معقل زهور عدي
في البداية لا بد من القاء نظرة علي مسار الاستراتيجية الأمريكية في العراق كجزء من الاستراتيجية الأمريكية العالمية للقرن الواحد والعشرين.
بخلاف ما يعتقد البعض، لا يمثل الغزو الأمريكي للعراق عملا منفردا أو استثنائيا أقحمت فيه مجموعة من الايديولوجيين اليمينيين (المحافظين الجدد) الولايات المتحدة في مغامرة غير محسوبة العواقب، في الواقع يأتي الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 كامتداد لتصاعد النزعة العسكرية داخل الادارات الأمريكية المتعاقبة، لقد انتشرت علي نطاق واسع نظرية استغلال التفوق العسكري الكبير للولايات المتحدة من أجل جعل القرن الواحد والعشرين قرنا أمريكيا، وامتزجت في تلك النظرية نزعة قومية امبراطورية مع مصالح للعولمة (نزعة الشركات العملاقة متعددة الجنسيات للهيمنة علي العالم) يعترف سيوم براون بصراحة بتلك العلاقة التي تناولها بالتفصيل نعوم تشومسكي في كتابه (الهيمنة أم البقاء)، وقد تم وضع الأساس الفلسفي الذي يربط بين العولمة والاستراتيجية الأمريكية العليا في عام 1993 وفقا لورقة ليك الذائعة الصيت والمقدمة في معهد جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة حيث لخص أربع ضرورات أساسية تقوم عليها الاستراتيجية الأمريكية وهي:
أولا: تعزيز أسرة أنظمة السوق الديمقراطية الرئيسية بما فيها النظام الامريكي لكونها تشكل النواة التي تنطلق منها عملية التوسيع (لاحظ كلمة التوسيع). ثانيا: رعاية الأنظمة الديمقراطية الجديدة واقتصاديات السوق ومساعدتها حيثما أمكن ولا سيما في الدول ذات الأهمية والفرص الاستثنائية (اقرأ دول الثروات النفطية). ثالثا: التصدي للعدوان (اقرأ معاداة المصالح الأمريكية) ودعم اشاعة اللبرلة في الدول المعادية للديمقراطية والسوق.
رابعا: متابعة برنامجنا الإنساني ليس من خلال توفير المساعدات فقط ولكن عبر العمل علي تمكين الديمقراطية واقتصاد السوق من مد الجذور في مناطق ذات أهمية انسانية كبري (اقرأ: استخدام الأوضاع الإنسانية للتدخل بهدف فرض النفوذ وإفساح المجال أمام الاستثمارات). يمكن ان نتابع نمو نزعة التدخل العسكري اعتبارا من أوائل التسعينات وهو التاريخ الذي بدأ يشهد القفزة الكبري في وضع الشركات متعددة الجنسيات، هكذا اندمجت مصالح العولمة مع التعريف الموسع للأمن القومي، ومنذ ذلك التاريخ شهد العالم تطبيقات متلاحقة مثل التدخل في هايتي، قصف العراق، قصف صربيا، قصف مواقع في السودان، احتلال أفغانستان وأخيرا العراق.
حين قررت الولايات المتحدة غزو العراق كانت استراتيجية الغزو واضحة، احتلال العراق والقفز منه نحو اجراء تغييرات (ثورية) في الشرق الأوسط تنقل الهيمنة الأمريكية علي المنطقة الي مستوي جديد بحيث ينتهي الاعتماد علي الانظمة الحالية كوكلاء للهيمنة، وتجري عملية تغيير بنيوية للمجتمعات الشرق أوسطية تلحقها بالقوة بالعولمة بتأمين هياكل سياسية واقتصادية وقانونية مناسبة والقضاء علي الممانعة الثقافية والهياكل السياسية الحالية التي أصبحت بنظر العولمة معيقة للاندماج.
صممت عملية الغزو لتكون كمطرقة ثقيلة تحطم الدولة العراقية تحطيما شاملا يسمح ببنائها من نقطة الصفر، وكانت التقديرات تتجه لاستسلام المجتمع العراقي بكامله للقوة الأمريكية الهائلة، وتصفية أية جيوب للمقاومة خلال أشهر علي أبعد تقدير. ومن ثم يتفرغ الجهد العسكري الأمريكي للتوجه نحو سورية للقيام بالمهمة ذاتها بسهولة أكبر ويتوالي سقوط الأنظمة العربية بعد ذلك واحدا بعد الآخر حتي يكتمل وضع الأساس لشرق أوسط جديد يدار مباشرة من قبل الولايات المتحدة ريثما يتم تحضير النخب السياسية والعسكرية الجديدة القادرة علي استيعاب متطلبات الهيمنة الأمريكية للقرن الواحد والعشرين. يمكن القول بثقة الآن ان ذلك المشروع قد فشل سواء بقيت القوات العسكرية الأمريكية في العراق عدة سنوات أخري أو انسحبت في وقت قريب، ويكفي للدلالة علي ذلك أن واحدا من أقوي القيادات التنفيذية لذلك المشروع وأكثرها عنادا وهو وزير الدفاع الأمريكي المستقيل رامسفيلد صرح بأن من المستحيل ايجاد حل عسكري للوضع في العراق بمعني استحالة السيطرة علي المقاومة.
الولايات المتحدة في سعيها اليوم لتلمس طريق الخروج من العراق تسعي في ذات الوقت لتلمس استراتيجية جديدة للهيمنة، ومع ان الوقت لا يزال مبكرا لمعرفة كيف ستتكيف الولايات المتحدة في استراتيجيتها الجديدة مع فشلها في العراق لكن ما يبدو لي منطقيا هو عودة الولايات المتحدة لمرحلة ما قبل استراتيجية التدخل العسكري وذلك لا يعني بالتأكيد انتهاء مرحلة التدخل العسكري بصورة تامة وفي كل مكان من العالم، ولكنه يعني تقليص استخدام التدخل العسكري الي أقصي حد والتعويض عنه بأدوات استخباراتية وسياسية واقتصادية، والعودة لسياسة الاعتماد علي التحالفات الدولية.
كناتج مباشر للفشل الأمريكي في العراق يمكن أن نتوقع صعود دور القوي الاقليمية كبديل لا غني عنه لاستعادة قدر من التوازن المفقود، لكن الأمر الآخر الجدير بالملاحظة أيضا هو توقع صعود قوي غير رسمية (أحزاب وتعبيرات شعبية مثل المقاومة العراقية وحماس وحزب الله) ليس فقط بسبب ضعف الهيمنة الأمريكية المباشرة كما هو الحال اليوم، ولكن بسبب الاجهادات التي أصابت القوي الاقليمية وأفقدتها الكثير من عناصر قوتها بعد تحطيم توازنها القديم بفعل التدخل العسكري في العراق.
صحيح أن القوات الأمريكية لم تعمد لضرب أسس الدول القطرية كما فعلت في العراق لكنها أنهكتها وكشفتها أمام الرأي العام الداخلي من جهة، وأخلت بتوازن القوي القديم في المنطقة الي درجة يصعب معها تصور كيف يمكن استعادة ذلك التوازن ثانية وأبرز مثال علي ذلك خروج القوة الايرانية عن السيطرة وطموحها المتوثب لمد نفوذها وصولا الي البحر المتوسط من جهة أخري. حسب نموذج سيوم براون (والذي تمت دراسته قبل حرب العراق) للنظام العالمي الحالي لا يوجد قطب وحيد مسيطر سيطرة مطلقة ولكن هناك قطبا واحدا يهيمن هيمنة نسبية علي أقطاب صغيرة (قوي متنوعة)، وهنا من المناسب التوقف عند فكرة ان هذه الأقطاب – القوي ليست دولا فقط، فالدول القومية لم تعد اللاعب الوحيد في السياسة العالمية.
وهناك فرق بين نظام القطب الأوحد الذي يعني سيطرة قطب واحد علي العالم ونظام هيمنة القطب الواحد مع وجود أقطاب متعددة لا يتمكن من السيطرة التامة عليها.
وبصورة أكثر تحديدا فالنظام العالمي الراهن والدائب التطور هو نظام هجين يجمع بين الاحادية القطبية الفضفاضة التي تسمح بوجود أطراف علي قدر من الاستقلال الذاتي وبين نظام الكثرة (البولياركي) القائم علي وجود مراكز قوي متعددة (دول قومية، جماعات شبه قومية، مصالح عابرة للقارات، مؤسسات متعددة القوميات) فعالم اليوم بخلاف ما هو شائع بعيد عن أن يكون أحاديا قطبيا مطردا علي الرغم من وضوح ان الولايات المتحدة هي القوة المسيطرة في النظام.
هذا النظام قد أصبح محكوما اليوم بعد فشل الاستراتيجية الأمريكية في العراق بالاتجاه نحو تعزيز دور الأطراف وتعزيز استقلالها الذاتي، وبروز ما يسمي بالجماعات شبه القومية، والقوي الشعبية التي سوف تنازع منذ الآن القوي التقليدية (الدول القطرية بكل مؤسساتها القديمة) دون أن يكون بالامكان كبح جماحها وهي علي الأغلب ستتجه لتكون أكثر راديكالية في التعاطي مع الهيمنة الأمريكية وذلك ليس سوي جزء من الثمن الفادح الذي ستدفعه الولايات المتحدة نتيجة فشل استراتيجيتها في العراق.
كاتب من سورية8