ترى مجلة "أتلانتك" أن تصريحات جاريد كوشنر عن خطة قريبة تنم عن سذاجة
ترى مجلة “أتلانتك” أن تصريحات جاريد كوشنر عن خطة قريبة تنم عن سذاجة
لندن – “القدس العربي” – إبراهيم درويش
علق كل من مايكل غوردون وريم كومار في مجلة “أتلانتك” على تصريحات جاريد كوشنر، مستشار الرئيس دونالد ترامب وصهره لصحيفة فلسطينية في ختام جولة له للشرق الأوسط بالقول إن كلامه ينم عن سذاجة أو نابع من خدمة الذات. وكان كوشنر قد أكد أن خط قريبة سيعلن عنها وأن الفلسطينيين ليسوا مهتمين بما يقوله الساسة قدر اهتمامهم بخطة تحسن حياتهم. ورغم تفهم الكاتبين للعجلة وتحقيق تقدم في ظل الأزمة الإنسانية في غزة ومنظور العنف والثمن الباهظ لبقاء الوضع القائم على ما هو إلا ان كلام كوشنر للصحيفة الفلسطينية يؤكد أنه يعيش في عالم فتنازي ويقود نهجا سيفاقم من الوضع الحالي بدلا من حله. فالفرضيات التي يبني عليها مدخله- مهما كانت محتويتات الخطة- معيبة تثير أسئلة فيما إن كان هدفه هو إرضاء القاعدة المؤيدة لترامب وتحميل القيادة الفلسطينية مسؤولية الفشل.
الفنتازيا الأولى
ويرى الكاتبان أن الفنتازيا الأولى لكوشنر هي بيع خطته للشعب الفلسطيني وليس للقيادة الممثلة بعباس الذي رفض مقابلة كوشنر في زيارته الأخيرة. وهي فتنازيا قائمة على الغلط. صحيح أن الشعب الفلسطيني غير راض عن عباس إلا أن شعبيته تصل إلى 30%. ويقول الكاتبان إنهما في حوارهما مع عباس وفريقه التفاوضي أثناء فترة باراك أوباما وجدا انهم مسكونون دائما بهاجس الخوف من عدم القدرة على بيع تنازلات جديدة للفلسطينيين الذين يرون التمدد الإستيطاني والحد من حرية الحركة ومصادرة الأراضي. والوضع اليوم أسوأ. وفي الحقيقة هناك نسبة كبيرة من الفلسطينيين تعارض حل الدولتين. وتقول الغالبية (57%) أن حلاً كهذا غير عملي بسبب المستوطنات التي امتدت عميقاً في الضفة الغربية. وهناك نسبة 33% من الفلسطينيين تدعم حل الدولة الواحدة، أي بلد واحد بغالبية عربية وحقوقاً متساوية. وهو حل جذاب لمن هم تحت سن الثلاثين. وبسبب هذه الظروف فالقائد الفلسطيني المقبل لن يدعم التسوية بل ولن يقدم تنازلات. وفي الحقيقة تقول الإستطلاعات إن عباس سيخسر انتخابات إن خاضها ضد زعيم حماس، إسماعيل هنية وسيخسر هذا لصالح مروان برغوثي، الزعيم المعتقل لدى إسرائيل.
الفتنازيا الثانية
هي اعتقاد كوشنر ان إلإدارة التي يمثلها في وضع جيد للنجاح حيث فشلت الإدارات السابقة. وفي الوقت الذي بدا واضحا أن ترامب صانع صفقات سيء ولم يحقق حتى الآن أي نجاح دولي ( وقمته مع الزعيم الكوري هي مجرد تبادل تعهدات غامضة) إلا ان الشرق الأوسط هو المكان الذي تعتبر فيه الإدارة غير مؤهلة للنجاح. صحيح أن الإدارات السابقة كانت متحيزة لإسرائيل لكنها على الأقل حاولت لعب دور الوسيط النزيه وكان الفلسطينيون يعتبرونها شريكاً ضرورياً. لكن ترامب تخلى عن أي مفهوم للموضوعية، واعترف بالقدس وأعطاها كهدية دون مقابل لإسرائيل. واحتفل بنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس الذي عارضته 128 دولة في الأمم المتحدة، والأكثر فجاجة هو تزامن الإحتفال مع إحياء الفلسطينيين ذكرى النكبة. وحضر الحفل عدد من نواب الكونغرس الجمهوريين وقس معروف بتصريحاته المتعصبة ضد اليهود والمورمون والمسلمين بشكل يشير الى أن الحفل هو عن السياسة الأمريكية لا الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي قتل الجيش الإسرائيلي الفلسطينيين عند حدود غزة، قررت إدارة ترامب عدم التعاطف مع الضحايا ولا شجب ولا مطالبة إسرائيل بضبط النفس كما فعل بقية المجتمع الدولي. بل قام ترامب بتعليق المساعدات الأمريكية عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) لأن الفلسطينيين لم يحترموه أو يقدروا جهوده كما لو أن المساعدات الإنسانية يجب أن تمنح مقابل الغزل والعبارات الجميلة، مع أن جوهر المساعدات قائم على خدمة المصالح القومية الأمريكية. ومنحت إدارته دعما غير مشروط للإستيطان حيث وصف سفيره في إسرائيل ديفيد فريدمان المناطق الفلسطينية المحتلة بيهودا والسامرة ورفض كلمة “احتلال” ولهذا السبب توقف الفلسطينيون عن الحديث مع الإدارة ومن هنا فمن الصعب النظر للإدارة كوسيط نزيه او تجاوز عباس عندما يعارض ثلثي الفلسطينيين الإتصالات مع الأمريكيين و88% تعتقد أن أمريكا متحيزة مع إسرائيل.
الفتنازيا الثالثة
تقوم على فرضية مساعدة الدول العربية مثل السعودية ومصر والأردن بتجاوز التحديات. صحيح ان إدارة ترامب وثقت علاقاتها مع قادة هذه الدول بسبب موقفها المتشدد من إيران وصفقات السلاح وعدم تركيز واشنطن على حقوق الإنسان. وصحيح ان قادة هذه الدول يشتركون مع إسرائيل قلقها من النفوذ الإيراني والخوف من التطرف الإسلامي وتحديات أخرى تتراوح من اليمن إلى سوريا وأسعار النفط المنخفضة وأنها لم تعد تتعامل مع القضية الفلسطينية كأولوية، لكن لا يعني أن تدفع هذه التغيرات الإقليمية القادة العرب لكي ينفقوا رأسمالهم السياسي ويجبرون الفلسطينيين على الحل. ربما، وبلا شك، سمع كوشنر كلمات تشجيعية خلال زيارته التي استمرت أربعة أيام للأردن والسعودية ومصر وقطر قبل سفره لإسرائيل. ولكن عليه أن لا يحبس انفاسه منتظرا هؤلاء القادة لأن يتبنوا وعلانية مواقف عن فلسطين والقدس ترفضها غالبية شعوبهم. وهذا صحيح في قضية القدس، فأي تساهل سعودي ومصري سيتم شجبه وسينفع منافسيهم: إيران وقطر وتركيا.
الفتنازيا الرابعة
وهي أن هناك طريقة لإقناع الفلسطينيين للحل من خلال الدعم الإقتصادي لتعويضهم عن خسارتهم الإقتصادية. وفي مقابلته مع الصحيفة الفلسطينية اقترح أن تؤدي الإستثمارات في البنية التحتية إلى زيادة في الدخل القومي العام وان تكون بداية للتعايش. ولو تركنا جانبا عدم قدرة إدارة ترامب على جذب الإستثمارات في البنية التحتية الأمريكية فكيف ستزيد من الإستثمارات في الضفة الغربية وغزة. وقد تم التأكيد على المنافع الإقتصادية من قبل. فمنذ اتفاقية أوسلو إلى خطة الطريق عام 2002 وخطة جورج دبليو بوش في أنابوليس وجهود جون كيري، وزير الخارجية فقد تم التركيز على تحسين الظروف على الأرض لتعزيز فرص السلام. وعلى كوشنرمعرفة أن تحسين الظروف الإقتصادية لن تكون بديلا عن السلام السياسي. وتظل المسائل الرئيسية الباقية غير الإقتصاد الحدود والسيادة والأمن والقدس واللاجئين فلا قائد فلسطيني يمكنه البقاء في الحكم من خلال وعود تحسين الإقتصاد فقط.
الفنتازيا الأخيرة
تتعلق بإسرائيل يتزعمها بنيامين نتنياهو الذي لم تقبل بصفقة يمكن أن يقبلها الفلسطينيون والعرب. فقد توقف نتنياهو في السنوات الأخيرة عن الحديث عن حل الدولتين والذي قبله في خطابه عام 2009 بجامعة بار إيلان. كما ان غالبية وزراء الحكومة الحالية لا يدعمون دولة فلسطينية. وفي ظل الملاحقات القانونية له ولزوجته سارة فالأمل الوحيد أمام نتنياهو هو الحفاظ على موقفه المتشدد حتى لا ينهار ائتلافه. ولا يعرف عن الإستعداد الشعبي الإسرائيلي لتقديم التنازلات الضرورية مثل إجلاء المستوطنين من الضفة. وبعد 18 شهرا من المحاورات التي اسهم فيها جيسون غرينبلات على كوشنر أن يعرف ماهية التحديات. وربما كان يتصرف بناء على فكرة انه من الأحسن المحاولة والفشل بدلاً من عدم التحرك أصلاً. ولكنه مخطئ فالخطر النابع من رفع سقف الآمال والتوقعات ثم تبديدها كبير، وهو ما حفلت به محاولات سابقة من قمة كامب ديفيد عام 2000 إلى محادثات عباس- أولمرت عام 2008 لمحاولات كيري 2013 – 2014 حيث أعقب كل محاولة فاشلة عنف. فالإعلان عن خطة تولد ميتة عند وصولها هو تجسيد لمعارضي التنازل والداعين للعنف على الجانبين.
وربما كان كوشنر يريد من مواصلته الخطة لوم الفلسطينيين. فقبول إسرائيل للخطة وهي تعرف أنها لا تريدها، كي تورط الفلسطينيين، ربما كان مساعداً لقاعدة ترامب الإنتخابية. ومن المفيد القول إن محاولة كهذه ستعمق الشرخ بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وربما اعتقد كوشنر أن رفض الفلسطينيين للخطة سيبطئ من جهود شجب إسرائيل دولياً. وهو مخطيء في ظنه، فغياب المصداقية الدولية لترامب بعد قرار القدس والاونروا ستؤدي بالأوروبيين وبقية الدول للاستنتاج أن رفض الفلسطينيين للخطة نابع لعدم نزاهتها وعدالتها لا لأنهم يعارضون السلام. وكشفت آثار قرار ترامب بشأن القدس أن أمريكا هي التي عزلت في الأمم المتحدة لا الفلسطينيون.