أبدا لم تسكت.. ولا لحظة سكتت

حجم الخط
0

أبدا لم تسكت.. ولا لحظة سكتت

عناية جابرأبدا لم تسكت.. ولا لحظة سكتترغبت ان اقوم واقول لها: اعطه فرصة للكلام، أسكتي قليلا ودعيه يُكمل جملة واحدة . بقيت تتكلم من دون توقف، تنفض شعرها وتهز برأسها فيتقافز قرطاها كقردين صغيرين معلقين بأذنيها. صبيحة ما زالت باكرة، والسيدة لاتني تثرثر بصوت عال، والبلد يتثاءب في طريقه الي النهوض من رقاد ليال صعبة. احببت ان اقوم اصفعها واقول للرجل الجالس قبالتها: انتَ رجل انت؟ تتركها تتحدث بلا انقطاع علي هذه الشاكلة، تصادرك وتقاطعك وتلوث فضاء المقهي بنبرتها السوبرانو، غير حنونة علي الصباح، وفناجين القهوة وكؤوس المياه المذهولة الي بياضها، والمشهد الخدر للشارع ويستيقظ للتو.أبدا لم تسكت. ولا لحظة سكتت. عاكفة علي التلويح بيدها تحكي له امورا حدثت معها، ويشي حديثها بانهيارها العصبي اسمع شكواها البرمة كاملة، من خادمتها التي تركتها وهربت عائدة الي سيريلانكا، ومن انقطاع المياه، والكهرباء مخلفة نقاط الشمع الذائب تلوث الاثاث. جميلة ومرهقة، وفاجرة نبرتها وشكواها التي لا تنتهي.كنت لأجلس قبالته انظره بحنو من دون ان انبس بكلمة، لو جمعنا الصباح نفسه. كنت لأرتجف من الدعة، واروح أرتشف قهوتي بهدوء، متأملة في الكلب الأعرج يقطع الشارع وتخنقه وحدته. كنت ألوذ بالصمت، اشيح وجهي لا ارد، لو عنّ له سؤالي عن أمر. في صبيحة كهذه، يحتاج الرجال الي الصمت، يحتاجوننا ان نحبهم ونشيح بأصواتنا عن آذانهم. يحتاج الرجال ـ قليلو الشجاعة والصبر ـ الي الصمت المدوي ويحتاجوننا ان نلامس افخادهم برفق من تحت الطاولة.سيارة صفراء تنهب الشارع في طريقها الي المطار. اللبنانيون يسافرون ما زالوا، علي الرغم من اعلان وقف اطلاق النار. يسافرون ربما، لان الزبالة تملأ المدينة وتُزكم الأنوف، ولان زوجاتهم وصديقاتهم لا يتوقفن عن الكلام. يسافرون الي مدن نظيفة ونساء يجدن الصمت.بالفرنسية والانكليزية واللبنانية، بقيت تشكو اليه المقتلة التي امتدت لأربعة وثلاثين يوما من الحرب الاسرائيلية علي لبنان. في الحرب، بقيتُ صامتة عاجزة عن الهمس. نوع الصمت الذي يختلف عن صمتي العادي للأحوال العادية.لم تأت صديقتي التي انتظرتها، خفتُ ان تكون اختنقت بحزنها وهي نائمة. صديقتي مثلي لا تتكلم كثيرا، وتسمح لي ان لا أسمعها، ان رأيت انها تتكلم اكثر مما ينبغي. تأتي في موعدها كل يوم، تجلس الي وتسألني: شوهيدا! مطولة الحالة هيك؟ فأسحب سيجارة من علبتي، أتريث في اشعالها، الفترة التي تلتقط فيها صدغيها بجماع يديها، وتنصرف الي أنات خافتة، تصاعد طويلا. اشتاق الان الي التهاب جيوبها الأنفية، الذي يُحيل وجهها شبيها بوجوه ضحايا العدوان الاسرائيلي. تُخبرني انها اخذت حبة بالليل وحبة الصبح ، مع ذلك لم تعرف النوم، فقط ذهول وسهو، وكوابيس يقظة لا ترحم.المدينة خلف الزجاج ترسم خطا من الصمت والسكون، خطا من الضوء الخالص للصباح الصيفي. أي تضاد ملفت بين اصوات الصواريخ بالامس، والخرس الجليل لهذه الصبيحة، وموغلة في زوغانها. لوهلة تراءي لي خيال صديقتي الرقيق، تحت الظلال الطرية لسقوف المحلات في شارع الحمراء. ماذا فعل للايام، بعد كل الموت الذي رأيت؟ من عساه استدرجني الي هذا الفخ الرهيب؟ أي مسخ اذن، يجعلني مذنبة اذا استأنفت حياتي، وعشقي، وكتابة قصائد حب. احاول عبثا التبرؤ مما جري، وقد خض كياني كله. المرأة خلفي ما زالت تثرثر ما يجعلني عاجزة عن طرد الشيطان مني، او زجر الصوت التي تستبيح مخيلتي. تتكلم ما زالت من دون توقف. التفت اليها. الله وحده يعلم النظرة التي اخترقت صدغها.ـ هل أزعجك؟سألتني فجأة. ابتسمتُ ابتسامة واهنة، لم أجب. سكتتْ اخيرا وفكرتْ ان بيروت تقع علي شاطئ البحر. ان اعيش في مدينة بحرية امر يمنحني الكثير من الافكار. طوال النهار والليل اسافر من فكرة الي اخري. افكاري تحدث هنا في هذا المقهي وفي امكنة اخري بعيدة عن بيروت. ذاكرتي دائما غير اكيدة، ولأنني في مدينة بحرية، ذاكرتي متخيلة ربما، لكنها ممكنة. افكر بك الان اذن. افكر ان صديقتي لن تأتي اليوم، وان الحرب انتهت والمرأة خلفي صمتت وأمامي متسع من الوقت لافكر بك، بجسدك، بأنك نافذة ما، حبر أسود، حجرة فندق، يأس او أرق مفاجئ.يمكنني ان افكر الان ما اشاء، سكتت المرأة اخيرا ويغدو صمتها صعب الاحتمال لانه يأخذ معني فجأة.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية