«أبوعبيدة» يُهيمن على شبكات التواصل في العالم العربي… هل رحل صوت غزة للأبد؟

حجم الخط
3

لندن ـ «القدس العربي»: هيمنت المزاعم الإسرائيلية باغتيال الناطق العسكري باسم كتائب عزالدين القسام «أبوعبيدة»، على كافة شبكات التواصل في العالم العربي، وأشعلت موجة من الجدل في أوساط النشطاء والمستخدمين والجمهور العربي، خاصة وأن حركة حماس التي ينتمي لها «الملثم» لم تعلن حتى الآن عن استشهاده، بينما لا تزال هذه المزاعم تنحصر في المصادر الإسرائيلية التي تزعم بأن جيش الاحتلال نجح في اغتيال الرجل الذي لطالما ظل صوت غزة إلى العالم الخارجي منذ بدأت الحرب قبل نحو عامين من الآن.
وتباينت ردود الأفعال العربية على خبر استشهاد «أبوعبيدة»، فيما تداولت العديد من الحسابات الاسم الحقيقي للرجل وهو حذيفة الكحلوت، وهو نفس الاسم الذي نشرته وسائل الإعلام الإسرائيلية بدون وجود أي تأكيد فلسطيني على أنه بالفعل الناطق العسكري باسم كتائب القسام.
وزعم وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس الأسبوع الماضي اغتيال أبو عبيدة في قصف جوي استهدف مدينة غزة، ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية عن كاتس قوله إنه «تم القضاء على أبو عبيدة في غزة»، موجهاً التهنئة للجيش وجهاز الأمن العام «الشاباك» على ما وصفه «الإعدام المثالي». وتوعد كاتس بتنفيذ المزيد من الاغتيالات بحق قيادات وكوادر حركة حماس في قطاع غزة، تزامناً مع تصاعد حرب الإبادة وتنفيذ خطط إعادة احتلال مدينة غزة.
ورآى مغردون أن استشهاد أبو عبيدة إن صح، لن يغير من المعطيات على الأرض في شيء، حيث تواصل المقاومة عملياتها رغم استشهاد معظم قادة الصف الأول، وأضافوا بأن الرجل -أبو عبيدة- الذي حظي برمزية هائلة لن يكون الأول ولا الأخير من قادة حماس الذين يقدمون أرواحهم منذ بداية الحرب.
وكتب الإعلامي الجزائري حفيظ دراجي مغرداً على شبكة «إكس» يقول: «حتى وإن قُتِل واستشهد، فلن يُمحى حضوره من قلوب شعبه، ولن تُطفأ فكرته، ولن تغيب صورته عن ضمائر الأحرار في كل مكان. حتى وإن أسقطوا جسده، فهو حيٌّ عند ربّه، يتقلّد شرف الشهادة، ويتنعّم برزق الجنة وخلود الكرامة. أبوعبيدة حي، أما الميت الحقيقي فهو ذاك الذي يبيع قضيته، ويعيش بلا موقف، بلا ضمير، بلا مروءة؛ الذي أطفأ نور الشعور، وأغلق أبواب الفكر، وقيّد إرادة القرار. الميتون حقاً هم الذين يسيرون بيننا أجساداً خاوية، عبيداً للطغيان، يتنفسون الخضوع، ويبرّرون الخيانة؛ كالأنعام بل هم أضلّ سبيلًا، أولئك هم الغافلون والخاسرون في الدنيا والآخرة».
أما الأكاديمي الموريتاني الدكتور محمد المختار الشنقيطي فنشر صورة له مع شخص يرتدي زياً شبيهاً بزي «الملثم»، وعلق بالقول: «سواء استشهد أبوعبيدة أم لا، فهو باقٍ في قلوب المسلمين بمشارق الأرض ومغاربها. في مؤتمر بمدينة كراتشي الباكستانية عام 2023 صعد إلى المنصة شاب باكستاني يتقمص شخصية أبي عبيدة، وخطب فينا بلسان عربي مبين. وقد شرفني بصورتين معه».
ونشر ياسر الزعاترة صورة تجمع عدداً من قادة المقاومة الذين استشهدوا في غزة، وكتب يقول: «بَكتْكُم القلوبُ المؤمنة.. لكنّها لن تنساكم.. سلام الله عليكم، وعلى من سبقكم ولحق بكم، وكلّ من سار على دربكم إلى يوم الدين».
وأضاف في تغريدة ثانية: «من قال إن الشهداء يغيبون؟! إنهم يمتطون الريح، ويلمعون في سمائنا كالبرق، يذكّروننا بالرسالة والحُلم، وينثرون في دروبنا أزهار الأمل. هُمْ هناك (أحْياءٌ عِندَ ربِّهِمْ يُرْزَقُون)».
وكتب الصحافي الأردني، والمدير العام السابق لقناة «الجزيرة» ياسر أبو هلالة: «نسأل الله أن يرحمنا، على تخاذلنا وضعفنا وجبننا، نستحق الغضب على كل ذلك ولكن رحمة الله أوسع. أما أبو عبيدة وموكب النور الذي انطلق مع الطوفان ولم يتوقف فهم في مقعد صدق عند الله وفي مكانة لا يدانيها أحد في تاريخ أمتنا المجيد. في غزة نقطة ضوء وسط ظلام هذا الكون، جيل ملائكي يخوض وحيداً معركة الأمة مع شياطين الأرض منذ عامين.. فرق بين من يتمتعون كالأنعام، وبين من تجردوا من متاع الدنيا حتى من أجسادهم فأنهكها الجوع قبل أن تمزقها القذائف. آمنوا بما نؤمن به، لكنهم صدقوا، آمنوا بأن الأجساد فانية وما فوق التراب تراب، بقدر ما آمنوا أن الباقيات الصالحات خير، وأن المكانة في الجنان وعرش الرحمن، لا في عروش الطغاة الزائلة، وأن سجل التاريخ الذي لا يُمحى أوثق من لحظة عابرة، وشتان بين من يخلد فيه مهاناً خائناً أو متخاذلاً ومن يخلد فيه أبو عبيدة والسنوار وهنية.. سامحنا ولا تخاصمنا عند الله».
أما الناشط السعودي تركي الشلهوب فكتب يقول: «أبو عبيدة فكرة، والفكرة لا تموت»، وأضاف الشلهوب في تدوينة ثانية على شبكة «إكس» بالقول: «آن لجسد حذيفة الكحلوت أن يستريح، ولكن عباءة أبو عبيدة مستمرة حتى التحرير».
وقال الدكتور صلاح المهيني: «أمة تعرف أبو عبيدة لا تحتاج إلى من يلقنها دروس التكفير والتفسيق ولا إلى من يقطعها طوائف وشيع، لقد علمها أن العقيدة الحق: دعوة إلى الله، وجهاد في سبيله. لا لساناً طويلاً على أبنائها. أبو عبيدة شاهد على المنهج الحق، ورمز أن العقيدة لا تُختزل في جدل بل تُختبر في ساح الجهاد».
ونشر الناشط عبد العزيز الفضلي صورة لناشطة في الدنمارك وهي تضع صورة أبوعبيدة على قميصها، وكتب يقول: «من الغبن والحسرة أن ترى هذه الفتاة في الدنمارك، ترتدي هذا الزي والذي فيه صورة ابو عبيدة وتقول العبارة: (الموت الموت لجيش الاحتلال) وتسير في الطريق بكل حرية. بينما لو كان الأمر في كثير من البلاد العربية لتعرضت الفتاة إلى الإهانة أو الضرب أو الاعتقال».
وقال أحد المعلقين: «إنْ كانَ حياً سيُكمِلُ نضالَه، وإنِ ارتقى فقد نالَ مرادَه، وفي الحالتَين هو خالدٌ بينَنا، وفي الحالتَين هو المُنتصِر». فيما كتبت معلق يُدعى «رستم» على شبكة «إكس» يقول: «ولكن لثام أبو عبيدة نفعنا نحنُ، لأنه كشف اللثام عن صهاينة العرب وعرفنا أنهم بلا كرامة».
وقالت زينب عقل، وهي باحثة وكاتبة صحافية: «كل من يعرفني يعرف أن أبو عبيدة كان أسطورة بالنسبة لي، كنت أنتظره انتظاري للقائد.. ربما هو غريب في ظلّ الاستقطاب الطائفي المتفشي تفشي السرطان في الأمة، أن يكون لدي كل هذه المشاعر الوجدانية التي تعمقت طيلة السنوات مع كل بطولة في فلسطين، ربما سيخرج من يعلق عندي أنتم منافقون.. لكنني الآن لا أنعي قائدًا من قادة المقاومة فحسب، بل أنعي عزيزًا من خلف اللثام».

أيقونة حقيقية عابرةً للجغرافيا

وكتب إسلام بدر، وهو صحافي ومراسل تلفزيوني من غزة: «دائماً ما عبَّر المُلثم عنا بشكل أو بآخر.. في حياته وحتى في شهادته المُفترضة.. وأقول المُفترضة لأن ادعاء الاحتلال وحده لا يكفي ولا يُثبت شيئاً، وهذا ليس من باب الرغائبيات أو العناد إنما مبني على وقائع سابقة ثبت فيها عدم دقة ادعاءات الاحتلال لا مقام الآن لسردها. المهم يا سادة شكَّل هذا الرجل ظاهرةً تتجاوز اسمه وشخصه تتجاوز تنظيمه وحتى تتجاوز فلسطين، فصار أيقونة حقيقية عابرةً للجغرافيا واللغة والأيدلوجيا.. اخترق جبهة العدو حتى !.. ولو قلت أبو عبيدة وسط تل أبيب لعرفه 9 من أصل 10.. كذلك الحال في معظم عواصم العالم بنسبٍ متفاوتة.. صارت كوفيته الحمراء رداء لأحرار العالم كما كان يخاطبهم دائماً».
وأضاف إسلام بدر: «شهادته -المُفترضة- كشفت جوانب أخرى لا تُخطئها العين، أولاً: حجم الاستقطاب «الدنيء» الذي وصل بعدد لا بأس به من ناشطي السوشيال ميديا للشماتة بموته، وعدد من هؤلاء فلسطيني، متناسين قيمة ورمزية الشخصية لفلسطين قبل أن تكون لفصيله وحزبه، ومتغافلين عن أنه امتداد لعبد القادر الحسيني وعز الدين القسام وناجي العلي وأبو جهاد، والمفارقة أنه استلهم جزءاً من رمزيته من أبو عمار، فكيف يمتلك هؤلاء الجرأة على الانسلاخ عن كل ما هو فلسطيني يمثله الملثم، مُستغلين معاناتنا وجوعنا وإبادتنا؟!
ثانياً: منعت المعاناة اللا مسبوقة وأشغلت الناس في غزة وهم النبض الحقيقي للقضية عن الخُزن على فقده! كما بالضبط نودع أصدقاءنا وأهلنا وبالكاد نجد الوقت لكي نرثيهم! لكن ذلك لا ينفي قيمتهم ولا حزننا عليهم».
وانتهى إسلام إلى القول: «فلسطين وغزة حزينة على فقد كل شهيد من شهدائها، والملثم واحد من غزة، لا أحد يدَّعي أنه فوق الشهداء، لكنه منهم وفيهم، ومعه أطفاله وزوجته الذين تأكد استشهادهم، وما يكتبه شرذمةٌ من عديمي الإحساس شماتةً ودناءة إنما يمسُّهم بسوء ولا يمس غزتنا ولا ناسها ولا أبطالها.. من مقاتل في خندق إلى حكيم في مستشفى أو صحافي في ميدان أو بائع أمين في سوق.. هؤلاء غزة بعقلائها ومجانينها.. بغضبهم ورفضهم وتعبهم وإرهاقهم وعنادهم وسخطهم ورضاهم وانبساطهم».
وكتب الإعلامي المصري أحمد منصور: «اليوم خرجت إسرائيل كلها لتعلن مقتل أبوعبيدة الرجل الذي كلما ظهر بث الرعب بصوته في أركانها، وزلزل الأرض من تحت أقدام قادتها، منذ ظهوره بصوته ولثامه أول مرة في العام 2002 وحتى الآن ودولة كاملة بكل الدعم الغربي لها تلاحقه. إعلان إسرائيل مقتل أبوعبيدة اليوم هو إعلان فشلها طيلة ما يقرب من ربع قرن في النيل منه، لا تفرح يا نتنياهو ففلسطين ولادة وغزة مقبرة الصهيونية، وهناك ألف أبوعبيدة في الطريق إليك».
وعلق الأكاديمي الأردني الدكتور علي الطراونة: «أتعتقدون حقاً أنكم خصوم للشهداء؟! أتظن أنك رفعتَ قدركَ حين خاصمت شهيداً؟! والله لقد وضعتَ نفسك في دركٍ أوطأ مما يُتخيل. والله ما مسست غبار نعله بخصومتك. أنتم أدنى وأوضع من أن يحق لكم التقييم، ولكن على الأقل إن لم يُخجلك عجزك وذُّلك أمام بطولته وجهاده، فلتخرسك فظاعة جرائم عدوه وعدوك».
وكتب الإعلامي الفلسطيني محمد حامد العيلة: «كان الظهورٍ الأول لأبي عبيدة ناطقاً باسم الكتائب، وهو في التاسعة عشرة من عمره تقريباً، وواجه إسرائيل بثباتٍ وصبر، وقاد المنظومة الإعلامية للمقاومة، ورفع الله ذكره في العالمين. أمّا بعضنا فيبلغ الأربعين أو الستين من العمر، ولا تقيم له إسرائيل وزناً، ولا تحسب حساباً له ولا لقومه، فما أعجب هذا الزمان، وما أعظم حكمة الله في تصريف الأمور».
يشار إلى أن أبو عبيدة برز لأول مرة عام 2002 كعنصر ميداني، ثم تولى منصب المتحدث الرسمي باسم الحركة بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005، وهو شخصية عسكرية غامضة، لا يُعرف اسمه الحقيقي ولا أي تفاصيل دقيقة عن هويته، ويعود ظهوره العلني الأول إلى عام 2006، حين تلا بياناً عسكرياً للقسام بعد تنفيذ عملية شرق رفح جنوبي قطاع غزة، أسفرت عن أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الذي أُفرج عنه لاحقاً ضمن صفقة تبادل أسرى.
ومنذ ذلك الحين، أصبح أبو عبيدة الواجهة الإعلامية لكتائب القسام، حيث يظهر بزي عسكري مموه ويلف وجهه بكوفية حمراء، محافظاً على أسلوب خطاب موحد عبر تسجيلات مصورة أو صوتية.
يذكر أن الاحتلال الإسرائيلي سبق أن حاول استهداف أبو عبيدة في حروبه المتكررة على قطاع غزة، بدءا من عدوان 2008، وبعد ذلك في 2012 و2014، وصولا إلى معركة طوفان الأقصى.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية