أبو صبحي الدرّة، عودة الروح

حجم الخط
0

سعاد قطنانيمن الأقدام المتعبة والأرواح المتهالكة يبدأ أبو صبحي مشواره في الصباح… حاملاً حكايات دمشق القديمة بين ثنايا النعنع وأوراق البقدونس… يبدأ يومه من انكسار الحلم وعدم اليقين من الواقع…. من تجاعيد وجهه الذي تشرب بآلام أم جاءت لتبحث عن البقايا في سوق الخضار نحت أيامه، من انحناءة ظهره المحمل بهموم لقمة الخبز التي ركض من أجلها سبعين عاماً وأكثر تعلم الصبر، من عيون تشربت بنظرات شاب مليئة بالعنفوان لكن أحلامه مكسرة، من حارات الشام القديمة وهي تلفظ المستعمر الفرنسي استمد كلماته. بإحساس عاشق لفحه هواء قاسيون وتسربت إلى أعماقه روائح الياسمين فوق الأرصفة القديمة تقدم بثبات. هو أبو صبحي الدرة، ابن الشام، ابن سنديانة عتيقة كبرت على أطراف الغوطة، هو ذلك الصوت القادم من دفء بيت طيني دمشقي قديم، هو الضمير الذي صرخ بعد طول صمت، هو الصوت المكسور على عتبات العمر، هو جدي الذي غطت رأسه كوفية لخصت كبرياء الوطن، هو العكاز المعتق بشجرة زيتون مباركة… يكفي أن اقول هو أبو صبحي الذي تآلف مع روائح المنثورو عطر الياسمين.. حكاية أبو صبحي، هي رحلة في عمق المكان وتفاصيله الحميمة، هي حكاية تلك المرارة التي تسرق الألق من العيون.. ما قلته عن ‘أبو صبحي’ ربما ينطبق على كثير من رجالات الشام لكن ما يميز ‘أبو صبحي’ أنه غنى وأنشد لعلم الاستقلال، أنشد ليوم الجلاء عن فرنسا عندما كان فتى صغيرا…. في ذلك الزمن تمنى أبو صبحي أن يكون بطلاً كبقية أبطال سوريا الذين طردوا المستعمر الفرنسي ذات نهار.. لم تغب عن ذاكرته تلك اللحظة رغم السنوات السبعين وظلت نشوة طرد المستعمر ولحظة النصر هي الباقية. ظلت لحظة الكرامة والبطولة مختبئة بين تفاصيل حياته اليومية، مختبئة بين أصوات الباعة واللهاث وراء لقمة العيش، مختبئة بين وريقات البقدونس وأعواد النعناع، مختبئة في دعاء صلاة الصبح وفي حبات مسبحة قديمة. أبو صبحي ظل مختبئاً مع أحلامه في زاوية على طرف الطريق، كان جزءاً من الشارع، ربما لم يلحظه أحد كشجيرة يابسة في المكان، ربما تجاهله الكثيرون، ربما وربما…. إلى أن جاءت تلك اللحظة التي أشعلت روحه دفقاً بالكلمات والأشعار، أشعلت نيران حلم طواه الزمن أكثر من سبعين عاماً. أبو صبحي لم يكن صغيراً وطائشاً وليس كبيراً فقط بل إنه طاعن في السن والخبرة. هو عجوز عركته الحياة بتجاربها ولكن وبرغم ذلك لم يختبئ وراء العقلانية وحكمة الشيوخ كي يبرر خوفه، لم يستتر وراء شعارات المقاومة وهو المجبول بتراب هذه الأرض كي يبرر سكوته عن الدم المستباح على التراب السوري من درعا جنوباً إلى القامشلي ودير الزور شمالاً، التحم بالمتظاهرين وغنى وهلل للثورة وصرخ: ‘يا فتية الشام في العلياء ثورتكم وما يضيع مع العلياء مجهود.’ خرج ذلك الصوت بعد زمن ظن فيه ابو صبحي أن صوته لم يعد صالحاً إلا للمناداة على ضمم البقدونس والكزبرة والنعناع البلدي، خرج ذلك الصوت أخيرا وتغلغل في كل خلية من خلايا جسده، أعاده طفلا، شابا، بطلا، فأصبح مشاركاً في المظاهرات اليومية في مدينة دوما، قدماه أصبحتا أكثر قوة، صوته أصبح أعلى ورجولته اكتملت، أحس بذاته وإنسانيته، أعاده ذلك الصوت إلى الغوطة، إلى حسن الخراط، إلى إبراهيم هنانو وإلى صالح العلي.

لم يصدق أبو صبحي أنه عاش إلى هذه اللحظة التي يعلو صوته فيها بدون خوف وأصبح قادرا على القول: ‘الموت ولا المذلة’. فرحته أنسته أن الموت مازال يتربص بكل نغمة حرية، أنسته أن الموت مازال يتربص بثمانيني استطاع أخيراً أن يغني للفرح.. للمستقبل… لمدى يمتد فيه الصوت ولا ينتهي… لغد تصبح فيه الكرامة عنواناً للإنسان… صرخ أبو صبحي بحثاً عن حياة تدب في الموات… عن حياة لا تتجرأ الخفافيش فيها فتخطف كسرة الخبز من بين يديه. كعادته جمع أبو صبحي حاجياته وامتشق عكازته القديمة وتمترس خلف جرز البقدونس الخضراء، منتشياً بنسغ الحياة التي هبت في جسده هذه الأيام، مسترجعا معنى الرجولة في أن تحرس ابواب الشام، مسترجعا عشق الطفولة على أرصفة دمشق الضيقة، مسترجعاً ذلك الصوت الذي خبأه وراء المناداة على البقدونس لعشرات السنين، خوفا من أحذية العسكر ونظرات المخبرين.. ارتفعت أصوات الطلقات وازداد صوت الدبابات اقتراباً، ومازال أبو صبحي متمترسا وراء نعناعه البلدي يحرس حلمه بأغنية قديمة عن الحب والحياة، ازداد صوت الطلقات ارتفاعا، أصبحت الدبابات أمامه تماما، القناصة في المكان ينشرون الموت والخوف في الحارات الضيقة، وأبو صبحي يدعو إلى الله: يا الله فك كربنا يا الله، يا الله مالنا غيرك يا الله. رائحة الموت تقترب لكن ابو صبحي لم يهرب لأنه كان مقتنعاً أن الهروب هو ضياع للحلم الذي طارده سبعين عاماً. بقي مكانه مسورا بالنعناع البلدي والبقدونس والكزبرة إلى أن جاءته تلك الطلقة لتنثر دمه على اخضرار الربيع في ‘بسطته ‘ الصغيرة. على ناصية الشارع مات أبوصبحي ولون الخبز في محياه، مات أبو صبحي في لحظة اختلطت فيها الأماكن والذكريات، اختلط فيها الرمز بالواقع ليشكل وحدة واحدة هي حكاية دمشق، هي حكاية المقهورين في المدن الصغيرة والكبيرة.

أبو صبحي تمنى عندما كان صبياً صغيراً أن يحمل علم استقلال سوريا عن الاحتلال الفرنسي ويدور به، يدور ويدور مهللا لساعة النصر، اليوم وبعد أكثر من سبعين عاماً سقط ابو صبحي ليحمله علم الاستقلال، ولتدور به الجموع معلنة أن حلم ‘ابو صبحي’ أصبح حقيقية. ودارت به الجموع دارت ودارات مهللة للشهيد ‘أبو صبحي’ الذي اصبح بطلا في الثمانين من عمره… بكاه الياسمين… ونعاه النعناع والحائط القديم الذي بقي يحرس ‘بسطته’ الصغيرة على ناصية الشارع في دوما.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية