عناية جابرلم يكن فيتوريو أريغوني متضامناً مع أهل غزّة فحسب، كان أيضاً يُمسك في قلبه بمأزق أقدارهم، يزنها بين يديه. لا يفارقني ذلك الوجه. جوليانو مير خميس أيضاً، تكثيف لكل الميتات اللاحقة. كل الغضب والتطهّر والغسل في آن واحد. انها الجريمة تتدفق، راشيل كوري، من هذه الضفة وتلك، وكأن جان جينيه حزر الأمر تماماً. في النهاية يخنقون أريغوني لأنه قبّل أرض غزة. لا يريدون هذا النوع المريب من القُبل، وهي الدينونة هذه المرّة، وقد دخلنا جميعاً وادي الظلمات.لقد منح أريغوني بالحلية الصغيرة المعلّقة أسفل حاجبه، غزة فرصة ثانية، حياة ثانية.ومرّة جديدة هي حياة بحياة.شُنق أريغوني ومات، ويُفكرّ ساكناً الآن بمئات الأسئلة الطافية على رقبته المُهانة. لقد طُعن وشنق في الزوال العظيم الذي يغمر وجهه الفتيّ. انتهى العصر الإنساني والخليقة تتخلق من سلفيين أتوا من قبلها، من حيث كان النور صفراً، وكان فيتوريو ابن الثالثة والثلاثين غافلاً عن البداية الجديدة للخليقة، حاسباً ان الحياة ممكنة في غزّة، شأن حياة في أمكنة اخرى، وقضايا اخرى. آن لنا أن نتصالح مع من يحبوننا، ربما يقول الوقت ذلك، ربما يقول أكثر ونحن على مشارف نهاية العالم. قد يكون أريغوني ساورته نفسه أنه إنما يرفع عن غزّة رعب الموت اليومي الذي باشرته من زمان، يُقوّيها على أن تذهب الى نهايتها مع ذلك، بقلب أقلّ ثقلاً. كان يحاول أن يقول لنا ان الخلاص لم يفت، وأن بوسعها مازالت، أن تحلم بدّك الجدار.يكون مع الوقت قتل فيتوريو أفظع بدون شك، أكثر هولاً، وأهل غزة يفتقدون بوصلة على شكل رجل وسيم، تساعدهم على معرفة اللحظة التي ينقلب فيها الجدار على الجهة المقابلة، يحتاجون تلك البوصلة الحانية تعينهم على دّك الجدار حتى، من أساسه البشع.أمّا الحاقدون على الشاب الإيطالي الثلاثيني، فنأسى حقدهم على النقاء، لأنه فوق مخيلتهم. النقاء فوق مخيلتهم وفوق مخيلتهم فلسطين أولاً.كآبتنا على مقتل الطلياني لم تأت من رومانسية أو خواء. مقتلة فيتوريو اتاحت لنا فرجة مجانية على مقتلتنا المستقبلية، أن نرى الملحمة بحجمها الطبيعي. ملحمة بحجم شعب فلسطين كله. موت متضامن إيطالي مع غزّة واهالي غزّة!! هنا سرّ الشرخ الكبير والإلتباس الكبير بين قادتها، بين ما يجري فعلاً في العلن وفي الخفاء، ثم ليست عمليات القتل ما نباهي به الأمم.مشهد جسده في سيارة إسعاف بائسة، ملفوفاً ببطانية مهترئة مقلمّة بالأسود والابيض، يعني أن الحب يمكن ان نعبر به من زمن الى زمن. ان نمضي بالجثة في الرحلة المعكوسة من الفناء الى الإنبعاث والقيامة. حياة فيتوريو بحياة فلسطين هذه هي المعادلة. المُخلّص والخلاص يأتيان من هنا، وعلى النحو نفسه جسدا بجسد. جوليانو مير خميس، يا لوالدتك الشقية التي صدّقت ! هكذا مازال الامر، هذا لا يسعنا دون رعب ان نصدّق، ففلسطين تستحق أن تكون غرضنا.إشارات قليلة. مبادلة مخطوف بين حماس وسلفيين. هنا عالم نقيض. ليست ثورة هذه إذن! فلسطين وحدها تتعلق بتلابيب من يشفق، الى حدّ إغراقه معها. ثمة فوق جبروت العتمة وتحّفظ عبدتها البارد وتدّينهم الكاذب. وثمة في المقابل حبّ فيتوريو لغزّة الذي انتهى الى هباء. الحب الذي لعب بقدسية الجسد العاري من ايّ سلاح.الحق ان فلسطين باشرت تفقد الأمل، وفي مخيماتها لم يعد من مسرح ولا أطفال، ولا أحلام. فلسطين باشرت الإبتعاد عن العالم واختفى منها الحب واللعب والرقص، وقويت الضغينة الثقيلة والقوة التي لا تعّف عن الشنق والذبح وترّصد الجميلين يردونهم بالرصاص على أبواب مسارحهم، ومسارحنا. ثمة هنا ثنائية متنافرة وواضحة: فيتوريو بكل الدفق الإنساني، وحُراّس فلسطين المزعومين، رسل الشر والكراهية.وجه فيتوريو زهريّ. لم يكن في الصورة أبيض ميتاً، كان زهريا لا يشوبه صقيع بياض غرف المستشفيات، أو المعابد.ً وجه يشبه أن يكون بإمتلائه رحماً او بيتاً. أحبّ فيتوريو غزّة. غزّة مكان لا نحسن أن ندرجهُ في بنيان الخارطة الأرضية ولا نعرف له محلاً في إتساعها، كأنه ليس منها. غزة مكان غير مُرّقم، مع ذلك وشم فيتوريو رقماً له في قلبه.ظهر فيتوريو في غزّة كجنّة من الإبتسامات، لم تلبث أن توارت. قتلوا داعية حبّ.إنها وحشية تحتفل بالكره ولا ترى في القتل خطيئة. قُتل فيتوريو تحت وطأة تنازع بين حماس وسلفيين، ولم يحتج الأمر قرباناً بهذه الضخامة، بهذه الإنسانية الشعورية للقول بأن فلسطين منخورة من داخلها.ذات موت، توصّل فيتوريو الذي عاش سنوات في غزة، في بلاد الروح على ما كان يدعوها، الى ولوج الحلقة الأخيرة من النور، بوجه زهري هو نور الحب. عندما تذبل وردة ها هنا، يصعد عطرها الى السماء. فتتفتح الوردة هناك في الأعالي. كل مادة بلاد الروح تتكوّن من عطور تتصاعد الى السماء. غزّة تبدو شاغرة من دونك. كم نوّد أن نسمعك تحدثنا من العالم الآخر، أن تقول بانك تسامحنا، أن تعلمنا التحرر من قانون التناسخ العدمي لندخل في مطلق النيرفانا.