كل المؤشرات تدل على أن ‘إسرائيل’ قد أُعطيت الضوء الأخضر لتقرر للبلدان العربية المحيطة بها المصير الذي تريده هي. ‘إسرائيل’ هي الفاعلة، بل هي صاحبة القرار في المشهد المصري منذ انقلاب 30 يوليو/تموز. كل شيء في مصر الآن ‘إسرائيلي’ صهيوني يهودي بامتياز ويجري وفقاً لرغبة ‘إسرائيل’، ليس فقط الغاز المصري، بل النيل المصري والتراب المصري بكامله وغدا (السيسي) ومن معه عبيداً تأمرهم ‘إسرائيل’. عداءٌ مصري رسمي، على الأقل، مطلق لغزة وإجراءات تعسفية لا تكاد تتوقف لخنق أهلها. عادت ‘إسرائيل’ قوية إلى مصر كما كانت في عهدي مبارك والسادات.
هذه المرة مصر أضعف بكثير إقتصاديا وعسكريا ومنقسمة شعبيا ويقودها جنرال فاشستي قمعي ينفذ ‘لإسرائيل’ ما تطلبه. المهم أن يكــون هو وحده الآمر الناهي في مصر.
وهذا ما كانت ‘إسرائيل’ تتمناه دائماً، أن تكون مصر ضعيفة وفيها حكم موالٍ لها، فهي لمدة سنة تقريبا جربت الحكم المصري الذي أتى عن طريق صناديق الاقتراع فلم يرق لها. فقد دعم غزة في الحرب الصهيونية الأخيرة عليها واستطاعت ‘حماس’ لأول مرة في تاريخ الصراع فرض شروطها على ‘إسرائيل’ وقبلتها ‘إسرائيل ‘على مضض شديد، وفتح الحكم المصري الجديد أبواب رفح ودخلتها وفود عربية تلو أخرى وتنفست غزة الصعداء وبدأ الرئيس الجديد مبكراً يدعو إلى الوقوف إلى جانب غزة وتحرير الأقصى، وكان على ‘إسرائيل’ أن تتحرك في الاتجاه الذي يرضيها هي واستعملت (أبا رغال) المدعو (السيسي) للانقضاض على ثورة 25 يناير/ كانون الثاني وأعانتها حكومات عربية، فالعرب الخيانة في جيناتهم وتكاد تكون جزءاً من تكوينهم النفسي. وفي سوريا ‘إسرائيل’ هي الغائبة الحاضرة بقوة وصاحبة القرار الحقيقي، فهي التي لم ترد ولن تريد أن يضغط ما يسمى بـ(المجتمع الدولي) الذي هو دائما في جيبها في اتجاه فرض حظر طيران على نظام الأسد، لأنه الأصلح لها، لأن البديل حكم ديمقراطي إسلامي سيطالب بتحرير الجولان والجولان بالنسبة ‘لإسرائيل’ خط إستراتيجي مهم لها حربا، ومهم لها سلما، تعتمد على مياه الجولان العذبة لتزويد ‘إسرائيل’ الداخل بها، فالأمن المائي أولوية لها. ولولا أن ‘إسرائيل ‘هي اللاعب الحقيقي سواء من خلال (الإيباك) ومجموعات الضغط الداعم لها في أمريكا وأوروبا وروسيا، أو من خلال حلفائها أنفسهم لتم فرض حظر على طيران الأسد، ولتم وأد النظام منذ زمن. فما العامل الذي عجل بسقوط نظام القذافي؟ حظر الطيران. ولو أن ليبيا تشكل أهمية ‘لإسرائيل’ كنظام الأسد لما سمحت ‘إسرائيل’ بحظر طيران القذافي.
في ميونخ كان التسابق محموما بين الوفد السعودي والإيراني على استلام يد تسيبي ليفني الملطخة بدماء أطفال فلسطين في الحرب الصهيونية نهاية 2008 وبداية 2009، التي هي نفسها أعلنت شنها من القاهرة أمام أبوالغيط وزير خارجية نظام مبارك. وكان التنافس بين الوفد السعودي والإيراني واضحاً، من يمتدح الوزيرة الصهيونية أكثر ليفوز بالأكثر. ولعل الأغرب أو المفاجئ أن رئيس وزراء الحكومة الصهيونية الحالية بنيامين نتنياهو بعث مستشاره لمقابلة محمد دحلان، ربما في الإمارات ليعرض عليه ترتيبات ما بعد محمود عباس. ألم أقل لكم إن ‘إسرائيل’ أعطيت الضوء الأخضر لتقرر مصائر البلدان العربية المحيطة بها، ويحتمل أنها مجرد خطوة لإدارة العالم العربي برمته، وستجد الكثير من آباء الرغالات الذين سيدلونها ويرشدونها كما أرشد أبورغال إبرهة الحبشي إلى طريق مكة ليهدمها.
‘ أستاذ جامعي وكاتب قطري