“أبو عرب” يرحل في الناصرة تاركا إرثا لا يُنسى وعقيدة راسخة بالعودة إلى فلسطينه الصغرى.. صفورية

وديع عواودة
حجم الخط
3

الناصرة – “القدس العربي”:

شيع في مدينة الناصرة الناشط الأهلي الفلسطيني داخل أراضي 48 أمين محمد علي المكنى أبو عرب (87) شقيق الأديب البارز الراحل طه محمد علي ودفن في مقبرة تطل على قريته المهجرة صفورية التي شرد منها خلال النكبة وبقيت تسكنه حتى رحل. وتوفي أبو عرب في منتصف رمضان الجاري وهو اليوم ذاته الذي رحلت فيه والدته قبل أعوام وشقيقه فيصل قبل عام وكذلك هو رحل في ذكرى تهجير محبوبته الأولى بلدته صفورية.

وبقي الراحل يتنفس صفورية التي تسكن وجدانه ويسري الحنين لها في عروقه لا تبرح أذنه زقزقات عصافيرها وهدير مياه قسطلها الغزيرة وآذان مسجدها مثلما علقت في مخياله صور بساتينها التي تبدو واحدة من جنان الله على الأرض. وكان يحاول إطفاء هذا الشوق لها في زيارات متتالية لها “لكنني كنت أعود منها أشد عطشا”. وعن ملامح صفورية المتميزة بثراء آثارها التاريخية من كافة الحقب وازدهارها دأب على القول: “هذه ليست نظرة رومانسي بل حقائق”.

عدت صفورية نحو سبعة آلاف نسمة وامتلك نحو 120 ألف دونم منها 50 ألف كروم زيتون وآلاف دونمات أخرى من البساتين خاصة الرمان ومزارع الخضراوات والقثاء. “كانت مكتفية بل تزود الناصرة وحيفا بالخضراوات وبعض الفواكه. ويدلل على ثرائها بالإشارة لوجود شركتي مواصلات كبيرتين فيها إحداهما شركة باصات العفيفي لمؤسسها الراحل صالح أحمد العفيفي الموجودة حتى اليوم”. ويتابع في هذا المضمار: “في 1942 خرج من صفورية 95 شخصا لأداء فريضة الحج والعمرة ووقتها كانت تكلفة الرحلة الواحدة نحو 100 ليرة فلسطينية وهذا مبلغ كبير جدا مما يعكس حالة الرخاء في البلدة اقتصاديا واجتماعيا”.

شيوخ الأزهر

في شهادته الشفوية استذكر الراحل أبو عرب زيارة صفورية عدد كبير من مشايخ الأزهر من مصر والإقامة فيها لفترات معينة خاصة في رمضان لتعليم الدين الإسلامي مستغلين وجود عدد كبير من المتعلمين فيها إذ بنيت في البلدة قبل نكبتها مدرسة للبنين ومدرسة للبنات”.

ناضل أبو عرب من أجل حقوق اللاجئين والمهجرين وجمع التراث الفلسطيني

وقبيل رحيله كرمته الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. يقول مدير المدرسة الثانوية البلدية في الناصرة فيصل طه وهو الآخر مهجر من صفورية إن الراحل ظل حتى الرمق الأخير يسكن صفورية وتسكنه، سكنها وعاشها طفلا، عشق هواءها، ماءها، ترابها، بنيانها، ناسها، وكل ما عليها من حياة، سكنته ولم تبرحه، لم تبرحه عنها برهة شاردة، ولا غفوة ناعمة، هو يقظ كالغزال، يقظته دوما حاضرة لا تغيب، تحاصر النسيان، وتحرس الذاكرة. ما زال أبو عرب هناك، يأتينا بصفورية الى هنا، يأتي حاراتها، رحاب الدار، يراوحها جيئة وعودة، قافزا بين الأزمان، وحدود المكان، وقاهرا النكبة وجراح المرحلة”. ويضيف المربي فيصل طه عن الراحل: “أمين محمد علي كان يخفي بريق دمعته، ويبدي بسمته الساخرة المنبئة بغد أفضل، تجده دوما متوقدا، لا يعرف السكينة والهدوء، حاضرا لا ينام، وتخاله غافيا على وسادة غائرة في حضن صفورية، ينهض من هذا الغياب الآني ليخترق حضوره الرابض على بيادر البلد، وليعود  شغفا الى رحاب الصبا، ثم  يعود الى حاضره يلامس أكواز الصبر والرمان، ويمازح صورته المنعكسة عن صفاء عين ماء القسطل، ثم يعلو أطلال القلعة التاريخية يجمع التراب الزكي من البساتين، يعلبه مسكا هدية لأهلها الناظرين خلف الوطن”.

محمد بركة

ورثاه رئيس لجنة المتابعة العليا داخل أراضي 48 محمد بركة، الذي هو الآخر ابن عائلة مهجرة من صفورية، بمنشور جاء فيه “رحل عن هذه الدنيا المناضل والشخصية الوطنية والاجتماعية والعم والصديق، ابن صفورية البار أمين محمد علي، أبو عرب. كان من مؤسسي جبهة الناصرة الديمقراطية ونائب رئيس بلدية الناصرة مع القائد الراحل توفيق زياد، ومن مؤسسي لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين ورئيسها ورئيس جمعية التراث والعودة إلى صفورية، والقائم على مسيرة العودة الأولى في الذكرى الخمسين للنكبة (في العام 1998) الى قرية صفورية. أبو عرب كان مسكونا بفلسطينه الصغرى، صفورية، وكان متحيزا لقضية شعبه انحيازا صارما لا لبس فيه ولا لحن، وأقام في محيط منزله متحفا خاصا به يضم أدوات تراثية فلسطينية كي يحفظها من الاندثار. أبو عرب، أمين محمد علي، كان أمينا على الذاكرة وعلى الحق الفلسطيني وعلى قسطل صفورية وأحب الناصرة وخدمها كما أحبته الناصرة التي انتقل اليها بعد النكبة وعاش وعمل وفارق الحياة فيها”.

مواعيد قاسية

وفي شهادة رواها قبل رحيله لـ “القدس العربي” قال أبو عرب قبل عامين “في السادس عشر من يوليو/تموز 1948 وفي الخامس عشر من رمضان ومع ارتفاع صوت الآذان قصفت طائرة إسرائيلية البلدة فيما كان أهاليها الذين عدوا نحو سبعة آلاف نسمة متحلقين حول موائد الإفطار. وأفزع دوي الانفجارات المروعة الأهالي فنهضوا مذعورين دون تناول طعام الإفطار وشرد عدد هائل منهم للشوارع والكروم بحثا عن النجاة”. وتابع أبو عرب وهو يستعيد طفولته المصعوقة عندما نزح مشيا وهو طفل في الثالثة عشرة من عمره مع عائلته وسائر أهالي بلدته “بدأ القصف واشتد أكثر طيلة الليل وفي النهار التالي استكمل الجيش الإسرائيلي احتلال البلدة فنزح معظم سكانها وسحب الدخان وأصوات الانفجارات كانت خلف المهجرين السائرين وهم يسيرون للشمال. وصلنا بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان ومكثنا فيها 28 يوما ثم حملونا بالباصات الى بيروت ومنها إلى منطقة البقاع اللبنانية.

في قرعون التي دامت الإقامة فيها نحو ثلاثة شهور توفيت شقيقة الراحل غزالة وهي في ريعان شبابها بعدما مرضت بالسحايا وكانت أصغر منه. ويستذكر أن السلطات اللبنانية منعت دفن جثمان شقيقته غزالة ريثما يأتي طبيب من بيروت لكن والده أصر على دفنها من باب إكرام الميت دفنه. ويضيف: “كنا نفتقد والدتي وعندما نبحث عنها نجدها ممددة في جوار قبر غزالة في مقبرة قرعون. بعد ثلاثة شهور قال والدي: إن بقينا هنا سنصاب بالجنون فإما الذهاب الى بيروت أو العودة الى فلسطين فعدنا ليلا ومكثنا ستة شهور بدون بطاقات هوية وأقمنا في الناصرة. يشار الى أن شقيق أبو عرب الأديب طه محمد علي كان قد كتب عن مأساة غزالة، وبادر الفنان عامر حليحل لترجمتها للغة المسرح في مسرحية “طه” وقدمها عشرات المرات في البلاد والعالم بالعربية والانكليزية.

في الناصرة فتح الراحل أمين محمد علي طه دكان سوفنير ومكتبة في سوق الحدادين داخل سوق الناصرة فكانت منتدى للناشطين والكتاب والصحافيين والأصدقاء وكان أحيانا يترك الدكان مفتوحا ويرافق وفدا أو شخصا يبحث عن موقع أو عنوان ما فيترك عمله ويرافقه وعندما يسأله أصدقاؤه كيف يترك الدكان مفتوحا كان يقول متوددا: “ليتهم يسرقون الكتب، فمن جهتي أسامح كل من سرق كتابا ليقرأ”. وما لبث أن ساهم الراحل في تأسيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة في مدينة الناصرة مندوبا عن لجنة الحرفيين والتجار وما لبث أن انتخب نائبا لرئيس بلدية الناصرة الشاعر توفيق زياد في ثمانينيات القرن الماضي.

لجنة الدفاع عن المهجرين

كان أبو عرب من مؤسسي لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين في إسرائيل (المهجرون يشكلون نحو ثلث فلسطينيي الداخل) بعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 وكان من أركانها ومن المشرفين على فعالياتها خاصة المركزية منها وهي مسيرة العودة السنوية بدءا من 1994. وطيلة مسيرته كان أبو عرب يؤكد أن حق العودة هو مربط الفرس ولب القضية الفلسطينية. ويضيف: “أشعر أن وجودي في الناصرة مؤقت ريثما أعود الى صفورية وإن لم يكن على زمني فعلى زمن أولادي أو أحفادي فالعودة حتمية وتكفلها الشرائع السماوية والقوانين الدولية ومنطق التاريخ”. كما دأب على التأكيد أنه لا يوجد مستقبل للعقلية الصهيونية في هذه المنطقة. ويتابع: “نحن لا نناضل ضد اليهود بل من أجل العيش معهم ولكن بدون الصهيونية. وقبلها كنا نعيش بشراكة ومحبة معهم. الصهيونية تحمل بذور الفناء وحتما سيتحقق سلام حقيقي وهو يبدأ بعودة اللاجئين والمهجرين وكل إنسان يستعيد حقه”.

جمعية تراث صفورية

وضمن مساهماته في إبقاء جذوة الحلم بالعودة الى صفورية مهما طال الزمان أقام أبو عرب قبل سنوات جمعية تراث صفورية وحوّل بعض أقسام منزله في الناصرة المجاورة لمسقط رأسه متحفا تراثيا تثقيفيا شاملا يوثق صفورية العامرة قبل النكبة، فيه عشرات أواني الإنارة الفلولكورية وعشرات الأواني الفخارية والنحاسية وكرسي حلاق صفورية وسرير النوم الخشبي للأطفال عمره 100 عام وقد كانت تستخدمه والدته في تربية أولادها، إضافة الى ماكنة الخياطة الخاصة بها، مهابيج القهوة والأدوات الزراعية والأدوات المنزلية في البيت الفلسطيني عشرات المفاتيح الحديدية لبيوت صفورية.

 شيّع أبو عرب من بيته الى جامع عمر في حي الصفافرة في الناصرة ومن ثم الى مثواه الاخير في المقبرة الجديدة المطلة على مسقط رأسه صفورية التي ولد فيها عام 1935 وحرمته منها إسرائيل لكن العودة لها بالنسبة له حتمية بحكم منطق التاريخ ولأن الصهيونية عشبة ضارة غريبة في المكان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية