«أبو دياب يتكلم في الأفراح» للسوري خطيب بدلة .. الروح الشعبي للمأساة السورية

حجم الخط
0

إن تكن رواية «أبو دياب يتكلم في الأفراح» الصادرة عام 2019 هي الرواية الأولى للكاتب خطيب بدلة، فإنّ خطيباً لم يكن يوماً إلا راوياً بفطرته، وطبعه، وبما صدر عنه وعرفناه من سرديات قصصية، تنطوي على روح شعبي أصيل مفعم بعبق الحكاية، ومحتشد بما راكمه من ثقافات وتطلعات، وينعكس فيه أيضاً كل ما تلقاه مثقفو جيله من خيبات، بات أخطرها وأعمقها تلك المأساة التي وضعت السوريين بين فكي مقصلة؛ نظام الجريمة، ومدّ أصوليات قروسطية متوحشة، تربّت ونمت تحت رعايته وفي مناخ استبداده، وحقنها الرعاة العرب والدوليون بالسلاح والأيديولوجيا السقيمة.
الروح الشعبي
منذ بداياته قبل نصف قرن، اختط خطيب بدلة لنفسه أسلوباً شعبياً خاصاً، وظلّ ملتزماً به ثابتاً على إنضاجه وبلورته، حتى غدا أهم تجليات شخصيته الأدبية المستقلة، وصارت طريقته في التعبير والتصوير والقص تجريداً لغوياً سردياً، ومعادلاً فكرياً ووجدانياً لثقافة ووجدان مجتمعه الإدلبي الخاص، والسوري بشكل عام، وبهمة الفاتحين ودأبهم جسّر خطيب العلاقةَ المنقطعة بين الأوساط الاجتماعية الشعبية، ونخبوية الأدب، فغدا سفيراً للكلمة المكتوبة والثقافة الليبرالية في المجتمع، وظلّ محافظاً على هذه السمة متفرداً فيها بلا منافسين ولا مزاحمين.
وخطيب المتخفي هنا بثياب راو موضوعي يسرد الأحداث من خارجها، ويلتزم مسارها الزمني الخطي، متنقلاً بمرونة ويسر بين جلسات الحب والجنس، ووقائع التظاهرات، والاعتقال والتعذيب، ليكشف من خلالها بنية النظام الأمني الغارق في الجريمة والفساد، كما يكشف شبكة العلاقات العائلية والاجتماعية، التي بدأت بالتفكك والهرب خارجاً، بفعل التداعي السريع والمتلاحق للأحداث على مدينته إدلب وبيئتها الاجتماعية والجغرافية، باعتبارها تشكل فضاء روائياً، تتقاطع فيه شخوص الرواية الافتراضيون، وأحداثها منذ بداية انطلاق التظاهرات وحتى رحيل الموجة الأولى من رموز الثورة إلى مدينة «الريحانية» التركية، بعد هيمنة الأصوليين الذين انبثقوا من صفوف الأهالي، وصاروا أمراء حرب وضرب، مهوّسين بمظاهر التدين القروسطي، وبهلوسات الشهادة والحوريات.
المأساة
في مبنى الرواية جعل الكاتب من المعلمة المتقاعدة الخمسينية فدوى «أم نذير» وأسرتها بؤرة سردية ومحوراً لحركتين سرديتين، تبداً أولاهما من علاقتها الأسرية الداخلية بأكبر أبنائها، نذير النحات الموهوب، الذي لقبته «أبو دياب» وخصته بمحبتها وعنايتها، وشكل خوفها عليه ومحاولتها تجنيبه الاشتراك في التظاهرات، وملاحقته أثناء اعتقاله، أهم وأخطر كوابيسها، ومصدر قلقها، وظل غيابه محفزاً لحركة عصبية محمومة ومتوترة، ولاسيما بعد أن تكشف لها دوره في تنظيم التظاهرات ورئاسته للتنسيقية، وحين دفعته إلى الأمن العسكري ليأخذ ورقة (تسوية وضع) بعد خروجه من اعتقاله الأول، لكن التسوية عرضته لاعتقال جديد، نظراً لفطنته وجرأته على السخرية من الضابط والأجهزة الأمنية، والنظام بأسلوب ماكر ولسان سليط، يجمع بين الطرافة المحببة، والتهكم المثير لردود فعل انتقامية غاضبة. ثمّ تتوزع هذه الحركة وتنتشر شبكتها باتجاه المجتمع لتشمل الابن الآخر عمار، الذي استغل رئيسُ الفرع إشكالاته مع شريكه في العمل، وحاجته إلى الحماية، فحوله إلى سمسار يعمل بالتنسيق معه في قضايا الاعتقال، واستدراجه إلى دائرة الخدمات الأمنية والمنفعة المتبادلة، وبرز دوره في إخراج أخيه نذير من الاحتجاز، وفي أدوار إشكالية أخرى، بينما شكلت شبهة أخيهما نادر بخيانة زوجته له، تراكماً إضافياً، يشد خيوط اللعبة السردية إلى مرجعية واقعية اجتماعية، ولكن من دون أن تؤثر في مجريات السرد ووقائعه، وكذلك ظلت الأخت يارة وزوجها أنس الثري الوضيع، وأحد شبيحة النظام موضع غضب العائلة ونقمتها حتى بعد انشقاقه. وكان لحادثة خطف فوزية مع السائق وهي في طريقها إلى قرية زوجها لرؤية أولادها، بعدٌ دراماتيكيٌّ أدى إلى احتدام الصراع، وأثار نخوة الأمراء السلفيين، ولا سيما أخو زوجها عبد اللطيف. وفي اجتماع عام، يتخذ المتشددون منحى عنيفاً، ويتمسكون بالحد الأقصى للعنف، بينما تعبر فئة من العقلانيين ومنهم، إبراهيم البربريسي والجار أبو إسماعيل، عن تمسكهم بالتظاهرات السلمية والتغيير الديمقراطي.
يشكل عبور إبراهيم البربريسي من خارج محيط العائلة إلى منزل عشيقته «فدوى» ومجريات علاقتهما العاطفية والجنسية، محوراً لحركة معاكسة، تبدأ من المجتمع خارجاً، وتنتهي إلى فدوى، ليصبح مرجعية لها في قضية اعتقال ابنها، ومن ثمّ منسقاً لقضية خروجهم جميعاً إلى الريحانية التركية، بعد أن تكشفت له نية الجماعات المسلحة بتصفية فدوى بتهمة الزنا، وأبو دياب بتهمة الكفر، وهنا يرتقي هاجس الجنس المسيطر على مخيلة الجار الخمسيني المتقاعد «أبو إسماعيل» ويتحوّل عن مداورته الخائبة لجارته أم نذير، ومن الغيرة من إبراهيم إلى التفاعل الإيجابي والتعاضد معهما في مواجهة الأخطار، التي أحاطت بالجميع، ووضعتهم بين فكي كماشة النظام من جهة، والجماعات التكفيرية من جهة ثانية، في إشارة من الكاتب إلى أن روح الثورة ترتقي بأخلاق الثوار، فتسقط صغائر المنافسات والخصومات، ليجتمعوا على الهدف الأنبل الموحد بينهم، وفي هذا المنحى، يأتي اجتماع كل من عبد الكريم الطحنجي وإبراهيم البربريسي ونذير الدايخة، لتدارك ما قد يعقب اقتحام المسلحين المتطرفين منزلَ أبي دياب، وتكسير تماثيله من عدوان جديد على شخصه وشخص أمه، وفيه يوجه أبو دياب سؤالاً بريئاً مستهجناً، كلام إبراهيم عن الخطر، الذي بات يشكله هؤلاء عليه وعلى أمه وأمثالهما:
– أشو عم تحكي يا أستاذ؟ ليش أنا وأمي أشو عملنا؟ نحن أكثر ناس مشينا مع الثورة!
فيأتيه جواب إبراهيم صادماً: عن أي ثورة عم تحكي؟ اللي لمسناه بإيدنا أن الثورة بالنسبة لهدول ما بتعني شي. بصراحة، إذا بقيت الحالة هيك، الناس بدها تعيد ترتيب أولوياتها. وأنا بالأول.
اللغة الحيّة
وفي منحى التماثل ومراكمة الأحداث وسردها بألسنة شعبية إدلبية، ربما تقصّد الكاتب تعرية ألفاظ الجنس من حشمتها المصطنعة واجتراح مواضعاتها الاجتماعية، معتبراً أنّ بديلها الموارب، ينطوي على أخيلة مريضة هاجسة بالجنس، أكثر من الألفاظ الصريحة الأصيلة التي تواضعت عليها لغة العرب، وغصت بها كتب التراث ولم تستبدلها. كما أنّ كثيراً من أهل البادية ما زالوا يتداولونها على طبيعتها بلا حرج، ولا أدري حقيقة، هل حقق خطيب بدلة بهذا التجرؤ على لغة العرف والعادة، بغيته وأوصل رسالته حين قال للجميع: هذه هي لغتكم الأصيلة لا البديلة وهذه هي وقائع حياتكم ومهما غيرتم بأسمائها وأوصافها، لن تغيروا حقائقها. علماً أنّ وقائع الجنس التي تناسلت وتناسجت في بنية روايته هذه، لتعطي صبغة موضوعية مكملة، لم تذهب إلى تصوير الغلمة والإثارة ولا تفاصيل العملية الجنسية، بل اكتفى السرد غالباً بالإشارة الموجزة إليها، ما يعفي الكاتب من تهمة تقصّد إثارة الغريزة، وبذا يبقى الإشكال في لغته الصريحة وحدها التي دافع الكاتب عنها، من دون إيراد أي مبرر ضروري لاستخدامها، بل اكتفى بتوجيه كلمته إلى وكلاء الحشمة الملتبسة، وحماة التقية والتكاذب، في زمن العهر والفجاجة، وكشف كل ستر، قائلاً بما معناه: من تخدش اللغة الصريحة حشمته فأنصحه بعدم قراءة الرواية!
مآل الثورة
لقد مرر الكاتب نقده ومراجعته السريعة لمرحلة عايشها في مناخ شعبي عفوي، وشبكة علاقات اجتماعية بسيطة، وأجرى أحداثها في مسار زمني موضوعي متصاعد، يتجاوب بمتنه ومبناه مع الطابع التسجيلي للرواية، كما أدخل السياسة والمجتمع في أجواء ومناخات من اللهو والجد والسخرية والتهتك والحب، ولم يتركنا نخرج من الرواية، إلا وقد أحطنا على نحو جلي بظروف الحراك الثوي في جغرافيته الطبيعية، وكل تداعياته، والعوامل التي أثرت فيه وأدت بثواره الحقيقيين إلى الانكفاء، أو الخروج وتسليم المدينة، لطغاة تلبّسوا اسم الدين، وتزيّوا بزيه القروسطي، وما زالوا يشكلون عقبة كأداء أمام عودة المدينة إلى أهلها وحياتها الطبيعية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية