تركيا تعيش هذه الأيام على وقع إحتجاجات شعبية على أردوغان وحكومته بعد قرارات أثارت جدلا واسعا في الأوساط السياسية الداخلية تضمنت إعادة بناء ثكنة عسكرية تعود للعهد العثماني بساحة ‘تقسيم’ في قلب مدينة اسطنبول وجعلها مركزا للتسوق وتسمية جسر يشيد على مضيق البوسفور بإسم السلطان العثماني القاطع سليم الأول بالإضافة إلى سنِّ قانون ينظم بيع الكحول. العلمانيون رأوا القرارات سيرا صريحا في إعادة تركيا إلى العثمانية وضربة للعلمانية التي أسس لها مصطفى كمال أتاتورك بعد إسقاط السلطان الغازي عبد الحميد خان الثاني آخر سلطان فعلي للإمبراطورية العثمانية قبل 90 عاما، من جانبه أكد أردوغان على اصرار حكومته على قرارتها وتحدِّيه للعلمانيين معتبرا خروجهم للشارع محاولة للإنقلاب على السلطة بعدما فشلوا في ذلك من خلال صناديق الإقتراع. هذه الإحتجاجات تعد الأولى من حيث قوتها منذ وصول حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية للسلطة عام 2002 بقيادة عبد الله غول رئيس البلاد. التيار العلماني في تركيا مقرب للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها وحليف إستراتيجي للغرب وخروجه للشارع دعوة صريحة للتأمل في واقع الأمة الإسلامية وقضاياها المعاصرة، فأكبر مستفيد من تأزم الأوضاع وإشتعالها على الجبهة التركية هو الكيان الصهيوني وأميركا وحلفاؤها فضلا عن نظام الأسد الذي يبدوا أن الأزمة التركية أخرجت بعض رموزه عن صمتهم فيما اتضح بأنه نكاية في حكومة أردوغان وتعاطيها القوي مع المظاهرات، بعد أن صارت تركيا تشكل قوة إقليمية صاعدة في المنطقة وإستطاعت فرض نفسها بقوة ضمن أجندات الأحداث في المشرق العربي. ولعل في التاريخ كثيرا من العبر فقبل 50 عاما قام العسكر بإعدام ‘علي عدنان إرتكين مندريس’ رئيس الوزراء وقتها وإثنين من وزرائه هما ‘حسن مراد خان’ وو’فطين روشتو زورلو’ يوم16 سبتمبر عام 1961 بجزيرة إمرالي بعد أن نفذ إنقلابا على السلطة المنتخبة، ففي العام 1960 شهدت تركيا إنقلابا عسكريا بعد مكوث الحزب الديمقراطي 10 سنوات في السلطة بقيادة ‘محمود جلال بايار’ كرئيس للدولة بعد تحقيقه نصرا كاسحا على حزب أتاتورك بأغلبية برلمانية، ولعل ذلك الإنقلاب كانت وراءه قوى خارجية لم ترد لتركيا أن تعود لإرتداء عباءة الإسلام فإن نجاح الحزب الذي نظر إليه على أنه ذو توجه إسلامي بعد أن رفع الآذان وأعادهباللغة العربية وفتح المدارس العتيقة وقوى علاقات تركيا مع العالم الإسلامي مقابل فتور تجاه علاقاتها بإسرائيل ما دفع تلك القوى إلى التحرك على عجل لتأليب الجيش على الشرعية الشعبية. وفي الوقت الذي يبدو فيه أردوغان واثق من نفسه فإن تلك الثقة مردُّها إلى الشعبية الجارفة للرجل وحزبه في السنوات الأخيرة بعد نجاح حكومته في رفع معدل الدخل الفردي والقفز بالإقتصاد التركي إلى الرتبة 17 عالميا وإخلاء ذمة البلاد من الديون الخارجية وغيرها من الإنجازات التي تحققت على عهد الحكومة الإسلامية غير الملتحية؛ فإن خروج الآلاف من الأتراك الغاضبين إلى الشوارع يجعل أردوغان وحكومته أمام محك حقيقي يلزمهم بإعادة التفكير في تحركاتهم الخارجية منها وحتى الداخلية والتعاملبمنطق الشاعر العربي القائل: وهل أنا إلا من غزيّة إن غَوَت*** غَوَيْتُ وإن تَرْشُد غزيّة أَرْشُدِ، فخرجات أردوغان الأخيرة ومواقفه تجاه ما سمي بالربيع العربي وموقفه خصوصا من الملف السوري والحرب الأهلية الدائرة رحاها هناك على خلفية الإحتجاجات الشعبية التي إنطلقت في البلاد قبل ما يقرب الثلاث سنوات تجعله ملزما بالتعاطي مع ما ذهب الكثيرون إلى تسميته (الربيع التركي) بكثير من الحكمة والتعقل، فقد أشارت عدة تقارير إلى وجود المئات من المتظاهرين رهن الإعتقال في وقت تتحدث فيه مصادر إخبارية عن وجود قتلى جراء الإشتباكات مع قوات حفظ الأمن. كما أن الأزمة السورية التي كانت تركيا قد أبدت موقفها منها مبكرا عبر وزير خارجيتها أحمد داوود أوغلو ألقت بظلالها على دول المنطقة وأصابت شرارات شظاياها الدول المحيطة بسوريا بالأخص الجارة تركيا على إعتبار تواجد مئات الآلاف من السوريين كلاجئين على أراضيها في مخيمات أنطاكيا وعلى إمتداد الشريط الحدودي بين البلدين، والتفجيرات الأخيرة التي كانت قد أودت بحياة ما يقرب 50 تركيّا أكّدت بأن تركيا ليست بمنأى عن هذه الأزمة التي بدأت تأخذ منحى أكثر خطورة في ظل إنسداد أفق الحل السياسي وعجز كلا طرفيها النظام والمعارضة عن حسم الصراع العسكري لصالحه بصفة نهائية. وأتاتورك التي تعني باللغة التركية أب الأتراك، فإن العلمانيين الذين خرجوا إلى شوارع إسطنبول، إزمير، قونيا، أدرنة، قيصري، أنطاليا، أنقرة، ديار بكر وغيرها من المدن التركية إنما خرجوا مطالبين بالحفاظ على إرث مصطفى كمال وليس ضد الفساد وغياب الديمقراطية، وقد نتجاوز الحديث عن هذا كله دون مخافة من الإنزلاق وراء غياب الموضوعية في التعاطي مع الأزمة التركية إذا ما تحدثنا عن كون الإحتجاجات الشعبية التي تشهدها البلاد منذ حوالي أسبوع لم تأت على خلفية البطالة، الفساد، التضخم الإقتصادي، غياب الديمقراطية وشرط التداول على السلطة…. إلى آخره من الأسباب التي قد ينظر إليها على أنها كانت المحرك الأساسي وراء خروج الجماهير العربية إلى الشارع إحتجاجا على أنظمتها إبان ما اصطلح عليه الربيع العربي، وبالتالي فإن فرضية الربيع هذه في تركيا تبقى مستبعدة لغياب هذه الشروط السالفة، ولكون الإحتجاجات التركية جائت على خلفية قرارات حكومية تحمل في طياتها كثيرا من السياسة. النعمة زيني