيث لا يزال الآلاف من المعارضين وأغلبهم من عناصر جماعة الإخوان المسلمين يرقدون في السجون على الرغم مما يتردد بين الحين والآخر عن مبادرات لإطلاق سراحهم وتخفيف القبضة الأمنية التي يعاني منها المصريون.

وبينما يحيي المصريون ذكرى مرور تسع سنوات على ثورة كانون الثاني/يناير فإن قضية المعتقلين السياسيين، بمن فيهم السيدات والفتيات، تتصدر المشهد السياسي في مصر وتبدو القضية الأبرز حالياً بالنسبة لقوى المعارضة، حيث تشير التقديرات إلى ارتفاع أعداد المعتقلين مع فشل كافة المبادرات حتى الآن للمصالحة أو لإطلاق المعتقلين، بما فيها مبادرات اقتصرت على محاولة إطلاق النساء دون غيرهن.

وحسب تقديرات منظمة “هيومن رايتس ووتش” الدولية يوجد 60 ألف سجين سياسي في مصر حالياً، فيما قال تقرير صدر عن المنظمة في العام 2017 “إن الانتهاكات تبدأ من إعداد قضايا ملفقة ضد المعارضين المشتبه فيهم، تبدأ من نقطة الاعتقال التعسفي، وتتقدم إلى التعذيب والاستجواب خلال فترات الاختفاء القسري، وتنتهي بالعرض على المدعين العامين، الذين غالباً ما يضغطون على المعتقلين لتأكيد اعترافاتهم ولا يتخذون أي إجراء للتحقيق في الانتهاكات ضدهم”.

وأكد التقرير أنه غالباً ما تمثل حالات الاختفاء القسري بداية عملية الاحتجاز في مصر وهو اعتقال واحتجاز واختطاف يقوم به موظفو الدولة ووكلاؤها إلى أماكن خارج نطاق حماية القانون، وعلاوة على ذلك، يتم الاحتجاز إما برفض الاعتراف بالحرمان من الحرية أو بإخفاء مصير الشخص المختفي.

وفي عام 2016 تم تسجيل حالات اختفاء قسري لحوالي 1735 ضحية من بينهم أطفال تقل أعمارهم عن 15 عاما. وفي عام 2015 تم تسجيل أكثر من 1840 حالة اختفاء قسري، وكان معظم هؤلاء الضحايا من طلاب الجامعات، وفقا لتقرير لجنة التنسيق المصري لحقوق الإنسان والحريات.

وكلف مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري للإشراف على ادعاءات الاختفاء القسري والسجون السرية في مصر، حيث طلبت اللجنة منذ عام 2011 أن تسمح الحكومة المصرية لها بتفتيش المرافق، وأرسلت ست رسائل تذكير في غضون ست سنوات، ومع ذلك تجاهلت الحكومة المصرية كافة الطلبات.

التنكيل والانتقام

وقال المحلل السياسي، والكاتب الصحافي المصري المعروف قطب العربي في تصريح خاص لــ”القدس العربي” إن “الهدف الأساس من إبقاء هذا العدد الكبير من المعتقلين في السجون هو التنكيل بهم والانتقام، لأن النظام يعتبر أنهم شوكة في ظهره، ويعتبر أن وجودهم يُشجع الآخرين على الثورة مجددا ضد النظام، ولذلك فإنه يتخلص منهم عبر الاعتقال المستمر والإخفاء القسري”.

وحسب العربي فإنه “باعتقال هؤلاء أيضاً يهدف النظام المصري لإرسال رسالة إلى المجتمع بما فيه من نشطاء مفادها أن أي شخص سيتمرد أو يعارض فانه سيلاقي المصير البائس نفسه الذي آل اليه هؤلاء المعتقلون”.

ويرى العربي الذي يدير أيضاً “المرصد العربي لحريات الإعلام” أن النظام يتعمد تسريب بعض قصص المعاناة للمعتقلين وبعض ما يتعرضون له من انتهاكات، وذلك بهدف بث المزيد من الخوف في أوساط الناس لردعهم عن الاحتجاج والمطالبة بأي إصلاحات سياسية أو تغيير في البلاد، مشيراً إلى أن “هذا ما حدث في فترة الستينيات في مصر، ويتم استنساخه بصورة أبشع وأكبر في الوقت الحالي”.

ويؤكد العربي أن “حلحلة قضية المعتقلين في مصر تستوجب أولاً ضغطاً حقوقياً منظماً من خلال آليات الأمم المتحدة والعمل الحقوقي الدولي، وهذا مفروض أن يسفر عن تشكيل لجنة دولية أممية لزيارة السجون المصرية، ومراجعة القضايا والأحكام التي صدرت، ومراجعة الحالات داخل السجون، وفي حال تمكننا من الوصول إلى هذه المرحلة فهذا سيكون أفضل انفراجة على قضية المعتقلين”.

ويشير العربي إلى أن المراجعة الدورية للملف المصري في الأمم المتحدة حدثت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وتضمنت 385 توصية من المجتمع الدولي للنظام المصري، وجزء كبير منها يتعلق بالسجون والمحاكمات، وفي حال استمرت مثل هذه التحركات فقد نشهد بعض الحلحلة في قضية السجون والمعتقلين بمصر.

وحسب العربي فإن الضغط السياسي أيضا يمكن أن يؤدي إلى انفراجة في قضية المعتقلين، لكنه يستدرك بالقول إن “النظام لن يقبل أية وساطة ما لم يكن الوسيط يمتلك أوراق ضغط أو حوافز، ومن يملك ذلك في الأغلب هو المجتمع الغربي، حيث لدى الأمريكيين والأوروبيين الكثير من أوراق الضغط التي تهم النظام المصري مثل المساعدات وقرارات المنع من السفر أو وقف تصدير بعض السلع أو ما إلى ذلك، كما يمكن أن يقدم حوافز للنظام، لكن كل هذا -حسب العربي – يشترط أن يكون المجتمع الغربي جاداً في الضغط على النظام لإنهاء هذا الملف.

آلاف المحبوسين

بدوره، قال مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان، خلف بيومي، إنه “يمكن حلحلة قضية المعتقلين عبر تطبيق القانون واحترام الدستور؛ حيث أن هناك آلاف المحبوسين ممن يوجب القانون إخلاء سبيلهم، وآلاف غيرهم منعتهم المحاكمات غير العادلة من إخلاء السبيل أو البراءة، وبالتالي هذه نقطة بداية لحلحلة قضية المعتقلين”.

وأوضح في تصريح لـ”القدس العربي” أن “النظام المصري يعتبر المعتقلين ورقة ضغط قوية يضغط بها على معارضيه، فضلا عن أن وجودهم داخل المعتقلات يمثل راحة له بدلا من معارضتهم لحكمه”.

وأشار مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان إلى أن “النظام لا يقبل بأي وساطة لمحاولة إنهاء الأزمة، ولكن قد يجدي معه الضغط الدولي في هذا الشأن إن وجد”.

وحول الأسباب التي تدفع نظام السيسي للاستمرار في اعتقال معارضيه، أضاف: “لن يتوقف النظام عن حملات الاعتقال الواسعة طالما أنه يشعر بالخطر والرفض والسخط الشعبي، وطالما يشعر بأن معارضيه لم تنكسر شوكتهم حتى الآن رغم كل هذه الضربات الأمنية الشرسة، وإن كان الحراك المناهض له قد تراجع جدا أو انعدم، لكن النظام في المقابل يشعر بالضعف والخوف الشديد”.

وكانت تقارير صحافية قالت في أواخر العام الماضي إن “جهات سيادية مصرية تجري مراجعة لقائمة تضم أكثر من 200 شخص من أجل الإفراج عنهم، لكن يُراد إخراج الأمر بالطريقة القانونية المناسبة، وذلك في خطوة جديدة لتنفيس الغضب”.

وقالت التقارير التي اطلعت عليها “القدس العربي” إن هذه المراجعة لإطلاق عدد من الشخصيات تجري بتعليمات من المخابرات التي تسعى إلى فتح صفحة جديدة مع القوى السياسية المختلفة، علماً بأن أحزاباً عدة طالبت خلال اللقاءات أخيراً بالإفراج عن من اعتقلوا تعسّفياً.

وقالت التقارير حينها إنه “لم يتم الاستقرار على الآلية التي سيجري بها التعامل مع المعتقلين، وهل ستكون القرارات صادرة من النائب العام أم عبر عفو رئاسي، لكن التوجه هو الاعتماد على النيابة العامة في استصدار إخلاءات السبيل نظراً إلى أنه لا توجد أحكام قضائية ضد من يجري دراسة ملفاتهم، ما يعني أنهم لا يلزمهم عفو رئاسي، لكن على أن يجري كل هذا تدريجياً”.

وجرت العادة في مصر أن تستصدر قرارات الحبس بالنيابة على ذمة التحقيقات من النائب العام شخصياً ومن دون أن يكون لوكيل النيابة الذي يجري التحقيق سلطة اتخاذ القرار وفق المعطيات، وهو ما أكده العديد من المحامين في وقائع التحقيق مع الناشطين السياسيين خلال احتجازهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية