أجندات سياسية وإقليمية تتلاعب بمصير نازحي العراق

مصطفى العبيدي
حجم الخط
1

بغداد ـ «القدس العربي»: كشف تبادل الاتهامات والتصريحات بين المسؤولين والسياسيين العراقيين هذه الأيام، جوانب مهمة في ملف النازحين واستغلالهم كورقة تتلاعب بها مصالح أحزاب السلطة والأجندات الإقليمية، بالرغم من دعوات محلية ودولية لإنهاء المعاناة الإنسانية للنازحين والمهجرين قسرا التي مرت عليها سنوات طويلة من دون حلول.

ففي أعنف انتقاد، حملت وزيرة الهجرة والمهجرين ايفان فائق جابرو، حزبا كرديا في إقليم كردستان مسؤولية عدم إنهاء ملف النازحين شمال العراق واستغلاله سياسيا. وقالت جابرو في حوار رمضاني متلفز تابعته «القدس العربي» إن «المتهم الأول في تحويل النازحين إلى بضاعة انتخابية هو الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي احتكر أصوات النازحين في المخيمات الموجودة في الإقليم، وأن بعض النازحين واجهوا ضغوطا وتهديدات إذا لم ينتخبوا حزبا معينا (حزب بارزاني) وانهم يتعرضون إلى مضايقات ولن يجدوا فرصا للعمل في الإقليم» مؤكدة أن «إعادة النازحين بحاجة إلى إرادة سياسية».
وكشفت وزيرة الهجرة أن وزارتها والحكومة في بغداد ليست لها سلطة على مخيمات النازحين في الإقليم، وأن «المسؤول عن المخيمات في كردستان هي وزارة داخلية الإقليم، والإدارة داخل المخيمات هي لمنظمة بارزاني الخيرية».
وقالت جابرو «نتمنى من حكومة الإقليم فسح المجال أمام العوائل النازحة التي ترغب بالعودة لمساعدتنا على إنهاء ملف النزوح». وناشدت رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني ورئيس الوزراء مسرور بارزاني بوقف انتهاكات عناصر حزبه ضد المهجرين في مخيمات محافظتي أربيل ودهوك.
وأكدت الوزيرة أن هناك العديد من التقارير الدولية التي تتحدث عن الانتهاكات في مخيمات النازحين بإقليم كردستان، قائلة: «هناك 26 مخيما في إقليم كردستان لم يغلق منها حتى الآن مخيم واحد». وأضافت أن المخيمات موجودة في شمال العراق، وأن «باقي المحافظات لا توجد فيها مخيمات باستثناء مركز التأهيل النفسي في الموصل وهو عبارة عن مرحلة انتقالية لأي نازح يعود من مخيم الهول السوري يتم تأهيله في المركز استعدادا لعودته لمنطقته الأصلية».
وفي أعقاب تصريحات وزيرة الهجرة ردت وزارة الداخلية في إقليم كردستان الثلاثاء الماضي، «أن المسألة خاضعة للمزايدة، ونشر أقاويل غير مسؤولة تفتقر لأساس حول موضوع النازحين، واستخدامها لأغراض سياسية، وأن مثل هذه الآراء والتصريحات تخفي رغبات اللاجئين وتستر الحقائق ولا تخدم وضع اللاجئين وتطبيع حياتهم بأي شكل».
وأضافت الوزارة في بيانها أن «السبب الرئيسي وراء عدم عودة النازحين، هو وجود مجموعة قوى غير قانونية في منطقة سنجار وعدم تنفيذ الاتفاق المعقود بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية بشأن تطبيع الوضع بالقضاء، وللأسف حتى الآن، يتم تقديم الدعم المادي للقوى والفصائل الخارجة عن القانون، باسم اعادة الإعمار» وهي إشارة إلى دعم الحشد الشعبي لفصائل مسلحة محلية تابعة لحزب العمال التركي المعارض الذي يفرض وجوده بالقوة في بعض مناطق شمال العراق.
وأشار البيان «إذا كانت وزيرة الهجرة ونظراؤها قلقون لهذا الحد على حياة النازحين، فليأتوا للعمل على تطبيع الوضع بسنجار» مشددا على «أن تنفيذ اتفاق سنجار هو الحل الوحيد لعودة النازحين إلى مناطقهم وتطبيع الوضع المعيشي لهم ولسكان المنطقة».
وتأكيدا لتصريحات وزيرة الهجرة دعا النائب السابق محمد سلمان، إلى منع النازحين من المشاركة في الانتخابات، لمنع استغلال وضعهم الإنساني من قبل القوى السياسية. وقال سلمان خلال استضافته في برنامج تلفزيوني رمضاني، إن «المشكلة ليست مع قانون الانتخابات بل عدم السيطرة على منع التزوير» مؤكدا على أنه «يجب منع مشاركة النازحين في الانتخابات لعدم استغلال وضعهم الإنساني من قبل بعض الأحزاب المتنفذة في السلطة».
وكان المركز المشترك لتنسيق الأزمات بوزارة داخلية إقليم كردستان، قد أعلن بنهاية الشهر الماضي، عن وجود 931 ألف نازح ولاجئ، في إقليم كردستان، 665 ألفا منهم نازحون من داخل العراق، كذلك وجود 36 مخيماً للنازحين، وان 74 في المئة من النازحين يسكنون داخل مدن إقليم كردستان.

عرقلة عودة النازحين

وفي هذا السياق ، تصاعدت اتهامات من السياسيين السنة لحكومة محمد السوداني بعدم تنفيذ اتفاق تشكيل الحكومة الذي تضمن تعهد أحزاب السلطة، بحل أزمة النازحين وإعادتهم إلى ديارهم الأصلية التي تركوها قبل نحو ثماني سنوات.
النائب سالم العيساوي كشف في لقاء متلفز، أن هناك اتفاقا بشأن نازحي جرف الصخر في بابل والعوجة في صلاح الدين ومناطق أخرى، ضمن التوافقات على تشكيل حكومة محمد السوداني، كاشفا أن « قائد حزب الدعوة نوري المالكي وزعيم ميليشيا العصائب قيس الخزعلي وافقا على ذلك في وثيقة موقعة منهما». مشددا أن «قوى الإطار» الشيعية تعهدت بتمرير قانون العفو العام وحل أزمة النازحين والمهجرين، وقد مضى على الاتفاق نحو 5 أشهر دون تنفيذ هذا التعهد.
وبدوره تحدث رئيس تحالف السيادة خميس الخنجر في أحد المساجد في رمضان قائلا، إنه «لن يمر العيد دون إقرار قانون العفو العام، وسنصلي في جرف الصخر قريبا، ونطالب نهارا جهارا بإخراج الحشود من مناطقنا». وهي إشارة إلى فصائل مسلحة تعارض عودة نازحي جرف الصخر بحجة تعاونهم مع داعش عندما سيطر على المنطقة عام 2014.
وبالنسبة لنازحي جرف الصخر في بابل، ذكر المتحدث باسم وزارة الهجرة، علي جهاكير، أن «البرنامج الحكومي نص صراحة على موضوع نازحي جرف الصخر، وأن هناك جهدا تقوم به وزيرة الهجرة بالتواصل مع أصحاب الشأن والقرار» مبينا أن «أعداد نازحي جرف الصخر أكثر من 7500 عائلة، وبعضهم يسكن في عامرية الفلوجة بمحافظة الأنبار، وجزء منهم في المسيب وبابل، وقسم آخر في مخيمات السليمانية».
أما نازحو سنجار غرب الموصل فقد كشفت النائبة الإيزيدية فيان دخيل، في لقاء متلفز «أن وجود قوات الحشد الشعبي وحزب العمال التركي، في سنجار يحول دون عودة النازحين إلى مناطقهم هناك، رغم مضي نحو ثمان سنوات على النزوح». وأشارت إلى «تواجد شخصيات إيرانية تزور سنجار وتتحدث مع الأهالي، وأن قياديا في الحشد الشعبي أبلغها رغبتهم في البقاء في المنطقة لعشر سنوات قادمة» حسب قولها. وطالبت النائبة بإبعاد أية قوة غير الجيش والشرطة عن المنطقة لتمكين النازحين من العودة إلى ديارهم. وتعد سنجار نقطة اتصال مهمة للحشد الشعبي على الحدود العراقية السورية.

النازحون بين العودة
أو الاستقرار

ويبدو أن معاناة النازحين في المخيمات لن تنتهي قريبا وسط تناقض المواقف الحكومية بين إعلان الرغبة بعودتهم إلى مناطقهم، ومن جهة أخرى منح بعضهم الموافقات للاستقرار في المحافظات التي نزحوا إليها، إضافة إلى محاولة إجبار بعضهم على العودة إلى مناطقهم المدمرة.
ورغم إعلان وزارة الهجرة والمهجرين التزامها ببرنامج الحكومة، لإعادة جميع النازحين إلى مناطقهم خلال ستة أشهر، فإن الوزارة والسلطات منحت موافقات لآلاف النازحين للاستقرار في المحافظات التي نزحوا إليها.
فقد أعلنت وزارة الهجرة والمهجرين أن فرع الوزارة في محافظة كربلاء سجل 1941 أسرة نازحة اندمجت في المجتمع الكربلائي، فيما أعلن مدير دائرة الهجرة والمهجرين في خانقين في ديالى علي غازي «الموافقة على اندماج أكثر من 7000 أسرة نازحة في قضاء خانقين، ضمن خطة حكومية لإنهاء ملف النزوح، لتنفيذ مشروع اندماج الأسر النازحة في خانقين» مبيناً أن «الاندماج ينص على بقاء النازح في منطقة النزوح أو تخييره بالعودة الطوعية أو اختيار مناطق ثالثة للسكن».
ومن جهة أخرى، وضمن محاولات إجبار النازحين على العودة إلى مناطقهم الأصلية، قامت وزارة التربية الاتحادية بإلغاء مدارسها في مخيمات النازحين في إقليم كردستان، لإجبار سكانها على العودة إلى مناطقهم المحررة (المدمرة) وخاصة الموصل. وردا على ذلك، نظم سكان بعض مخيمات الإقليم، تظاهرات احتجاج في أربيل بسبب توقيت القرار حيث ان الطلبة الآن في منتصف العام الدراسي ويصعب نقلهم، كما ان مناطقهم الأصلية مدمرة وغير صالحة للسكن وينقصها الأمان والخدمات.

اهتمام دولي
بملف النازحين

ونظرا لتداخل ملف النازحين في العراق ووجود نازحين عراقيين وأجانب في المخيمات، فإن المجتمع الدولي أبدى اهتماما بالغا بحل هذا الملف وانهاء آثاره الإنسانية والأمنية السلبية.
ومن أجل ذلك، جدد العراق، «دعوة دول العالم لاستلام الأطفال غير العراقيين من امهاتهم النزيلات (زوجات الدواعش) في مخيمات وسجون البلاد، وكذلك استلام النساء اللائي انتهت مدة سجنهن وإعادتهن إلى دولهن». وتقوم الحكومة العراقية بتزويد السفارات داخل العراق بالمعلومات الخاصة بالأطفال والنساء العائدين لها، ليتم إكمال الإجراءات الإدارية والقانونية والمباشرة بنقلهم من العراق إلى دولهم.
وفي هذا السياق، أعادت الزيارة الأخيرة للأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش إلى مخيمات النازحين في الموصل في اذار/مارس الماضي، إلى الواجهة مأساة ومعاناة النازحين ومخاطر إهمال أوضاعهم.
وقال غوتيريش، خلال الزيارة، إن زيارته إلى محافظة نينوى وبالتحديد مركز الجدعة للتأهيل المجتمعي، تمثل أهمية كبيرة، للإطلاع على أوضاع النازحين مشيرا إلى أن «أغلب هؤلاء النازحين هم من النساء والأطفال». وأكد دعمه الكامل لجهود العراق في إعادة النازحين العراقيين، داعيا بقية الدول إلى أخذ دورها وإعادة رعاياها من المخيمات. ويضم مخيم الجدعة في الموصل، عائلات الدواعش اللواتي تم جلبهن مع أطفالهن من مخيم الهول في سوريا.
وكانت وزيرة الخارجية الألمانية انالينا بربيوك، والنجمة العالمية انجلينا جولي وشخصيات عالمية أخرى، قاموا مؤخرا بزيارات إلى بغداد والإقليم للاطلاع على أوضاع مخيمات النازحين شمال العراق، وللتعرف على أوضاع النازحين داخليا، مع الإعراب عن التضامن مع النازحين والدعوة إلى ضرورة إنهاء معاناتهم.

أمراض نفسية للنازحين

وفي تعبير عن الاهتمام الدولي بتداعيات النزوح والعيش في مخيمات النازحين، أجرت منظمة الهجرة الدولية دراسة ميدانية للاطلاع على أوضاع النازحين في شمال العراق، حيث أظهرت الدراسة ان 85 في المئة منهم يعانون من أمراض نفسية واضطرابات مختلفة الشدة من بين أهم أسبابها ظروف النزوح والافتقار إلى الخدمات الأساسية وتجارب صعبة عاشوها قبل وأثناء النزوح وكذلك بعد العودة إلى ديارهم فضلا عن فقدان أفراد من عوائلهم أثناء الحرب.
وذكرت المنظمة في تقريرها، أن «الاستنتاجات التي أوضحتها الدراسة تحتم ضرورة تقديم خدمات علاج وإسناد نفسي للمتضررين من أجل تحسين وضعهم الحياتي مع الحاجة لتوفير الأمن والاستقرار لهم وتحديد مواطن ضعف الحالة الاقتصادية المجتمعية لديهم والتحديات الأمنية لغرض تجاوزها وتحسين أوضاعهم».
وأضاف التقرير، أن «إحدى النازحات قالت: عدت إلى منطقة سكناي الأصلية ووجدت بيتي قد تم تدميره، فيما قال شخص آخر: نواجه تحديات أمنية من كل جانب وليست هناك خدمات في مناطقنا التي عدنا إليها».
ونوه، إلى أن «65 في المئة من العوائل التي لديها أطفال عبروا عن قلقهم إزاء سلامة أطفالهم وكذلك التحديات المتعلقة بتربية أطفالهم وتعليمهم وصحتهم وكل أنواع الحماية ضد العنف».
ويواصل التقرير، أن «56 في المئة من المشاركين بالاستطلاع ذكروا ان الوضع الاقتصادي المجتمعي والأمن والاستقرار هو من أهم المتطلبات بالنسبة لعوائلهم» فيما أبدى 30 في المئة منهم رغبتهم بالتعليم وإكمال دراستهم أو دعم أفراد عوائلهم وبالأخص الأطفال من أجل إكمال ومواصلة دراستهم، إضافة إلى الرغبة بالحصول على فرص عمل أفضل لتحقيق استقرارهم في البلد وتحسن وضعهم النفسي والذهني».
وبالرغم من إعلان الحكومة العراقية تعهدها بغلق المخيمات وإعادة جميع النازحين إلى مدنهم التي اجبروا على تركها، فلا شك أن معاناة النازحين التي مر عليها أكثر من ثماني سنوات، لن تجد حلا قريبا، لأن أسبابها ما زالت موجودة، حيث تواصل قوى سياسية متنفذة، استغلال ورقة النازحين في كسب أصوات انتخابية، كما ترفض قوى سياسية أخرى وميليشيات، عودة النازحين إلى مناطقهم المدمرة بحجة تعاون بعضهم مع «داعش» إلا أن الهدف الحقيقي هو تنفيذ أجندات سياسية وطائفية محلية وإقليمية بالسيطرة على بعض المناطق الحيوية في العراق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية