حمدان حمدان
في مدينة بوسطن الامريكية، وبتاريخ السادس والعشرين من ايار (مايو) 1922، يخطب السيناتور الجمهوري هنري كابوت لودج، وكان رئيسا للجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، فيقول علي مسمع جمع محتشد (ان الشعب اليهودي، يريد ان يكون له وطن في البلاد التي كانت مهدا لاجداده آلاف السنوات.. انني لا احتمل فكرة بقاء القدس وفلسطين في ايدي المحمديين (البعد الديني في السياسة الامريكية د. يوسف الحسن ص 47). ولم تكن غيوم لودج السوداء، لتهطل من فراغ الجو البيوريتاني المشحون بلوثرية ساخطة ضد المسيحية الفاتيكانية والاسلام علي حد سواء.
فمنذ ان سقطت غرناطة، فان الغرب رأي دولته الاولي وهي تبني بطرد المسلمين، وقبل ذلك فان الصراع كان يقع في مخيال صليب خاص، فقد استهلت الحملة الصليبية الاولي، بقيادة وولتر المفلس وبطرس الناسك، (اسماء بابوية)، بواكير اعمالها المقدسة بذبح اليهود في اراضي الراين، وفي وصف للمؤرخ الامريكي نورمان شون يقول (ما ان سقطت مدينة القدس، حتي وقعت المذبحة العظيمة، فقد ذُبح المسلمون رجالا ونساء واطفالا.. اما بالنسبة ليهود القدس، فقد جمعوا في معبدهم الرئيسي، حيث اضرمت فيه النيران، واحرقوا وهم احياء..) ويتابع شون (ان حكم الله كان عادلا ورائعا.. فالمكان الذي ارتفعت فيه هرطقات المجدفين في حق الله، يتلقي الان دماءهم بغبطة وفرح (السعي وراء العصر الالفي السعيد. نورمان شون ص 48). لم تكن الدعوات الاولي لشن حملات صليبية، باسم الصليب، اكثر من طلاء دهاني، يحجب خلفه ماهية الهدف وجوهره، فقد رأت عيون المفلس والناسك، كنوز الشرق وهي تلمع تحت وطأة اساطيره، فيما سمع آخرون رنين الذهب في بيت المسيح، والخلاصة فان الحملات الصليبية، تعتبر بحق بمثابة الطور التأسيسي الاول، للحملات الاستعمارية فيما بعد.. وفي العصر الحديث، فان الاساءة للرسول العربي (ص)، لم تنقطع عن سياق التعبير، فالكونغرس الامريكي لمجلسيه، اثناء التصويت علي وعد بلفور، كان يستلهم آيات نبوئية معادية للاسلام (اننا باعترافنا بوعد بلفور، انما نُخلص شعب اليهود، من ايدي اتراك مسلمين كريهين) (من كتاب روبرت فانك بعنوان صراع الكونغرس مع الصهيونية 1919). وفي الاقرب الي زماننا، فان السيد بوش الاب، سيقول عند قصف العراق في عاصفة الصحراء 1991، (ان الله يقف في صفنا). وهو قول ديني لرئيس علماني!.. بعدها ستكون زلة اللسان من فم بوش الصغير (عن حرب صليبية جديدة)، وقد كان لنا ان نقبل ذريعة زلة اللسان هذه، لو انها تدحرجت من لسان رئيس امريكي غير مفتون بقساوسة من عيار بات روبرتسون وجيري فولويل وجورج أوتيس الخ. وللمعاينة نطرح بين اقواس، بعض (الدرر) من اقوالهم في كنسهم عن الاسلام.
فالقس روبرتسون (مُلهم بوش اللاهوتي)، يقول في خطبة له في الكنيسة المعمدانية، (ان القرآن وتعاليم الاسلام، لا تعمل علي سد العميق من حاجات الروح الانسانية.. اننا نعرف نحن المسيحيين من صميم قلوبنا، ان الله يقف الي جانب اسرائيل). ودُرة اخري علي لسان القس فولويل لرئيس وزراء اسرائيل المتوفي مناحيم بيغن، والمناسبة ضرب المفاعل النووي العراقي (ليباركها الرب هذه الإف 15 الامريكية، التي انقذت اطفال اليهود من حريق محقق)، وتنبغي الاشارة هنا، الي ان اخبار بيغن للقس فولويل، بخبر نجاح تدمير المفاعل، كان سابقا علي اعلامه لرئيس الولايات المتحدة نفسه.
اما القس أوتيس فعنده ان اليهود في اي مكان (ما زالوا هم شعب الله المختار وان الله يبارك من يباركهم) (كنيسة العصمة المسيحية). ورغم ان الاسلام، يعترف بالديانات السماوية جميعها، ويضع مراتب الانبياء كلهم في قدسية واحدة، بحيث ان الاساءة لواحد منهم، تعتبر في مرتبة الكفر، او المعصية الكبيرة شرعا، فاننا نجد بالمقابل، ان الديانات السماوية لا تعترف بالاسلام، بل وخارج (الجنتلمانية) الغربية النفاقية، حبا بالبترول وما تكنز الارض الاسلامية من ثروات عبر القارات، فان شيئا آخر في الاسلام، قد لا يستحق الاهتمام، الا من افراد لا تأثير لهم، وبالعكس تماما، اذ اضافة الي عدم الاحترام، فان الاسلام حظي بكراهية مبطنة، جعلت منه في مخيلة غربية حاقدة، العدو الاول بعد سقوط الشيوعية العالمية، ويكتب امريكيون واوروبيون كبار، عن مخاطر غول قادم، سيفرقع الغرب بنشيج طفل مسلم (الشاعر المعروف ت. س. ايليوت)، او ضرورة الاستعداد لمواجهة تهديد جديد ورهيب بعد ان نام الشيوعيون (المرشح للكونغرس ريتشارد كوندون)، او الخدر من عدو العالم رقم واحد صدام حسين، (نيوزويك. نيسان (ابريل) 1990)، او الاستنفار ضد ثور هائج قوامه مليار نسمة علي هذه البسيطة (ليون أوريس في روايته الحج)، وقد ظهر المسلمون كأعداء اساسيين، منذ ظهور السيد وحتي ظهور دون كيشوت (مفكر المحافظين الجدد دانيال بايبس في مقالته المسلمون قادمون في ناشيونال ريفيو تشرين الثاني (نوفمبر) 1990) ويتابع (ان المسألة الاساسية تتصل بما اذا كان المسلم يقبل الحداثة، والجواب ليس في القرآن، بل بما هي عليه افعال ومسالك مليار مسلم في هذا العالم). وفي صراع الحضارات فوق هذا الكوكب (هانتنغتون) ونهاية التاريخ علي يد (فوكوياما)، اي نهاية الايديولوجيات الدينية والدنيوية، تكون الدائرة ضد الآخر قد اكتملت، ويصاحب ذلك تحذير من السناتور وليام لند (مستشار مرشح الرئاسة غاري هارت المنافس لبوش الاب)، حين في خطبة نارية يقول: قد ينجح المهاجرون المسلمون في تخريب الحضارة الغربية من الداخل، وهو ما يذكرنا بالعام 1683، اي موعد الغرب مع الحصار العثماني لاسوار فيينا ثم يضيف ان اشكالية انهيار المعسكر الشيوعي، قد تنطوي علي احتمال قيام جيوش اسلامية، بمحاصرة بوابات فيينا من جديد!
وللمفارقة الغريبة، فان احياء الحدث التاريخي بخصوص بوابات فيينا، كان يتم في واشنطن، وليس في فيينا، وان المناسبة كانت في التحضير لعدوان عاصفة الصحراء علي العراق.
ومع هذا الصخب التاريخي المتطاول، وتحت وطأة يهودية متفننة بالتطاول علي رسول المسيحية قبل رسول الاسلام، فان الرعدة تصيب القارئ، وهو يطالع كتاب البروفسور اسرائيل شاحاك (الديانة اليهودية: وطأة ثلاثة آلاف عام). وما تقوله نصوص التلمود بحق السيد المسيح وامه مريم العذراء. ويضيف شاحاك، ان النسخ من التلمود الاصلي لا توزع في اوروبا المسيحية، بل ما يوزع انما هي نسخ معدلة، اما النص الاصلي للتلمود، فهو حكر في ايدي رجال الدين اليهودي المعتمدين حصرا.. ومع ان كلمة واحدة بحق الهولوكست اليهودي، وهي واقعة تاريخية بشرية ودنيوية، قابلة لاعادة القراءة والتأويل.. الا ان قانون فابيوس الفرنسي، الذي لم يلحظ شدة ارهابه للفكر، مع قوانين عالمية اقتفت اثره بذريعة المعاداة للسامية، وكأن العرب آريون.. هذه القوانين تضع صاحب نقد لها، مهما كان وزنه، في قفص اتهامات وتوقيفات وغرامات.. تماما كما جري للمفكر الفرنسي الاشهر، روجيه غارودي، حين سيق الي محكمة الهولوكست، ولا يساق غيره الي محكمة الإساءة للانبياء والشعوب.. وتحت وطأة شاحاك، يرسم كورت وسترغارد الدنماركي، لكتاب عن الارهاب الاسلامي، فهو اذا لا يستلهم رسوماته من ابداعاته، لان الابداع فكرة غير مخلوقة سابقا، بل هي تنبثق من رأس المبدع، مثل خروج منيرفا من رأس جوبيتر (أسطورة اغريقية)، لكن خروج رسومات كورت، تنبثق من تاريخ السموم العنصرية في صراع حضارات ونهايات تاريخ وفلسفات التدمير الخلاق، علي لسان عصبة لصوص الشعوب في العولمة.. فكورت، كما نتوقع، لا يمتلك رأيا خاصا معرفيا بالاسلام، كي يمارس حرية رأيه فيه، من حيث ان فاقد الشيء لا يعطيه، فاذا كانت حرية الرأي، هي التنميط الامريكي عن الاسلام، فهو عدوان علي الحرية وليس نصرة لها.
فالمجموعات الاسكندنافية من اصول الفايكنغ الجبلية، لا اسهامات فكرية هامة لها بخصوص الاسلام، ولو حدث فانه نادر ومحلي ولا عالمية له.. ولا ينشأ ذلك عن قصور ثقافي عالمي، بقدر ما يتعلق بعدم الاحتكاك التاريخي، فضلا عن حداثة دخول شعوب الفايكنغ في الديانات اصلا.
قد يعزو الرسام كورت، فكرة رسوماته الي مقولات كتاب عن الارهاب، أو الي بذاءة مقولات عن الرسول صلي الله عليه وسلم، ولكننا نشك انه قرأ شيئا مماثلا عن السيد المسيح، في تلمود اليهود الخاص، بل وربما اشد بشاعة في كل المقاييس، بحيث اننا لا نستطيع تدوين ما قيل بحق المسيح في التلمود.. احتراما واجلالا.
ان ظاهرة كورت، تتكرر يوميا، في مشاهد شتي من تدنيس القرآن في سجون غوانتنامو وافغانستان، وقتل المصلين وهم في مساجد الفلوجة وجنين، ومشاهد اشد هولا في ابو غريب وانتهاك اعراض وكرامات.
كان علي كورت، صاحب الحق في الحرية، ان يعتمد حرية الحق، في العودة الي تاريخ قارته منذ الف عام، اي موعد الغرب مع حملته الصليبية الاولي، او بدقة اكثر، موعد الغرب مع حملته الارهابية الاولي، عله يبدع شيئا من رحابة تاريخ مفتوح علي صراع العدوان والدفاع بين غرب وشرق، لا ان يحمل قلم رصاص، بضحالة عته مأفون، لا يعرف حدودا للحرية، وفيما اذا كانت هذه الحرية تبيح قتل الآخر كما الاعتداء علي مقدساته. في النهاية، فان التطاول علي الاسلام، لا يختلف بشيء عنه في التطاول علي الاوطان، وتبقي انظمة مليار ومئتي مليون مسلم وعربي، في كون عالمي فسيح، هي المسؤولة الاولي عن تصاعد الجرأة في التطاول، هذا لو كان لاكثرها، حق فتح الفم.. الا في طلب امتلاء المعدة، وادامة العرش والنهب، وربما شهوات اخري!
ہ كاتب من فلسطين يقيم في سورية8