يعرب محمد فاضل: الإبداع في صناعة العود ولاء السامرائيفي ورشته البلجيكية أستقبلنا الأستاذ يعرب محمد فاضل صانع العود وأحد أولاد أشهر صناع العود العرب المرحوم محمد فاضل الذي ذاع صيته في كل الدول العربية لعقود كثيرة، حتى أنه لم يبقى مطرب عربي مشهور الا وأقتنى عود من صناعته. فصنع أعوادا للمطرب فريد الأطرش ولمحمد عبد الوهاب ولوديع الصافي ولعوض دوخي ولمنير بشير الذي أنحنى يوما وقبل يديه قائلا له : ايدك ذهب يا أبو فايق. وقد أعتبر الراحل منير بشير عوده هذا نصفه الثاني وسبب شهرته العالمية التي توجت بجائزة الفن من الدولة الفرنسية.على سر أو أسرار والده وإسراره يستمر الابن يعرب في صناعة العود المتميزة لهذه العائلة العريقة التي ارتبط أسمها مبكرا بصناعة أفضل عود في العالم العربي. ففتح أبن محمد فاضل ورشته التي لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار لنا، هذه الورشة هي مكان عمله وتفكيره وتفاعله وإبداعه في أنجاز العود الأكثر جودة على مستوى الصوت وعلى المستوى الجمالي، وبدأ يحدثنا عن سيرة صناعة العود مع والده اولا وهي فترة تدربه ومراقبة عمل والده وأخوته التي استمرت حتى فترة شبابه. وككل الشباب تطلع يعرب الى أكمال مسيرة صناعته للعود لوحده وعلى مزاجه وليشق طريقا لنفسه مختلفا عن والده. شب يعرب كما فايق وفالح وعمر أولاد المرحوم محمد فاضل على حب العود وصناعته وحب الموسيقى مع والدهم الموهوب الذي فرض على نفسه نظاما صارما في العمل له ولأولاده في ورشهم المتعاقبة في الحيدرخانة منذ عام 1932. حتى الثمانينات عندما أنتقلوا الى راغبة خاتون. مبكرا تميز المرحوم محمد فاضل بموهبته كنجار متمكن ومبدع عندما عمل موظفا في المتحف العراقي، اذ ما يزال أسمه منحوتا على خشب مرقد الأمام موسى الكاظم الذي قام بصنعه بعد فوزه من بين كثيرين عراقيين وغير عراقيين تقدموا لهذا العطاء المطروح. ويمكن للزائر مشاهدة أسمه في المرقد الى يومنا هذا. يبدأ الأسطة محمد فاضل يومه منذ الصباح الباكر ـ السادسة صباحا ـ ومعه أولاده الذين بدؤا العمل معه وهم في الخامسة عشر من العمر او حتى اصغر من ذلك. الأسطة محمد فاضل لم يكن يهتم الا بعمله فقد كانت صناعة العود كل حياته وما عدا ذلك لم تكن له أية حياة اجتماعية يتذكرها أولاده الذين تعلموا من مراقبته كيف ينشر الخشب وكيف يزخرف وكيف تنحت تفاصيل هذه الآلة التاريخية لبلاد الرافدين وبلاد الشام، ألة العرب الأولى وروح الموسيقى العربية منذ ان بدأت في الظهور والنمو والتطور حتى يومنا هذا. صغيرا، بدأ يعرب وهو في الابتدائية بالتردد على ورشه والده والعمل فيها بعد نهاية الدوام في المدرسة ليعود معه في المساء. يقول يعرب ‘ كنت أضع قطعة خشبية تحت قدمي لأصل الى ألة النجارة التي كنت استخدمها في الحفر. لم يعلمنا والدي أي شيء. كان يضع العود أمام أعيننا فقط، يقسم علينا العمل.كل واحد منا مختص بعمل قطعة معينة في العود ومن مراقبته ومداومتنا المنتظمة على الورشة أخذنا الصنعة وتعلمناها وأصبح لكل منا أسلوبه الخاص. في البداية صنعت الوردة التي يضعها والدي في واجهة العود وهي كتابة بالخط العربي عليها أسمه وأسم عائلته. بعدها بسنوات قمت بصناعة مفاتيح العود ثم أخيرا قمت بصناعة الطاسه وهي عملية مهمة جدا في صناعة العود. أما في سنواتي الأخيرة من عملي مع والدي فقد أحببت واستهويت عملية أكمال العود-Finishing – وأجدتها مما دفع والدي بعد ذلك لرفض استقلالي عنه ورغبتي في شق طريق خاص بي.الاستقلال عن والدي والعمل في الكويت قضيت خدمتي العسكرية في فرقة موسيقى الجيش والمسرح وتبع ذلك عملي في الكويت بين أعوام 1979-1985 في الشركة التي أسسها أخي للإنتاج الفني اذ عملت كمونتير ومصور وأنجزت مع الفنانين العراقيين تسجيلات كثيرة لأغانيهم وكليباتهم.وقد بقيت في الكويت رغم إلحاح والدي علي بالعودة. وعندما فكرت بإكمال دراستي في معهد الفنون الجميلة عام 1985 قررت ان أعود للدراسة في بغداد وتخرجت من معهد الفنون الجميلة وكنت من العشرة الأوائل على المعهد، بعدها دخلت الى أكاديمية الفنون الجميلة لكنني لم أكمل دراستي فيها لرغبتي في العمل لحسابي وفتح ورشة خاصة بي لصناعة العود.وتم لي ذلك عام 1988 ففتحت محل نجارة في الأعظمية بمحلة السفينة. في البداية جاءتني طلبات العمل من حلقة ضيقة شملت العائلة والأصدقاء وأصدقاء الأصدقاء.لم استمر بالعمل في ورشتي جراء ما حصل في العراق بعد 1990. وشاءت الصدف ان التقي بالفنان التونسي الكبير لطفي بوشناق الذي زار العراق عام 1991 حيث اقترح مساعدتي للسفر الى تونس. وبالفعل حصل لي على الفيزا التونسية وسافرت انا وعائلتي. وقد قدمني الأستاذ بوشناق لمدير المعهد العالي للموسيقى الذي عينني مدرسا لصيانة الآلات الموسيقية. وبهذه المناسبة أحب ان أتذكر الفنان الكبير بوشناق وأفضاله التي لا أنساها علي وعلى عائلتي ومساعدتي في تلك المحنة كثيرا وما زلت اعتبره أخا لي منذ ذلك الحين.أنشاء ورشة للمعهد العالي للموسيقى في تونسقمت بتدريس صناعة العود نظريا لمدة عام واحد. ومن ثم أنشأت في المعهد العالي للموسيقى ورشة لصيانة الآلات الموسيقية، وسجل في السنتين الأولى والثانية في هذه المادة كثير من الطلاب منهم من لم لم يكونوا موهوبين لهذه المهنة. لكننا بدأنا بعد ذلك بالقيام بأختبار لمن يحب فعلا امتهان هذه الصنعة ومن يمتلك الموهبة والرغبة . وعبر هذه المادة فهم الطلاب قيمة هذه الآلة وصناعتها. وألتحق بي بعد فترة من وجودي في تونس الأستاذ نصير شمه الذي كون بدوره مجموعة جيدة من طلاب المعهد حول العود. لم تكن هذه الورشة التي أنشأتها تقوم بصناعة العود لأن المعهد هو معهد موسيقى. لكن أعطي المجال للراغب منهم بصناعة العود فيها. وأدى اهتمام الطلبة بهذه الورشة في السنوات التالية أن جعلها المعهد مادة إجبارية وليست اختيارية كالسابق. فنالت بذلك مكانة وأهمية في منهج التدريس ترسخ عبر السنوات. وبفضل الشهرة التي عرفتها الورشة تواردت عليها الطلبات للصيانة من خارج المعهد. فتطورت المهام من شكل محدود لا يتجاوز حدود المعهد الى ورشة أوسع تقوم بأعمال الصيانة لكل الطلبات التي تصلنا من الخارج . وما زالت هذه الورشة قائمة وتعمل الى يومنا هذا.أعواد عائلة محمد فاضلللمرحوم محمد فاضل صانع العود الفضل الكبير في وضع اللبنات الأولى لصناعة العود للحرفيين في التاريخ الحديث ومعه أولاده عمر- ورشة الأمارات – وفالح وفايق ورشة بغداد ويعرب ورشة بلجيكا- . فمنذ ثلاثينيات القرن الماضي عمل أبو فايق وأولاده في تشيد هذا الصرح حتى رحيل والدهم عام 2001 ليستمروا كل في ورشته وفي محيطه وفي مسيرته لإضافة لمسات وتحسينات وإبداعات بفعل العمل الدؤوب والحب لهذه المهنة والصنعة الراقية. خاصية هذا العود، الذي سماه الأسطة محمد فاضل بالعراقي، انه عود Sollicite أي العود المخصص للعزف الانفرادي ويسمى أيضا بعود السحب، وهو عود يعدل بأربع درجات فوق العود الشرقي ويتحمل التعديل أكثر منه .أما الشرقي الذي يرافق الفرق الموسيقية عادة فهذا مختلف التصميم. يقول الأستاذ يعرب ان والدي لم يصنع عودا شرقيا أبدا وأنا ورثت عنه ذلك واعتقد بأنني طورت عود السحب هذا كثيرا بسبب وجودي في بلجيكا وذلك بفضل الخشب الموجود هنا والملائم للعود بشهادة أصدقائي الموسيقيين. قبل عقود مثلا كنت أستعمل ست او سبع قطع لأشتغل بها وجه العود أما اليوم فأستعمل قطعتين فقط وهو يساهم في صيانة الآلة ويعطي لها ليس فقط شكلا أجمل بل وصوتا أجمل.كما تطورت عندي طريقة أكمال العود بالمواد المتوفرة هنا رغم أنني ما زلت على طريقتي القديمة أي لا أستعمل الا يداي في هذه العملية. من تجربتي في الفينشنغ Finishing تبين ان الطريقة القديمة هي أفضل طريقة لجودة العود وجوده أصواته على وجه الخصوص. كما أستعمل حاليا المفاتيح الجاهزة وهي مفاتيح أجمل وأنظف من اليدوية لأنها مصنوعة ميكانيكيا وهي ممتازة جدا وكذلك أستعمل الأوتار الغربية المناسبة للعود وهي اليوم بجودة عالية جدا. عود خاص للمحترفين فقط أنا أصنع عود عمل وعزف للمحترفين الحقيقيين وهوؤلاء قلة في العالم العربي ومنهم الأستاذ والصديق نصير شمه الذي رأيته آخر مرة في مدينة أنفير البلجيكية حيث أتى لأحياء حفل فيها واقترحت عليه عودا جديدا غير الذي صنعه لي وله والدي قبل سنوات فرحب بالفكرة.عند وصول العود اليه كتب شمه هذا الأس ام أس وأرسلها للأستاذ يعرب يقول له فيها : ‘ شكرا عزيزي وتسلم، أنت أكيد تعرف ان عودك هو الأفضل وبسببك تحسنت صناعة العود. تصلني أعواد كثيرة من تركيا والوطن ولكن عودك هو الذي يناسبني. عود يعرب الجديد سميته بغداد’. يقول الأستاذ يعرب بأن العود يبقى هو العود التقليدي بنظري،عودا بثمان أوتار. وتطوير العود بالنسبة لي هو تطوير جودته على مستوى الصوت وليس ابتكار عود برأسين أو كمان بعشرين وتر.شخصيا أختلف عن أخوتي الذين يصنعون العود أيضا لأنني دارس للموسيقى وأنا عازف عود أكاديمي. اصنع العود للعزف به.ولا اصنع عشرة أعواد وأعلقها في ورشتي. بل يصادف ان أكسر عودا لم تعجبني صناعته. أكره أن تشوه هذه الآلة الرائعة، وأحب ان اصنعها وأراها بأحلى وأجمل ما تكون عليه من أصوات ومن أشكال.هناك من يضع مكبر مع العود وهذا أسوء ما يمكن عمله مع العود.أنا مقل دائما بسبب عملي كمدرس وأصنع العود بمزاج وبمحبة. أعوادي كلها مرقمة ومؤشرة لدي. وهكذا كان يفعل والد الأستاذ يعرب.إذ وفي أحدى المرات دخل عليه موسيقي يحمل معه العود الذي صنعه له منذ عشرين عاما فإذا بالمرحوم محمد فاضل يقول له ان رقم عودك هذا هو كذا فتعجب الموسيقي الذي استغرب ذاكرة الأسطة القوية فرد علية بأنه يعرف أعواده كما يعرف أطفاله واسمائهم. على مدى ستة عقود متتالية بقيت ورشة محمد فاضل وأبنائه هي الورشة الوحيدة التي تصنع العود الانفرادي وذاع صيته في العالم العربي أجمع. واليوم وبفضل أعواد أبنائه المتميزة والمتقنة ومنهم الأستاذ يعرب يفخر كبار الموسيقيون بأن من يصنع لهم آلاتهم هم أسطة أبناء الأسطة الكبير.