أثر غياب الدولة علي مصالح الشعوب العربية
د. يوسف نور عوضأثر غياب الدولة علي مصالح الشعوب العربية تمتليء الصحف المصرية في هذه الأيام بمقالات تنعي علي مصر تخليها عن دور الريادة في العالم العربي لصالح المملكة العربية السعودية . ولا يتوقف الكتاب ـ عادة ـ عند مفهوم الريادة وحده بل يتجاوزونه الي صفة ظلت مصر تطلقها وتضفيها علي نفسها منذ العصر الملكي بكونها الدولة التي سبقت الدول العربية الأخري في مجال التأثر بالمنجزات الغربية وخاصة تلك المتعلقة بالتصنيع والمواصلات والطاقة وغيرها، وهو سبق أقرت به بعض الدول العربية التي ظلت تعاني من التخلف في المجالات التي تقدمت فيها مصر، ولكن العرب حين يتحدثون عن السبق أو التقدم لا يكلفون أنفسهم البحث في كنه هذا التقدم، فإذا تحدثوا عن الاقتصاد تركز الأمر عندهم علي سوق الأوراق المالية والأسهم والمؤشرات دون التأكد من أن هذه المصطلحات تستخدم في نظام إقتصادي حقيقي.وإذا تحدثوا عن التربية تركز الحديث عندهم علي فتح المدارس والجامعات دون القدرة علي تبين أن هذه المؤسسات يمكن أن تكون وسائل للتدجين والتخلف بدلا من التعليم والتقدم وإذا تحدثوا عن الأدب والنظريات النقدية لا يتوقفون عند الإضافات الحقيقية في مجال الفكر النظري إذ يكفي عندهم أن يستمر الكاتب في تأليف الكتب التي يملأ بها رفوف المكتبات لتضفي عليه صفات المفكر والعالم والأديب دون اهتمام بالرؤي الفكرية التي ينطلق منها هذا الكاتب، ويعكس هذا الوضع في مجمله وضعا مزريا للعقل العربي الذي يصعب عليه أن يري الأمور بتجرد في واقعها الحقيقي وبالتالي يصعب عليه أن يفكر بطريقة موضوعية في القضايا التي تعرض له والتي يحاولـ دائما ـ معالجتها من خلال واقع اعتاد عليه ومنطق داخلي لا يري بأسا في تدوير الأفكار بطريقة نمطية، ويبدو ذلك واضحا في مواقف المفكرين والسياسيين الذين لا يقبلون إعادة النظر في منطقاتهم الفكرية بل يستمرون في تدويرها من خلال إخفاقات الآخرين، فإذا أخفق الاشتراكيون أو القوميون أو اليساريون فإن الإسلاميين يتقدمون لطرح حلولهم، وإذا أخفق الإسلاميون تقدم أولئك لطرح مواقفهم، وهكذا دون التفكير في الطريقة التي تبني بها الدول الحديثة أو المنهجية التي يمكن أن ينتقل بها العالم العربي من هذا الواقع المتخلف الي واقع أكثر تقدما، ومن المؤسف أن هذا الحال ليس سمة العقل الثقافي في العالم العربي وحده بل إن كثيرا من المثقفين الذين هاجروا الي البلاد الغربية لم يعطوا أنفسهم مساحة من الوقت للتفكير في كيفية بناء الدولة وهم مازالوا يدورون في فلك الأفكار القديمة ويعتبرون الإخفاق نتيجة عدم تطبيق الرؤي التي كانوا يؤمنون بها في أوطانهم الأصلية. وقد دهشت كثيرا خلال جلسة نقاش جمعتني مع بعض المثقفين العرب في لندن عندما رأيت أنهم لا يفرقون بين مفهوم الدولة ومفهوم الحكومة. بل هم يتحدثون عن ممارسات رئيس الوزارة البريطانية بالمنطق نفسه الذي يتحدثون به عن ممارسات المسؤولين في حكومات بلادهم الأصلية دون قدرة علي التفريق بين نظام الحكومة ونظام الدولة في بريطانيا وذلك ما دفعني الي طرح الواقع العربي برمته من خلال أهم الأحداث التي تجري في المنطقة العربية لنتبين الخلل في الفكر العربي الحديث برمته.وفي البداية أري أن نركز علي التدخل الأمريكي في منطقتنا العربية وهو تدخل لم يكن معروفا علي هذا النحو خلال مراحل القرن الماضي:أولا: قامت الولايات المتحدة باحتلال قطر عربي بأكمله هو العراق بإسقاط حكومته وإعدام رئيسه دون موافقة الأمم المتحدة ودون رفض من قبل الدول العربية التي تعاونت مع الحكومة الأمريكية في مغامرتها. وتصر الحكومة العربية علي أنها تريد أن تنهي الإرهاب في العراق وإقامة نظام ديمقراطي فيه.ثانيا: فتحت الولايات المتحدة جبهة جديدة مع إيران وهي تريد أن تجيش العالم العربي كله ضد هذه الدولة من خلال صراع سني شيعي تجد فيه الدول العربية نفسها واقفة مع إسرائيل في صف واحد بل وتقوم باقتطاع جزء كبير من دخلها من أجل شراء أسلحة تدافع بها عن المصالح الإسرائيلية.ثالثا: تدعم الولايات المتحدة الحكومة الإسرائيلية في تعقيد أساليب حل القضية الفلسطينية، تارة من خلال مواجهة حكومة حماس وأخري من خلال الزعم بعدم وجود الشريك المناسب في عملية السلام، وتدفع الولايات المتحدة الدول العربية في اتجاه الاعتراف بإسرائيل أولا ثم البحث بعد ذلك في المطالب الفلسطينية التي لا تتطلب حق العودة أو الحدود أو القدس، ونجد بعض الحكام العرب بدأوا يقولون إن المطالب الفلسطينية ليست عملية.رابعا: تثير الولايات المتحدة قضية بين سورية ولبنان حول مقتل رفيق الحريري ويدور الحديث حول محكمة دولية دون معرفة المتهمين وهو صراع عقيم لا يؤدي لشيء غير النزاع والتفكك في الموقف العربي.خامسا: تشعل الولايات المتحدة فتيل الحرب في القرن الأفريقي بدفع إثيوبيا للتدخل في الصومال، وهي تدرك العداوات التقليدية بين الصومال والحبشة حول قضية أوغادن، كما تعرف العداوات التقليدية بين الحبشة وإثيوبيا.سادسا: تؤجج الولايات المتحدة الصراع في إقليم دار فور وترفض التعاون مع الحكومة السودانية من أجل إيجاد حل لهذه المشكلة بل تريد من الحكومة السودانية أن تسلم لها إرادتها أو تخضع للعقوبات، وهي تعلم أن هذا الطريق لن يؤدي الي شيء سوي تفكيك السودان والقضاء علي وحدته.وإذا توقفنا عند مواقف الولايات المتحدة في كل تلك القضايا تأكد لنا أنها تتدخل في شؤون الشرق الأوسط من زعم يقول إنها تريد أن تحقق العدالة لشعوب المنطقة وإقامة نظم ديمقراطية وكذلك مكافحة الإرهاب. ولكن هل الولايات المتحدة هي صديقة للعرب حتي تقوم بكل تلك الدعاوي الخيرة من أجلهم؟ وهل العالم العربي وحده هو الذي يحتاج الي هذا الإنجاز؟الإجابة هنا واضحة جدا ذلك أن ما يدفع الولايات المتحدة للتحرك في هذه المنطقة ليس هو التحكم في ثرواتها النفطية بكون ذلك يمكن أن يتحقق عن طريق العمل التجاري العادي كما أن التحكم في سعر الدولار الثابت في البلاد النفطية يمكن أن يحقق للولايات المتحدة ما تريده دون عناء، وإذن لا يبقي أمام الولايات المتحدة سوي هدف واحد وهو تحقيق المصلحة الإسرائيلية علي حساب المصالح العربية.وإذا كان هذا هو الهدف الأمريكي فلماذا إذن تتراجع المواقف العربية أمام النفوذ الأمريكي ولماذا يتبادل القادة العرب الأدوار من أجل التسابق في خدمة المصالح العربية والإسرائيلية؟لا نريد عند الإجابة علي هذا التساؤل الوقوف عند الصراعات والخلافات العربية البينية، وهي التي تأسست خلال الحقبة الناصرية، ونتجاوزها الي حقيقة الموقف العربي الشامل الذي أساسه التخلف السياسي من خلال الغياب الشامل لمفهوم الدولة في العالم العربي. فالدولة هي مؤسسة تقوم علي مجموعة من النظم منها التشريعية التي تخضع لإرادة الشعب والقانونية التي تفصل بين السلطات والتنفيذية التي تضع التشريع والقانون موضع التنفيذ، ويتم كل ذلك في إطار نظام اقتصادي يتسم بالعدالة ويحقق الضمان الاجتماعي لسائر المواطنين. وحتي لا نستمر في جدل نظري نقول إن هذا النظام مطبق بكامله في بلد مثل بريطانيا ولكنه غائب في العالم العربي الذي تقوم فيه منظمات شبيهة لخدمة أغراض أخري، ذلك أن البرلمانات العربية هي تجمع لزعماء القبائل والطوائف وغيرهم كما أن الحكومات تديرها النخب التي تترابط مصالحها في النهب والسرقة، أما النظام القانوني فهو الذي يوفر الحماية لكل هذه الممارسات غير الشرعية. وفي ظل هذا الواقع نري الحكام لا يهتمون بمصالح الشعب لأنهم يصنفون شعوبهم في خانة الأعداء الذين يتربصون بسلطتهم ونفوذهم وهم يطلبون دائما الحماية من الأجنبي وخاصة الولايات المتحدة، ولا شك أن كثيرا من الحكام العرب عانوا خلال مراحل من المعارضة الأيديولوجية التي جعلتهم يشكون في كل شيء علي الرغم من أن شكل الحكم سواء كان ملكيا أو جمهوريا لا يهم كثيرا طالما تقيد بالضوابط التي تقوم عليها الدول الحديثة وهناك شواهد كثيرة علي ذلك في العالم والمهم في جميع الأحوال أن يكون هناك نظام للدولة تعمل الحكومة من خلاله لا أن يكون هناك نظام للحكومة يلغي كل الوظائف الحقيقية لمؤسسات الدولة.ولعله من المؤسف أننا لا نلمح أي تحرك في هذا الاتجاه في العالم العربي بحيث أصبحت جامعة الدول العربية مؤسسة لتوفير الغطاء للعمل العربي المتراجع كما هو شأن اللجنة الرباعية التي لا هدف لها سوي توفير الغطاء الشرعي للتنازل عن الحقوق العربية، ولا يمكن لهذا الواقع أن يتغير إلا إذا تحملت الشعوب العربية مسؤوليتها وابتكرت الوسائل التي تحدث بها التغيير وهو واقع لا يبدو أن الشعوب العربية تقترب منه بسبب حالة الفقر وانتفاء سياسة الصمود في الواقع الشعبي العربي السائد وذلك ما سيجعل الطريق طويلا من أجل أن يحدث تغيير حقيقي في العالم العربي وهو انتظار لا يستطيع أحد أن يتكهن بمدي الخسائر التي ستلحق بالأمة العربية من جرائه.9