عبد المنعم الشنتوف
تعرف الرواية العربية منذ سنوات تراكما متميزا من حيث الكم والكيف، وتؤكد التحققات النصية حقيقة مفادها أن هذا الجنس الأدبي استشرف تنويعا من التجارب والحساسيات الجمالية، وهو ما يمكن عده قرينة على الحقيقة التي مؤداها أنه الشكل التعبيري الذي تمكن من أن يصبح التعبير الأمثل عن التحولات الأساسية التي تعرفها الثقافة العربية. حقيق بنا في هذا الخصوص أن نلاحظ أن هذا الحضور المهيمن لجنس الرواية يكشف في الآن نفسه عن تفاوت جلي يسم هذا التراكم في شقيه الكمي والكيفي، ذلك أن القارئ المتابع بدقة لدينامية هذا الشكل التعبيري وسيرورة التحولات الجمالية والمعرفية التي تسمه سوف يلاحظ لا محالة حالة من الاختلال تتمثل في ندرة التحققات النصية الجيدة مقارنة بهيمنة الرداءة وتمثيلاتها. ولئن كان المشهد الروائي العربي يزخر بتجارب متميزة لروائيين تمكنوا من استشراف الانسجام اللازم بين القيمة الجمالية والمعرفية لمنجزهم الروائي والتراكم المتحقق، ونمثل لذلك بتجارب علي بدر، محمد صلاح العزب، إبراهيم عبد المجيد، منصورة عز الدين، عبد الكريم جويطي، رانيا خلاف، عبد العزيز الراشدي، مها حسن، وحيد الطويلة وآخرين، فإن عددا وفيرا من التحققات النصية الصادرة مؤخرا لم تستشرف ما نعتبره حدا أدنى من احترام المقومات الأساسية لجنس الرواية. ولعل العلة في ذلك تكمن فيما نعتبره استسهالا للكتابة في هذا الجنس ذي الخطورة اللافتة للانتباه وغيابا مؤسيا لدينامية نقدية تفضح أشكال الاختلال وتقذف بالرداءة وتمثيلاتها خارج الدينامية القوية لسيرورة هذا الشكل التعبيري. تتأسس قراءتنا النقدية لرواية ‘أبدية خالصة’ لعلال بورقية التي أصدرتها ‘دار العين’ القاهرية عام 2009 على رغبة في الكشف عن مجموع السمات التي حفزتنا على اعتبار هذا النص تمثيلا للتراكم السلبي للرواية العربية. وحقيق بنا أن نشدد على حقيقة مؤداها أن هذه القراءة تتأسس على استلزام رئيسي يتمثل في حتمية استشراف الوعي اللازم بأن الرواية بما هي شكل تعبيري تعتبر محصلة تضافر مجموعة من العناصر من قبيل السرد والشخصيات والحكاية والحوار وتوظيفها وفق دينامية يتحقق فيها شرطا التناغم والقدرة على إثارة فاعلية القراءة والتأويل.
تزج رواية ‘أبدية خالصة’ بالمتلقي في زمن هلامي لا يشتمل على أية حدود مميزة ومغامرة كتابة فارغة من الحدث والحكاية وتنويع من الشخصيات سوف نكتشف مع اطراد القراءة أنها لا تعدو كونها ملحقة بالسارد أو الشخصية المحورية أو سمير العرفاوي علاوة على فضاءات تتسم بحضورها أو توظيفها المتأسس على منطق الاعتباط. يذكرنا هذا النص والحالة هاته ببعض التمثيلات الشائهة لتيار التجريب في الرواية العربية التي راهنت على وهم التفاعل مع تيار التجريب في الرواية الأوروبية، بما يستلزمه ذلك من تقليد فاقد للإبداعية ومحاكاة لا ترقى بطبيعة الحال إلى مستوى النموذج. تفضي بنا قراءة نص ‘أبدية خالصة’ إلى افتراض افتقار الذات الكاتبة إلى المعرفة الضرورية بمقومات الكتابة الروائية والقدرة على استثمار التجربة الحياتية بمختلف تعقيداتها والارتقاء بها إلى مستوى المتخيل. يلفي القارئ ذاته منذ مفتتح الرواية في غمرة سياق يرغب السارد أو سمير العرفاوي في أن يكون متأسسا على منطق الرؤية الكابوسية بما يستلزمه ذلك من إلحاح على استدعاء السمات التي تؤشر على ذلك. وسوف نلمس في هذا الخصوص أن هذا الاستدعاء يروم الاحتجاج لافتراض كون هذا السياق الكابوسي تعبيرا ذاتيا وموضوعيا في آن عن الحضور القلق للذات الساردة في فضاء ‘الآخر’: ‘.. استيقظت هذا الصباح بعد ليلة عاصفة أحدثت فيها الريح الماطرة رجة في النوافذ والجسد. جلست على حافة السرير المنكوش، أحملق في لطخات الصدأ التي كست بعض عوارضه الحديدية، كأني أفتش عن سر ما لليلتي الفائتة. لم أعرف هل حلمت حقا؟ تلبستني حالة من الذعر والقنوط. أدركت كما في المرات السابقة أن الطقس يورثني الكثير من تقلباته. نهضت بتثاقل المنقاد إلى حتفه..’ ( النص ـ ص 9.)ولئن كنا لا نختلف مع الكاتب في حريته في أن يؤسس لعوالمه السردية الممكنة، فإننا نحتفظ في السياق ذاته بمسافة نقدية مع الطرائق التي التزم بها في التعبير. يكون التشديد النقدي واقعا والحالة هاته على التعبير ‘الروائي’ الذي سوف نحتج لافتراض غيابه الفاقع في هذا النص. يخوض السارد فيما يمكن وصفه بأنه استغراق في بسط التفاصيل الدالة على هذه الرؤية الكابوسية، لكننا سرعان ما نلفي ذواتنا حيال ما يمكن اعتباره محض هذيان يعتمد على توظيف مشتط للتمطيط الذي يفتقر إلى ثابت الانسجام. يلفي القارئ والحالة هاته نفسه أمام سرد يعتمد خطية رتيبة وينبني على شتات مدوخ وغير متناسق من الحالات تعود بنا بشكل قهري إلى ما يشبه الرؤية الكابوسية التي راهنت عليها الذات الكاتبة. غير أن هذه المقصدية تفصح في السياق ذاته عن افتراض مؤداه أن إستراتيجية الكتابة تروم إيهام الذوات المتلقية بحضور المكون ‘الروائي’ في النص من خلال توظيف خاص للسرد والشخصيات والحوار. غير أن القراءة الدقيقة تكشف ركونا غير مفهوم إلى ما يمكن وصفه بالتداعي السردي الفاقد للمعنى والمتسم باختلال سوف نعرض لبعض تمثيلاته في سياق هذه الدراسة، علاوة على الشطط في استثمار العنصر اللغوي إلى درجة سوف نتبين من خلالها رغبة في التعمية على غياب شبه كامل للمكون الروائي وفقر فادح في التخييل.
يستيقظ السارد من كابوسه ليغرق في سرد تنويع متنافر من التفاصيل يؤثث بها لما يمكن عده مفتتح علاقة خاصة بالفضاء الآخر الذي يتواجد فيه. وفي غمرة هذا السرد غير المتماسك الذي يبدأ من السرير والشقة المطلة على مسرح لاموني في بروكسيل، يؤسس السارد لعلاقات مفترضة مع الآخر الغربي نمثل لها بشخصيات ماغي وعامل المطبعة وسائق الباص وأمكنة توهم بالمغايرة وشخصيات من زمن الهجرة المغربي، مثل عامر السطلي ومنانة القوادة وابنتها العاهرة فريدة. يستدعي السارد في هذا السياق من السرد العشوائي تفاصيل غير مبررة من طفولته وعشقه لوحيدة وعلاقته الملتبسة بأبيه وساعة اليد من طراز رودانيا التي آلت ملكيتها إليه والتي سوف يتوسل بها للتعبير عن رؤية فجة وغير ناضجة للزمن.
تغيب الحكاية عن الرواية ويتوارى الحدث ليفسح المجال من ثم لبياض مطبق يسود فيه الهذيان اللغوي، بما يستلزمه من تمطيط سردي وركون إلى التوحد المرضي بالسرة. سوف نفترض والعمدة دائما على القراءة الدقيقة أن هذا النص بأشكال فقره التخييلي واختلاله التركيبي يميط اللثام عن شخصية تعاني من عصاب مزمن واضطراب يحولان بينها وبين النظر إلى العالم بطريقة متوازنة ويؤسس من ثم لرؤية للأشياء والظواهر تتسم بأحاديتها ووثوقيتها. يمكن للقارئ أن يعثر في هذا الخصوص على قرائن نصية تدعم هذا الافتراض. يتذكر السارد موت أبيه إثر مرض عضال وهو يتسكع في شوارع بروكسيل وساعة اليد رودانيا لكي يفسح المجال أمام تصور للزمن يتسم بالانتهاء وتأثيراته، ثم لا يلبث أن يقفز إلى الماضي ليقحم بطريقة غير مبررة سرديا حادث غرق الشابة الصغيرة في شاطئ الغابة الأمريكية في طنجة. وبين هذا الفاصل وذاك، يتأمل السارد بعينه المتسكعة ‘الدولشي فيتا’ التي تسرح في حي لويز الراقي في بروكسيل ونضوب حظه منها أو يتذكر مغامراته الجنسية الشبيهة بالاغتصاب مع العجوز ماغي في شقتها أو مع وحيدة الناصري أو يتلصص على عامل المطبعة وهو يمارس العادة السرية. تتحدد علائق السارد بالأمكنة والشخوص التي تعمرها وفق منظور يهدف إلى تجذير قطيعة تكاد تكون مطلقة تعكس في حقيقتها إيثارا للتوحد المتعالي ورغبة في رد العجز والفشل إلى الآخر. نسوق في هذا الخصوص هذا المقطع ذا الدلالة اللافتة والذي يصف فيه السارد التعدد اللغوي والعرقي الخصب الذي يسم بروكسيل بأنه شبيه بهجوم البرابرة:’… أفقت على جلجلة أصوات أفارقة وعرب ومغتربين آخرين… كأنهم جاؤوا للتو من أقاصي العالم. تذكرت المستطلعة التي سألتني وأنا أعبر الطريق عن صورة بروكسيل الجديدة. تغيرت المدينة الوديعة، بدلت جلدها وملامحها، وأصبحت مدينة أصوات. برج بابل آخر. فتحت أبوابها لبرابرة جدد..’ ( النص ـ ص 22.)تتحدد علاقة السارد بالذوات المحيلة على زمن وفضاء الهجرة بما هو قرين للتعدد والاختلاف وأمارة على المغايرة باعتبارها متأسسة على رؤية متسمة بالأحادية والنزوع نحو الاختزال التنميطي والتسرع في سوق الأحكام بمعزل عن أي نزوع نحو القبض على تواريخ وجغرافيات هاته الذوات. يمكن للقارئ أن يتمثل ذلك فيما يمكن أن نصفه بالبعد الإيجابي للشخصية، إذ لا نجد عسرا في هذا السياق في الإحاطة علما بهيمنة البعد السلبي بشكل شبه كلي مع استثناءات باهتة لا تخل بالقاعدة. نسوق في هذا المقام نماذج لشخصيات تحيل على الآخر البلجيكي تعاني جميعها من سمات الاختلال والتشوه والعجز عن الفعل الإيجابي. ماغي المرأة الدميمة التي خاض معها السارد علاقة جنسية أشبه بالاغتصاب أو الدعارة والتي تمضي سحابة النهار في التلصص على الناس وفضح أسرارهم أو مضاجعة الرجال العابرين: ‘فكرت أنها ستقف كعادتها خلف الباب، مترقبة قدومي… تباغتني عندما أهم بارتقاء الدرجات التي تعلو شقتها، تظهر أمامي كفيل هندي ضخم غير مروض، وتستجديني بضراعة كأرض جدباء تطلب الارتواء’ ( النص ـ ص65). يستعيد السارد بطريقة تتسم بالفجاجة تلك الصورة النمطية التي فقدت ألقها والتي تحكم علاقة الرجل العربي القادم من الشرق إلى الغرب والمرأة الغربية. ويعمد السارد إلى اختزال كينونة المرأة الغربية كما تمثلها ماغي في بعد نمطي فقد جدواه وفاعليته الدلالية، وسوف لن يتأخر في تأكيده من خلال شخصية عامل المطبعة الذي لا يفعل شيئا آخر عدا الاستمناء في دورة المياه الواقعة في الطابق الثاني من البناية. يؤشر فعل الاستمناء بطريقة لا تخلو من الدلالة إلى سمة العجز وهي صورة نمطية أخرى مستقرة في المتخيل العربي في خصوص الإنسان الغربي. يضاعف السارد من حضور هذه السمة المكونة حين حديثه عن شخصية سائق الباص الذي ‘يرتاد طاولات القمار في سان جيل وسكاربيك، وكان هذا سببا كافيا لطلاقه من زوجته. حكت لي أيضا أن هذه الأخيرة اقتحمت عليه ذات ليلة أحد الأماكن التي يرتادها. زعقت في وجهه صارخة… رافعة تنورتها، ومؤشرة على ما بين فخذيها لتقول له أمام الملأ… من سيهتم بهذا؟’ ( النص ـ ص، 68). تفصح الرواية والحالة هاته عن علاقة تضاد مطلق بين الذات الساردة والشخصيات الأخرى. وسوف نلاحظ أن التعدد والاختلاف الذي من المفترض أن يسما الرواية فيما يهم اشتغال السرد ودينامية الشخصيات وتوظيف الوصف والحوار غائبان بشكل شبه تام، وهو ما يعيدنا بداهة إلى عجز الذات الكاتبة عن الاستثمار الفاعل والإيجابي للتجربة الحياتية عبر وسيط التخييل. حقيق بالإشارة في هذا الصدد أن توظيف الشخصيات التي تحيل على زمن وفضاء الهجرة المغربي على وجه التخصيص لا يشذ عن القاعدة التي أشرنا إليها آنفا والتي تؤثر تغليب البعد السلبي وطمس أي تمثيل إيجابي للحضور. نتبين تأسيسا على ذلك شخصيات منانة القوادة وابنتها العاهرة فريدة والنائب البلجيكي ذي الأصل المغربي عامر السطلي. لن نباغت في هذا السياق بهذا التشديد المكثف على سمات السلب والتشوه التي تميز حركية هاته الشخصيات والتي عبر عنها السارد الرائي بقوة في غمرة السهرة الماجنة التي جمعتهم في شقة ماغي. تفصح الرواية والحالة هاته عن رؤيتها الخاصة للتعدد الذي يسم المجتمع البلجيكي ويفسح المجال لرؤية أحادية ووثوقية ونمطية لعلاقة الذات بالآخر. يمكننا أن نفترض باعتبار ذلك كله أن هذا النص يعجز باعتبار الفقر التخييلي الذي يميزه عن استشراف الوعي اللازم بالمغايرة بما هي تضافر دال للبعدين الإيجابي والسلبي. سوف نتمثل في السياق ذاته أن استدعاء فضاء بروكسيل يعتمد وصفا خطيا عاجزا عن استشراف جغرافياتها وتواريخها. ولن يعجزنا في هذا المقام تبين حقيقة مؤداها أن الذات الكاتبة توسلت بفضاء بروكسيل للإيهام بمغايرة لا وجود لها في الحقيقة، ذلك أن العالم الممكن الذي يحتج له هذا النص والذي يتسم كما بينـّا سابقا بأحاديته وتشوه واختلال علاقاته ورؤاه يناقض بشكل مطلق فضاء بروكسيل والثراء والتعدد اللذين يسمانه. سعينا من خلال هذه القراءة النقدية إلى رصد حالات الاختلال التي وسمت هذا النص من حيث استثمار المكون ‘الروائي’ واشتغال التخييل. ولعل الافتراض النقدي الذي يمكن أن نخلص إليه يكمن في أن الاقتصار على الهواجس ومظاهر الاضطراب النفسي وأشكال العجز والفشل الخاصة لا يمكنها أن تسهم في إبداع عمل روائي متكامل ورصين، وأن الرهان الروائي يتمثل في البدء والمنتهى في القدرة على استثمار الثراء والتعقيد اللذين يسمان المعاش والحضور الفاعل في العالم والوعي الإيجابي بالمغايرة والارتقاء بكل ذلك إلى مستوى التخييل.