أبو عبد الله الحجل

حجم الخط
0

أبو عبد الله الحجل

رشاد أبوشاورأبو عبد الله الحجليمشي علي رؤوس أصابعه، سواء أكان ينتعل صندلاً في الصيف، أو حذاءً ثقيلاً في الشتاء… هو من إحدي قري رام الله. مرّةً يدّعي انه من (بيت ريما )، ومرّةً يقول بأنه من (دير غسّانة)، ومرّةً من (ابوجخيدم)، وهو في كل حال كما يرد متبرّماً علي إلحاح سائله: من دنيا الله يا أخي، فّك عنّي وخلّصني من السؤال عن أصلي وفصلي. أنا أصلي وفصلي هذا، أرغولي، ثمّ ينفخ في قصبتي الأرغول مدلّلاً علي قوله…يعيش أبوعبد الله علي كرم الأجاويد، فهو لا يفاصل علي إحياء ليالي الأعراس. أبوعبد الله لا حرفة له، فهو لا يزرع أرض أبيه التي أورثه إيّاها. لم يشاهد زارعاً أو حاصداً.هو علي باب الله، يزهو في الصيف مع موسم الحصاد والأعراس، وعيشته مستورة فهو لا يتذمّر، ولا يطلب فوق ما يجود به الخيّرون لقاء إحيائه ليالي الأفراح التي يشيع فيها البهجة بأرغوله.طويل القامة، عريض المنكبين، رأسه ضخم، يبدو مدوّراً عندما يخلع كوفيته. لغداه ينتفخان بالهواء حين يبدأ العزف، ووجهه يتكوّر ويحمر حتي يصير كالشمندرة الحمراء.يردّد مع بدء السهرة مستفزاً حميّة الدبيّكة: ـ أنا أدوّخ الدبيّكة الشباب ولا أتعب…عند انعقاد حلقة الدبكة يحمّي بأنغام مديدة كأنما ينادي علي ناس بعيدين، يريدهم أن يسمعوا، ويهرعوا للسهر والانبساط، بالأنغام التي ترقّص الحجر، كما يردّد محبّوه إعجاباً وثناءً علي عزفه.يندمج مع المغنّي الذي يدور حوله، والدبيّكة الذين يكرجون بطيئاً، ثمّ يتحمسون فيطيرون عالياً مستجيبين للويح يتقافز بخفّة الحمامة، يرعّش جسده كلّه كأن به مسّاً، وهو يدوّر منديله الخرزي وقد أمسك به برشاقة بين الشاهد والإبهام، في تناغم بين الجسد الليّن والمنديل المرفرف.ما أن أطّل أبوعبد الله الحجل، ولحظته قريبات العريس، حتي لعلعت الزغاريد، وانتشرت البهجة، فالعرس سيبدأ في هذه الليلة الصيفيّة المقمرة، في (العبيدية) التي يفصلها عن القدس وادي النار…من يقف علي طرف البلدة يخيّل إليه أنه يستطيع ملامسة قبّة الصخرة، فالقبّة والقرية علي مستوي واحد، والنظرة الأفقيّة تبدي المسافة قريبةً عكس الطريق المتعرّج الخطر في الوادي…مدّ الفراش وتجعّص الضيوف وأقارب العريس من كبار السّن، وقد جعلوا وجوههم صوب قبّة الصخرة وسور القدس وبيوتها، ثمّ صلوا العشاء جماعة، ومن بعد دارت أكواب الشاي المطيّب بالقرفة، في حين تحرقص الشباب متلهفين علي بدء السهرة…قال اللويح خليل الورد مخاطباً الحجل: ـ الليلة للفجر علي نفس واحد يا عجوز…أخرج أبوعبد الله أرغوله، ونفخ أنغاماً قصيرة، مدوزناً نفسه وأرغوله، ثمّ أخرج مبسمي الأرغول من فمه: ـ الليلة للصبح يا ولد !..أنا الحجل، لقبّوني الحجل لأني أكرج كرجاً. أنا دوّخت أباك شيخ الدبيكة قبلك… ـ ما دام هيك: فللفجر يا عم حجل، علي نفس واحد بدون توقّف، لا لأرغولك ولا للدبيّكة… ـ للفجر، وإذا لم أغلبكم فأنا لست الحجل. ـ إذا تعبت قبلنا تعلن انك مغلوب، وتقر بأنك صرت عجوزاً، وإن… ـ لا تكمل يا ولد.. سأغلبكم. الليلة سيعرف الناس من الذي قلبه وصدره ما زال شباباً… ـ وإن غلبناك؟ ـ لا آخذ أجرتي علي هذه الليلة، أو أقول لك: آخذها وأطعمكم بها كنافة بكرة في القدس…اصطف الدبيّكة علي شكل الهلال.اللويح يطيّر المنديل الخرزي وهو يربت بقدمه علي الأرض، مع هز كتفيه في أعلي وأسفل، وصوت منغّم من بين أسنانه: إس سس سسس…ارتفع صوت المغنّي الذي بدأ الدوران حول الحجل واضعاً راحة يده اليمني حول أذنه اليمني، منغّماً صوته الصادح:يا ام الشليش ويام الشليشيجننتي المشايخ والدراويشي تحرم علي بعدك العيشي جرحتي قليبي وانا ازغنونا هزّ اللويح منكبيه، وارتفع صوته: ـ هاه..يلاّ..اطلع…وفجّت الزغاريد، فسهرة الليلة بدأت…مهما قلتلك يا نفسي توبيقلتيلي ما أقدر أنسي محبوبي أصبر عالجفا صبر أيوبي حتي الحبايب يعاودونا ارتفعت أصوات الدبيكة منتشية بالغناء وأنغام الأرغول:الله الله الله الله ـ يلاّ، اطلع… ويلاّ اطلع من اللويح تعني:طيروا، حلّقوا عالياً يا شباب… وطارت الأقدام عن الأرض، وبدن الحجل وأنغامه امتزجت، جنّت، صعدت من الأرض إلي الفضاء، تداخلت مع ضوء القمر المكتمل الذي يذوب نوراً يملأ السماء. رائحة الشاي بالقرفة، وعطر القرنفل الذي يفحفح من أجساد قريبات وجارات العريس، والبنات اللواتي جملتهن أمهاتهن ليعرضنهن الليلة أمام أمهات عندهن عرسان، أفعمت الجّو وأنعشته…الحجل يحني هامته، يدوّر جسده كالدرويش، تخفق أصابعه الرشيقة علي ثقوب القصبتين، بخبرة وألفة عمر تعود إلي خمسين سنة، بدأها وهو في العاشرة، برعاية (أبو الليل) شيخ عازفي الأرغول في منطقة (رام الله).يدور الحجل مع الدبيّكة، يدوّر رأسه مع الأنغام، وقصبتا الأرغول تتجهان بفوهتيهما إلي الأعلي كأنما يشرب بهما ذوب نور القمر. يدوّر القصبتين كأنما يدوخ مع الأنغام، يرقّص كتفيه، يهز خصره بلطف، يموّج رأسه، يصير في حالة وجد ونشوة وقد تخفف من عبء الجسد، ثمّ يعود إلي الأرض، فيرسل نظرات يمّر بها علي وجوه الدبيّكة، كأنما يتوعدهم متحدياً بود يستفز حميّتهم: الليلة ليلتي وسترون…الحجل يتلاعب بالدبيكة، من (الدلعونا) إلي الطيّارة (المجنونة) إلي (الشماليّة)، يهدّيء، ويسرّع أنغامه، والشباب مع انطواء ساعات الليل، يأخذ منهم التعب ببطء، ولكنهم يستمرّون بفرح عنيد، بينما المغنّي يدور حول الحجل، مهيّجاً الدبيّكة، ومستحثّاً النسوة أن لا يبخلن بزغاريدهن التي تبعث الحميّة وروح التنافس:نزل عالدبكة اللويح الشاطر يا لوحة إيده تشرح الخاطرواللويح يستجيب لمديح المغني، فيخفق منديله فوق رأسه، وتهتز عضلاته الناضحة عرقاً غزيراً يبلل قمبازه الروزا الأبيض، قمباز ليالي الأفراح وحلقات الدبكة…وهنت الزغاريد، وفرد العجائز عباءاتهم علي أجساد لفحتها نسائم آخر الليل، والقمر مال مبحراً في سماء شاحبة خفيفة.ارتفع صوت أحد الوجهاء: ـ أتعبتم الحجل يا شباب..خذوا نفس، ارتاحوا…لكن الحجل استدار صوب الصوت، وأخذ يحرّك قصبتي أرغوله إلي الأعلي، ويرفع حاجبيه علامة الرفض، أمّا الدبيّكة فلم يجيبوا، وتبادلوا النظر مع اللويح الذي أمعن في ترعيش جسده كأنما يقول: نحن شباب وأجسادنا لا ينال منها التعب…أمال المغنّي رأسه وهمس في أذن الحجل، ولكن الحجل هزّ رأسه وأدار له ظهره، فوقف المغني حائراً، وأرسل نظراته إلي عيني اللويح الذي هزّ منكبيه، وكأنما يقول له: اقنع صاحبك أن يتوقف عن العزف… من بوابة بيت العريس انسربت النسوة فالفجر اقترب، بعد أن غنين وزغردن وتبادلن الثناء علي بناتهن العرايس اللواتي ينتظرن عرساناً من شباب القرية أو القري المجاورة من قري عرب (السواحرة). رفع الشيخ يوسف آذان الفجر، فنهض الرجال ليتجهوا للمسجد لأداء الصلاة جماعةً.باغت الحجل الدبيّكة بنغمات (الطيّارة) المجنونة، فارتبك اللويح والشباب، بسبب الاذان، ولأن الوهن دبّ في عضلاتهم، والنعاس أخذ يثقل أجفانهم…ارتفع صوت من بين الرجال الذين نهضوا وتحلّقوا حول الدبيّكة: ـ حرام..يكفي..ألا تسمعون آذان الفجر..وقت لفرحك ووقت لربّك..يكفي..والعقبي للعزّابيّة..ويخلف عليك يا حجل…انفض الدبيّكة، ونفخ الحجل قليلاً في أرغوله، ثمّ أخرج المبسمين من القصبتين، ونفخ فيهما حتي ينظفهما من اللعاب…سأله أحد العجائز: ـ ألا تصلّي يا حجل؟! ـ طبعاً أصلّي..كيف لا أصلّي ؟! أنا أحّب الصلاة في الهواء الطلق، أرتاح لملامسة جبيني للتراب، حتي بت أميّز الفرق بين روائح أراضي قرانا، ونكهات أزهارها وأشجارها وثمارها لكثرة صلاتي وركوعي عليها.سألحق بكم إلي المسجد بعد أن آخذ نفساً ينعش رئتي…تمدد الحجل علي الفراش، وأسند رأسه إلي وسادتين وضعهما فوق بعضهما، ولف كوفيته علي رأسه ووجهه، ونام بعمق، بعمق شديد، حتي ان الشمس صارت عاليةً في السماء، بينما هو نائم تماماً، نائم بلا نفس، ولا حركة، وارغوله ممدد علي صدره، كأنما ينام بعمق لصق قلب ورئتي صاحبه، بعد رفقة عمر طويلة… QSR0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية