آه يا بيروت ماذا فعلوا بك؟ وأعراس من خلف زجاج السيارات

حجم الخط
11

آه يا بيروت: ألم يكتفوا بسرقتك وتجويع أهلك ونسف كرامة شعبك؟ ألم يكتفوا بإغراقك في مياه الصرف الصحي وتحويل ترابك إلى مزابل، تنبت فيها النفايات بدل الورود؟!
ماذا بعد؟
أكتب والحرقة والحسرة تعتصراني.
حاولت الابتعاد في الأشهر الأخيرة عن تناول أزمة بلدي المنكوب في زاويتي الأسبوعيّة، لأني أنزف وجعاً لمجرد التفكير في الأحداث الراهنة.
جوع وفقر وتشرد واعتقالات في ظل حكومة تجتمع فرحة لتخبرنا أنها حققت انجازات كثيرة. ويظهر رئيس وزرائها متباهياً بأنه نال ثقة أغلب الشعب اللبناني!
حكومة تعيش في كوكب آخر. تغرد بمفردها تحت سماء لا تشبه سماءنا!
عرضت قناة «الجديد» اللبنانية مقطع فيديو انتشر بصورة واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، لما فيه من مأساة يصعب على الإنسان الذي يحمل أدنى معاني الإنسانية تحملها.
إنها جولة قامت بها وزيرة الإعلام منال عبد الصمد في الطرقات لتحاول التعرف عن قرب على مآسي الناس، التي كانت تصلها من خلال تقارير جاهزة توضع على مكتبها!
من يشاهد الفيديو لن يعلق على جولتها، ولن يلتفت إلى دموع الوزيرة، بل سيشعر بالعجز والغضب والحزن الشديد أمام منظر رجل لبناني أربعيني يفترش الأرض، بعد أن أنهك جسده المرض. وقد علق خلفه ورقة كتب عليها:
«أمسح لك حذاءك مقابل مئتين وخمسين ليرة فقط».
دعونا لا نحاول تحويل الرقم المطلوب إلى دولار، لأنه سيكون لا شيء.
تقترب منه الوزيرة فينظر إليها قائلاً: أنا مريض، ولكن لا أحمل في جيبي خمساً وعشرين ليرة لبنانية لدخول المستشفى الحكومي.
لقد كان الرصيف أشد رأفة به من البشر.
هذه بيروتنا… باريس الشرق!
تتحول شيئاً فشيئاً إلى مقبرة جماعية بفعل شلة من السراق، الذين نهبوا البلد لسنوات طويلة ولم يشبعوا بعد، بل هم مستمرون بمص دماء الشعب اللبناني.
حكومة تكتم صوت كل من يطالب بحقه. شباب اعتقلوا فقط لأنهم رفعوا صوتهم مطالبين بأدنى حقوقهم الإنسانية. ولم تكتف باعتقال الشبان، بل تحاول قمع الصحافة أيضا. إنه زمن الديكتاتورية. زمن قمع الحريات.
حكومة ستدخل حتماً موسوعة غينيس ويحتل أفرادها خانة أسوأ سياسيي العالم عبر التاريخ.
هنيئاً لنا بوزراء لن يتنازلوا عن كراسيهم قبل أن يموت الشعب بأكمله فيحكمون أنفسهم بأنفسهم!

أين العناق والرقص والموسيقى؟

بثت قناة «بي بي سي» الإنكليزية مؤخراً عرساً حزيناً، لا يشبه الأعراس، في زمن فرض فيه التباعد الاجتماعي.
كان العروسان يقفان إلى جانب بعضهما البعض على الطريق وحيدين في انتظار مرور المدعوين من أمامهما في سيارات مقفلة الشبابيك.
كل سيارة تقف لدقيقة واحدة. يأخذ ركابها صورة تذكارية للعروس والعريس. ثم يلوحون من خلف الزجاج لهما قبل أن تغادر السيارة فتقف مكانها أخرى.
أين العناق والقبلات والرقص والموسيقى؟
أين الحفلات والزينة والورود؟
ذلك المشهد الكئيب أعادني إلى أيام الطفولة.
رحت أتذكر أعراس البهجة في ضيعة «كفتون» الشمالية، التي تتمسك أطرافها بالجبال البيضاء الشامخة وتتمرجح كطفلة مشاغبة فوق نهر الجوز المتمدد على صدر ديرها القديم. هناك تدق أجراس الفرح بقوة. وتتمايل أشجار السنديان الكثيفة المعمرة المنتشرة على مد النظر، بسبب الهواء الذي يخاوي القرية، يخف ويقوى حسب مزاجه. أشجار قد تتحرك من مكانها وتركض على الطرقات في أية لحظة لتدبك مع أهلها!
كان يخيل لي أن جذوع تلك الأشجار هي سيقان آلهة.
تلك هي قريتي، التي لا تنعس سوى في الشتاء. وحين يغمرها الهدوء تزقزق لها العصافير كي تصحو من نومها ويلاعب الهواء شبابيكها المفتوحة محاولاً باستمرار استفزاز الحياة.
ما زلت أحاول أن أستنشق هواءها النقي الطازج من بعيد. كنا نتنفسه بحرية نفتقدها اليوم في زمن التباعد الاجتماعي، زمن الكمامات، التي فرضها فيروس كورونا.
تندهني الآن برودة هوائها النظيفة، التي تتغلغل إلى أبعد نقطة في أعماق أهلها لتعقيمهم من خيبات متراكمة متناسية. هواء معطر بزهور صغيرة بيضاء ووردية اللون متطايرة في كل مكان.
لطالما اعتقدت أن بيوت العقد المنتشرة في ضيعتي هي بيوت مقدسة تسكنها أرواح ملائكية نائمة تخفف عن السكان حر الصيف وبرد الشتاء لتمنحهم نعمة الاعتدال.
إنها هدية الآلهة للقرية لتتبارك فيها ويهطل المطر فيغسل خطاياها.
والأهم أني كنت أؤمن بأن تلك الحجارة ترمز إلى قوة العلاقات وصلابتها بين سكان القرية.
لا شيء أبداً يبعدهم عن بعضهم البعض.
علاقات تجسدت قوتها أيام الحزن والفرح.
أتذكر الآن نساء الضيعة أيام الأعراس كيف كنَّ يتجمعن معاً ليساعدن أم العروس بعجن الفطائر وتجهيز الكبة. يجلسن على الأرض بشكل دائري واحدة تغني، وهي تكبكب الأقراص وأخرى تزغرد والكل منهمك بتحضير مائدة العرس. وأحياناً يتوقفن عن العمل ويبدأن بالرقص والتصفيق، يحولن الطناجر المعدنية والملاعق إلى آلات موسيقية رنانة ويبدأن بالغناء معاً:
«طالعةً من بيت أبوها رايحة بيت الجيران… فات ما سلّم علي يمكن الحلو الزعلان».
لم تكن هناك بطاقات دعوة تقدم للمدعويين. كان أحد أبناء الضيعة يحمل طبلاً ويمشي في كل الأحياء وهو يضرب عليه فيعلم الجميع أن سهرة العرس قد بدأت، والكل مدعو. صغاراً وكباراَ.
كانت نساء القرية يمسكن بأيديهن صوانيَ مليئة بالورود والأرزّ، يغرفن منها ويرششنّ على العروس وهي تنبض فرحاً متباهية بفستانها الأبيض.
تغيرت الأيام مع مجيء كورونا. وأصبحت للأعراس أشكال آخر لا علاقة لها بأعراس الزمن الجميل. زمن ليس بالبعيد، ولكنه يبدو كذلك منذ بدأنا نحاول التقاط لحظات الفرح من خلف زجاج السيارات.
وكأن مصيبة الجوع والحروب والطغاة لا تكفي ليأتي المرض فيحرمنا من أحضان الأحبة؟!
وكيف استحالت أجسادنا أقفاصاً تحتجزنا وتبعدنا عن الآخر، الذي لا معنى للحياة في غيابه؟ هل ستعود يوماً الحياة إلى طبيعتها؟

*كاتبة لبنانيّة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية