أثر الحرب في الفنانين الشباب: إغناء أم مسخ؟

حجم الخط
0

تشكل الحروب والأزمات السياسية عادة مادة دسمة للمعالجة، خصوصاً تلك التي تشمل آثارها أو تشارك فيها شرائح واسعة من المجتمعات. لكن من ناحية أخرى قد تكون «لعنة» على كل الفنون، لاسيما الخارجين من قلب الحدث. يجد الفنان نفسه مواجهاً بضغطين: الأول ينبع من داخله، وهو الأثر الناجم عن إدراكه لهول الحدث، والثاني خارجي، متعلق باهتمام الجمهور.
يرى فنان التحريك السوري جلال الماغوط أن «أثر الحرب يكون قصرياً لا اختيارياً، فالأمر متعلق بالفنان نفسه كفرد»، موضحاً أن «كلّ ما تختبره هو جزءٌ لا يتجزّأ منكَ كفنّان، وهذا غير مقتصر على انعكاس الواقع في أعمالك كتعبيرٍ مباشر، وإنّما يمتدّ لأن يغيّر منظورك إلى أسخف الأشياء أو أشدّها أهمّية». لكن في الوقت نفسه لا يكون هذا الأثر من نوع خاص، وإنما هو مسبب لكثافة نادرة في التراكمات التي يتركها الزمن ولا بد، «لا يمكن لك كإنسان وكفنان أن تكونَ نفسك فيما لو تغير مكون من مكوناتك، والزمن هو من أهم هذهِ المكونات، خاصةً إذا كان مليئاً بمشاعر وأفكار وعواطف وأحداث كثيفة غير معهودة سابقاً كما في السنوات الخمس الأخيرة»، وفق ما يقول الماغوط، مشيراً إلى أن «ما نواجهه في هذه الأيام هو «أزمة» تكمن في فهم وظيفة الفن وأساليب التعبير الفني».
يرفض الشاب الذي حاز فيلمه القصير «قماش على مواد مختلفة»، على جائزة «صنع في المتوسط» للأفلام القصيرة، استخدام مزاج الجمهور كبوصلة بديلة، «فالتعاطي مع العمل بالنسبةِ لي ليس دراسةً للسوق وتكييف المنتجات مع كل مرحلة، عملي بالنسبةِ لي هو طارئٌ شخصي لا يمكن تجاهله ووسيلة تفاعلي الأولى مع الواقع».

ميليشيا من دون سلاح

في العراق، الذي بالكاد استراح من الاحتلال الأمريكي وتبعاته ليبرز تنظيم «الدولة الإسلامية»، ويعيده إلى دائرة الصراع، أنشأ الشعراء العراقيون، مازن المعموري وعلي ذرب ومحمد كريم وكاظم خنجر، ما يسمونه «ميليشيا الثقافة». هدفها محاربة التطرف الديني من خلال شعرها أو من خلال إلقائه في وضعيات رمزية أو مباشرة أحياناً، مرتدين ثياب السجناء المساقين للإعدام لدى تنظيم الدولة مثلاً. يقول خنجر، وهو أحد شعراء الميليشيا، أن اجتماعهم جاء «كرد فعل على ما يحدث. محاولة للتعبير عن عقدنا النفسية بوصفها هوية لحضورنا في هذه اللحظة التأريخية». وعلى الرغم من كون العراق مر بحقب عنيفة طويلة حتى قبل الغزو الأمريكي، فإن حقبة تنظيم الدولة، كما يرى خنجر، هي «الأعنف»، هذا العنف الذي يولد «سؤالاً محورياً هو: ما قيمة الأدب بنموذجيته أمام هذا الانتهاك».
لا يرى خنجر أن ذلك يتناقض مع الإنساني الذي على الأدب أن يتناوله، ولكنه يطرح السؤال ما إن كانت الإنسانية على النموذج الغربي هي ما يجب أن يتناوله الأدب أصلاً، «الإنسانية يجب أن تفهم بمعناها الجغرافي والتأريخي. الأدب الذي يقوم على الإنسانية يجب أن يختلف لا أن يقدم إنسانية الألماني بشكل ثقافي عراقي». ويوضح انعكاس ذلك على الحالة العربية عموماً والعراقية خصوصاً؛ «الموت أو القتل كما نحب تسميته هو مفرز إنساني خاص بثقافتنا. وكذلك كافة أساليب العنف والكراهية والشر هي أشكالنا الإنسانية التي تقوم عليها هويتنا الثقافية، وعليه يجب ألا نتنكر لها، وإنما علينا فهمها وتحويلها إلى صفات أدبية»، وهكذا فإن ما يميز هذه المرحلة هو كون «الأدب المكتوب بالعربية مواجهاً نفسه طارحاً الأسئلة على جدوى حضوره وشكله ومواضيعه».

واقع «فانتازي»

أصدر الصحافي والقاص السوري علاء رشيدي مجموعته القصصية الأولى «اللعبة الأخيرة قبل وضع القواعد» بدعم من مؤسسة (آفاق)، وحملت الكثير من المقاربات والأحداث المرتبطة بالوضع الحالي في سوريا. رشيدي لا ينفي الأثر العميق لما حدث بدءاً من العام 2011 على منتجه الأدبي أو الصحافي. يرى أن الأساس الذي يقوم عليه منتجه يتعلق بالأنواع السردية للقصة القصيرة التي تحتاج للواقع الاجتماعي الملائم لاستثمارها، «قبل العام 2011 لم يكن الواقع يسمح بهذه المحاولات الفانتازية، مثلاً «حكاية فريق الموتى» (من ذات المجموعة) تعتمد بشكل أساسي على وجود الجثث مجهولة الهوية، الأمر الذي لم يكن موجوداً سابقاً»، ويضيف أن «كل الموت والمدن التي تقصف وتجوع وتحاصر هي للأسف كارثة على المستوى الإنساني، ولكنها مادة غنية للفانتازي».
يعتبر رشيدي أن المقاربات السياسية في عمله هي «أكثر المقاربات سرعة وراهنية للشرط التاريخي»، فإنه يرى في الواقع الاجتماعي المأساوي العنصر المتمم لتحول فني كان سيخرج بكل الأحوال، «بعد اطلاعي على تاريخ السرد، كانت لدي أشكال سردية وأنواع أدبية أبحث لها عن الإطار الاجتماعي والسياسي، وكانت سوريا 2011 مناسبة تماماً لهذا التحول». وينفي الشاب أن يكون متأثراً بما يجذب الجمهور أو يعمل على إرضائه، «ولكنني أملك شعوراً مسبقاً أن الجمهور لن يهتم بما سأخرج به من أعمال في الفترة المقبلة، لكونها لا تحمل ذات الطابع الموجود في (اللعبة الأخيرة)»، مؤكداً دور الواقع في إغناء النص، «فبقدر ما كان الواقع غنياً أخذت النصوص شكلاً غنياً أيضاً».

روائي سوري

أثر الحرب في الفنانين الشباب: إغناء أم مسخ؟

مناف زيتون

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية