لا بدّ أن شيئاً ما لا نسميه مجرد «مصادفة» يتحكم بهذه الأشياء. يلتقي رجلٌ طاعن في السنّ مع امرأة عجوز في الحديقة العامة، وكان الليل الهائل يُعتِم بطيئاً والثّلج يتساقط نُدفا. للعجوز وجه ذابل بسمرة حزينة، والرجل أحمر البشرة، زعفرانيّ، وملابسه تدلّ على الفقر. كان الرجل الزعفرانيّ يتسكع بينما تقضي العجوز لياليها كلّها في الحديقة، العودة إلى المنزل ممنوعة لأن بنتيها تستقبلان الزبائن ولا يحقّ لها دخول البيت حتى يغادر الزبون الأخير: «لا مكان لي هناك، فأنا، بمنظري هذا، أشوّه الموقف وأفسد الرغبات».
الرجل: تخرجين وتأتين هنا لتتحدثي مع الأشجار؟
العجوز: نعم.. هذا ما أفعله.. أتحدث مع الأشجار.. وما العمل؟ هل لديك ما تقترحه؟
لا يوجدُ حلّ آخر لمن لا بيت له غير الشّارع. هذا هو الواقع. يستأذنها الرّجل كي يمضي إلى بيته. تسأله:
«آه… لديك بيت دافئ ومضيء؟».
وصار قول السّيدة العجوز في حوارية «حديث الأشجار» لفؤاد التكرلي لازمة لي أقولها كلما جاء ذكر البيت – أو الوطن- على لساني: «آه… لديك بيت.. دافئ ومضيء؟». يرد ذكر البيت في الكتاب المقدس: «امرأتك مثل كرمة مثمرة في جوانب بيتك وبنوك مثل غروس الزيتون حول مائدتك». مزامير 128: 3. في الشعر الحديث تحوّل البيت على يد الشاعر إلى كائن حيّ، بل إلى إنسان أكثر منّا. يقول القاصّ سعد هادي في إحدى قصائده القليلة التي صار يكتبها في السنين الأخيرة:
تلك هي البيوت
في نومها تمشي
ومن رقتها تموت
المكان كأنما يمشي في الزمان، يرتحل، وحين يدركه الموت يسلّم أمره له، تماماً مثلنا نحن البشر، ولكن كيف يمشي البيت، في اليقظة، وفي النوم، وكيف يموت؟
هنالك قصائد تنتمي إلى الفن، وأخرى إلى تاريخ الفنّ. من الصنف الأول نقرأ لسامي مهدي قصيدة ترتحل فيها البيوت بطريقة تختلف:
رحل البيت في السرّ
لكنّ هذا المكان
مليءٌ بأصوات أهليه، محتقن بدخان كان ينفُثه خلسةً تحت إبط الزّمان
آثر بيت سامي مهدي أن تكون هجرته في السرّ، تاركاً أصوات ساكنيه في مكانه، مع الزّمن المحبوس في حجراته. كلّ منزل هو مشعل يحرق حيواته في لهيبه، ومثلما تخلّف النار الدخان، يترك البيت أيضاً وراءه دخانه يحجب الصور والعلامات، ويخفي تحت غلالته أصوات الحبّ والصّخب والموت. الآية 125 من سورة البقرة: «وإذ جعلنا البيتَ مثابةً للناس وأمناً». الآية 74 من سورة الأعراف: «وبوّأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتاً فاذكروا آلاء الله». لا يوجد فرق جوهريّ بين البيوت الفقيرة، وتلك التي تعلو. الكوخ كما القلعة، الاثنان من آلاء الله على البشر. وهنالك تقسيم آخر للبيوت يؤمن به بورخيس: إما أن تكون في الجحيم، أو في الجنة. البيت هو الكون مسجوناَ في بيته، حيث السيد الرجل يعيش جنباً إلى جنب مع السيدة المرأة، وسط جمال الحياة الداكن، المشعّ، ويصيران في المنزل حتماً مختلفَين. وجود أحدهما يلزم وجود الآخر، غيومٌ لا تُرى شكّلها الحبّ صارت هي السقف، وبقوّة الصدق التي في جمال جسد المرأة، وجمال جسد الرجل، وبالألق الذي في القلب، صار الاثنان أداة للإنجاب، أي الخَلق المقدّس. سعدي يوسف:
قد نبتني بيتاً، فنُسجنُ فيه
ما أبهى الحياة!
البيت هو السّجن الوحيد الذي نبتهج لأننا نحبسُ أنفسنا طوعاً في جنباته: بيتك هو مملكتك، والدخان الذي تشير إليه قصيدة سامي مهدي هو السِّناج، أو الشُحَّار، نراه مطبوعاً بصورة واضحة على جدران وسقوف البيوت التي عاشت طويلاً. البيت يتنفّس مثلنا، ويحلم في أثناء نومه، ويسير، وعندما تشيخُ البيوت، تهرم، وتفنى.
أدخلتني في زهرة الرمانِ، ثم مضيتِ عني
وتركتِني بين التُّويجةِ واللقاحِ
تركتِني، أعرفتِ أني… سائرٌ في زهرةِ الرّمّان
آلافاً من السنوات
يخبرنا سعدي يوسف أن اللّقاء بين المرأة والرّجل لا يكتمل ما لم يدخل أحدهما في نبض الآخر، كي يتعرّفا على ما هو مقدّس حولهما، وفيهما، ثملين بالنور الذي مبعثه الروح كما الجسد. عند ذاك ترسبُ رائحتهما ـ لا عطرهما ـ كلٌّ لدى الآخر، وتسكن الجسد كله.
ما الذي يحدث عندما تتّصل المرأة مع الرجل بواسطة الجسد؟ يمكن وصف ما يجري بأنه ثملٌ ذاتي يحدث للاثنين، حزمة متعدّدة من الحيوات، تتطوّر جميعها في الوقت نفسه، بغية احتضان الحياة بامتلائها. قُدّت أجسادنا من أجل حاضرها الذي يستمرّ إلى ما لانهاية، الحاضر الأبديّ، وفي عيوننا وميض يشي بشهوة من عهود بعيدة. كلاهما، الرجل والمرأة يحسّان بأكثر من إحساس ما أن يجتمعا معاً. وليس هذا كلّ شيء. هناك إرادة حقيقيّة للقطيعة مع العالم، وإعادة اكتشاف الواقع بواسطة أدوات الفنّ: تكثيف الحسّ إلى الدّرجة التي تستيقظ فيها جميع الحواسّ في الوقت نفسه، وهذا أساس الإبداع الفني الذي لا يأتي به إله، ولا إنسان، ولا شيطان.
الجسد المقدّس، هو الجسد الذي يرفع الشهوة تاجاً على كل قطعة فيه، وهو الذي نطلق عليه «الروح» ـ والروح هو تعبير أدبيّ للجسد ـ هذا الجزء منا والذي هو مقدّس في ذاته، هو الذي يقوم بالفعل الجنسيّ، وينهض كذلك بفعل الإبداع. صار الرجل والمرأة مبدعَين بفضل الحبّ، يتدفّق أحدهما إلى الآخر، ويتلقّف أحدهما الآخر، وما عاد يسترهما شيء. التخفّف من الثياب ضروريّ من أجل أن تسهل علينا إجابة سؤال ما معنى الحياة الكثيف. بتضامن غامض، يشعر الزوجان في أثناء ذلك أنهما وحيدان وحدةً لم يجرّبها أحدٌ في الكون، وهذا هو الذي يجمعهما، بينما يرسل الخارج، أي خارج المنزل رسائلَه دون جدوى.
العشرة الطويلة بين الرّجل والمرأة تجعلهما يدركان حقيقة أنهما يتشابهان لا في الطّباع وفي الذّوق فحسب، إنما في الشّكل أيضاً، وهذه الملاحظة تأكّدتُ منها في مجال عمليّ كطبيب يفحص ويرى الوجوه من قرب. يقال إن للفلاحين الإسبان وجوهاً تشبه لحاء أشجارهم المعمّرة. الشاعرة الأمريكية لويز غليك ـ نوبل 2020 ـ كتبت في مجموعتها الشعرية «عجلة مشتعلة تمرّ فوقنا» قصيدة تحمل هذا المعنى:
افتح عينيّ فأجدك تتأملني
تقول: انظري إليّ،
وتقرّب وجهك منّي
كأنه مرآة!
صار وجه المرأة نفسه وجه الرجل، زوجها. إنّهما قطبا الوجود، وقد باتا عاريين الآن من الظّلال الباهتة، التي تبعدهما عن الطّبيعة. ثم يبدآن ممارسة الحب بطقس خاصّ بهما، ويختلفان به عن الغير- طقس خاصّ، بل أقول أكثر إنه شَعِيرَة. رغم فنائه الحتمي، يبقى الجسد فاتناً وبهيجاً لأن فيه سحر الديمومة. وجه المرأة، بأساريره الحلوة الصافية البسّامة الحنون، بالعينين الحدباوين تجعله يشبه صفحة نهر. وجهُ الرجل هو الآخر نهر، وما نقوله عن الوجه يسري على الجسم كله، للمرأة وللرجل. يا للجمال! نهر يعانق نهر! يمنح العاشقان كلّ للآخر أعزّ ما عندهما، النبيذ والعسل: النبيذُ لاذعٌ، والعسلُ هو الأول.
يمكن احتمال جميع الخسارات، واحدة بعد الأخرى. يسقط الثلج على الرجل ما إن يفقد امرأته، وتظلّ شذرات الثلج تتساقط، طوال النهار والليل. قصيدة للشاعر حسين عبد اللطيف عنوانها (الهدهد):
يا أخيَّ العزيز
يا أخيّ الذي توّجته الطيور
ملكاً مطلقاً..
أبداً
هل لي أراكَ
ـ مرة واحدةً ـ
خالعاً تاجكَ المستديم
عازباً
أرمل
عارياً
كيتيم!
أيّ مقاربة يصنعها الشّاعر بين الهدهد عندما يخلع تاجه، وبين الرّجل الذي فَقدَ امرأته؟ إذا مات الرجل، أو ماتت المرأة، فلن يكون عندها في البيت موتى، ولا أحياء.
العجوز: هنالك، يا سيدي المحترم، حادثة عظمى واحدة في حياتي، حادثة مفردة أحالت حياتي إلى صحراء. لقد مات حبيبي بين ذراعيّ. رأيته يلفظ أنفاسه الأخيرة وأنا أحتضنه. إنه زوجي، وكان كلّ ما أملك في الدنيا. هل فقدتَ شخصاً عزيزاً عليك يا سيدي؟
كاتب عراقي