أبيض وأسود
محمد غرناطأبيض وأسودتوقفت عند عبارة عش نهار.. تسمع خبار وطويت الجريدة. رفعت رأسي ببطء ورأيت رجلا يتأبط صندوقا خشبيا صغيرا. عيناه تلمعان بحدة كعيني ذئب جائع. قال بصوت قوي سريع تسيري.. تسيري آالشاف.. ، حركت رأسي بالنفي وفتحت الجريدة. دق علي صندوقه دقات متتالية خفيفة. تجاهلته، لكنه ألح بصورة جعلتني أنتفض و أصرخ في وجهه ناهرا. لم يعبأ وكرر قائلا: تسيري.. تسيري آالشاف.. ربعة.. عشرة.. درهم… اللي كان.. تعاون معانا.. . تنفست بعمق ومددت قدمي اليمني. لم أكن راغبا ومع ذلك فعلت. أحيانا كثيرة أقوم بأشياء لا أرغب فيها.. من يجبرني علي ذلك؟ تساءلت وأنا أراه يدفع شعره الطويل عن جبهته، ثم يقعي علي ركبتيه ويفتح صندوقه. أخرج أدواته وألقي بها أمامه علي الأرض وراح يلمع حذائي ويتحدث بصوت خافت: الزمان. تفو. لكن ما كاين بأس. كل نهار ورزقه.. ربعة.. عشرة .. عشرين.. اللي جاب الله… هل كان يحدثني أم يتحدث مع نفسه؟ لم أسأله، لكنه رفع بصره إلي وقال متنهدا: القراية ما جابش الله .. الخدمة والو.. وحتي اللي قراو آش قضاو؟ هل أجيبه؟ رنا إلي باسما وسألني: ياك آ الشاف؟ لم ينتظر ردي . حني رأسه وضرب علي صندوقه بخفة. سحبت قدمي اليمني بهدوء ووضعت مكانها قدمي اليسري. حرك كتفيه وجعل يمسح علي الحذاء ويتحدث: واحد عطاتو.. وواحد زواتو.. لكن ما كاين باس.. وصمت قليلا، ثم سألني:ـ أنت مثقف آ الشاف؟قلت له:ـ ماذا تعني ؟قال:ـ أي تعرف القراءة والكتابة وما إلي ذلك. يبدو أنك تفهم هذه الأمور، إنما، هل تفهم في السينما شيئا؟أجبته في تردد:ـ أمور قليلة.قال باعتزاز:ـ أنا أشاهد الأفلام بكثرة. أحب السينما حبا لا حدود له. ابتسمت قائلا:ـ هذا ما يظهر عليك. وجهك، ملابسك، حركاتك، كلامك.. كل شيء، سبحان الله.ـ لا تكذب علي. ربما لم تصدق أنني ماسح أحذية. ـ لا يهم. ولكن هذه هي الحقيقة.ـ أتمني ألا أخيب ظنك.جمع أدواته في صندوقه الصغير واستوي واقفا أمامي ينتظر أجره. كان فعلا كما لو أنه يؤدي دورا في شريط أو يتدرب عليه . هل أمنحه أجر ممثل أم ماسح أحذية؟ سألته ضاحكا، فرد علي بنبرة مازحة: هما معا. وسألته كم يتقاضي كل منهما، فقال بدون تفكير:ـ ما يتقاضاه الكاتب تماما. لاشك أنك كاتب.قلت ضاحكا:ـ أظن.ـ ماذا تكتب؟لم أجبه، فقال:ـ الظاهر أنك تكتب في السياسة.لم ينتظر ردي. حول وجهه عني وأدخل يده في جيب سرواله. أخرج علبة صغيرة بحجم علبة عود ثقاب فتحها وطلب مني أن أتناول واحدة. حلوي علي شكل حبيبات ملونة مدورة مرصعة بندف بيضاء كالثلج. سألته إن كان يعرضها للبيع فبدا غير راض ولبث يتأملني وأنا صامت حائر. بدأت أرتاب في أمره. نفضت رأسي ودفعت يدي بعيدا في جيبي. سحبت درهمين وضعتهما في كفه السمراء فشكرني واختفي من أمامي كالبرق. كنت أريد أن أراقبه لأتأكد وهو يغادرني، لكنه اختفي، نعم، اختفي كالبرق.لم أبرح مكاني. حنيت بصري لأتابع قراءة الجريدة. جاءني من فوق رأسي صوت قوي يقول: مارلبورو.. ونسطون.. ماركيز.. رفعت رأسي وأخذت أفحص وجه رجل في نفس قامة الأول. بدت لي الملامح واحدة، لكن اللون مختلف. طلاء أسود، خفيف السواد لم يحجب عني تقاسيم وجه الرجل الأول. هل يشبهه أم هو نفسه مضي كالبرق وعاد كالبرق. أم هو أسرع؟ إنه الآن أبيض وأسود. تحول أمامي فجأة إلي ممثل حقيقي. طلبت منه سيجارة مارلبورو. سحبها بخفة ومدها لي في حركة مثيرة. هذه المرة تبدو ملامحه منقبضة وفي نظراته صرامة جندي متقاعد. كان علي رأسه طاقية بالية. قلت له إنها لا تتلاءم مع سنه فرد علي بسرعة:ـ بالعكس. إنها تتلاءم مع ممثل يتقن أداء دوره. لو لم تكن كاتبا سياسيا لفهمت. لكن إذا أوليت السينما بعض الاهتمام ستفهم بسرعة هذه الأمور.تضاعف استغرابي وأنا أقول:ـ هل أنت أيضا تحب السينما؟مكث يتفرس في وجهي وأنا أضيف:ـ وتعرف أني..قاطعني:ـ إن الخبز لا يرحم أحدا. أليس كذلك آ الشاف؟طلبت منه سيجارة أخري فأرسل قهقهة عالية طويلة. حذرته بحركة من حاجبي فهز كتفيه بتهكم ونقر بسبابته علي الطاولة طالبا مني النقود. نفحته قطعا معدنية صفراء وألقاها في جيبه دون أن يعدها. هل صرنا أصدقاء نثق في بعضنا؟ ربما. قلت له قبل أن يدير وجهه إنني هنا إذا رغب في لقائي. جمدت عيناه علي وجهي لحظات ثم اختفي. وفي لمح البصر عاد وعلي عينيه نظارة سوداء خلعها بمجرد ما أخذ مكانه بجانبي علي الطاولة. رددت في نفسي: يا حفيظ.. يا ستار.. وأنا أسمعه يقول: استر ما استر الله.. هذا حال الدنيا.. الله يعفو.. هذه لعبة .. لعبة كاش كاش.. هل كان يحدثني أم يتحدث مع نفسه؟ قدم لي سيجارة من علبته الخاصة وراح يتأملني. قلت له بصدق (وأنا في الحقيقة لا أعرف من أخاطب):ـ لو أنك اشتغلت في التمثيل لكنت ممثلا ناجحا. أنت حقا تتوفر علي ما هو مطلوب في هذا الميدان. لقد بدأت أحب السينما منذ تعرفت عليك.كانت عيناه ثابتتين علي وجهي:ـ جميل..ورفع بصره وأخذ يتكلم مثل مخبول: كل نهار ورزقه.. الخبز .. الزمان لا يرحم أحدا.. من قهوة لقهوة.. من بار لبار.. ما كاين باس.. تقلصت ملامحه فجأة وقرب وجهه من وجهي وقال:ـ يظهر لي أنك لست رجل سياسة.هل فقد الثقة في ؟ سألته فأجاب:ـ لا .. أبدا..وأضاف بصوت مهموس:ـ آجي المعقول.. لقد بذلت جهدي لارضائك. انك إنسان طيب آ الشاف. من هذه المقهي ستجول كل أنحاء العالم. وتكتب في السياسة والشعر والمسرح والسينما وفي كل ما تريد وما لا تريد.انتفضت بقوة. أحسست بارتجاج في جوفي. اختفي الوجه الذي أمامي وطلع الوجه الذي رأيته من قبل. كيف اختلط الأبيض بالأسود؟ أعفيت نفسي من التفكير واعتبرتهما رجلا واحدا. أقنعت نفسي بذلك وصمتّ. دسّ الرجل يده اليمني في جيب معطفه وأخرج منه قطعة حشيش صغيرة ملساء. تساءلت باندهاش:ـ ما هذا؟ـ مفتاح الراحة والحب والخيال.ـ هل أنت مجنون ؟ أنا لم أطلب منك حشيشا.ـ أعذرني. حسبت أنك طلبت مني ذلك.كنت مبهورا، حائرا، مترددا، ومع ذلك قلت وهو يرنو إلي مشفقا:ـ أشكرك علي اهتمامك. كل ما كنت أريد هو أن أعرف سر التمثيل. ضحك قائلا:ـ التمثيل بدأ وما زال مستمرا، وأنت طرف فيه، ومن الأحسن أن تختار دورك بدل أن تقوم بدور لا ترغب فيه. هل فهمت؟ آ الشاف..مد لي سيجارة وربما أحس أنني أخذت أتوتر. تمثيلية؟ وأنا طرف فيها؟. لم يعرني اهتماما وهو يغادر المقهي. لم أعرف كيف علق بين أصابعه وذراعيه كتبا صغيرة، وساعات يدوية، وأقمصة، وسراويل قصيرة، وقبعات.. حتي بدا لي مثل دكان ملون متحرك. وفي لحظة تعذر علي فيها التمييز بين الأبيض والأسود أحسست أنني تحششت وأخذت أشاهد علي شاشة عملاقة منصوبة كالوحش أمام بصري تمثيلية محيرة مستفزة، دون أن أنسي العبارة التي توقفت عندها عش نهار.. تسمع خبار .. قاص من المغرب0