هشام نفاع
يزداد مؤخرا طرح السؤال التالي: هل توجد أجندة أمريكية جديدة لمنطقة الشرق الأوسط؟ ويُعزي هذا الي ما واجهته من فشل ذريع في العراق. بكثير من الحذر، ولكن بكثير من التمعّن أيضا، يصحّ التوقف عند هذا السؤال. يكاد الجواب يأتي تلقائيا بالرفض. فأمريكا هي أمريكا، يقول المرء، ولا تزال تنغّصنا بنفس ممارسات سادتها القبيحة. يُقال هذا لشدة وضوح السياسة الأمريكية التي تتألف من مصالح (ومصالح أخري) لا غير. ولكن، الي جانب هذا، بل بفعل ما يختفي خلفه، ربما يجب النظر في مفهوم المصالح مجددا لرؤية ما إذا كان هناك أي جديد، ولو بأكثر المفاهيم نسبيّة.
قد نحتاج لذلك قراءة ما ورد في وثيقة سياسية أوروبية، رغم الحاجة في التغاضي عن حقيقة النفاق الأوروبي. فهؤلاء السادة الأوروبيون عجيبون. لا يوجد مثلهم في الكلام المعسول، أما الأفعال فهي كما يُقال بالتّركية: يوك. ففي السنوات الأخيرة مثلا اقترف جهاز الاحتلال الاسرائيلي جرائم حرب وارهاب رسمية بشعة، دأب خلالها علي رفع سقف البشاعة بانتظام. فماذا فعل الأوروبيون الرسميون؟ لا شيء. ثرثروا وبربروا ونقنقوا، بلا نتيجة.
لكن ما قيل أعلاه، عملا بوجوب مبدأ إعادة النظر، لا يمنع التوقّف عند ما يلي: هذا الشهر خلُص تقرير رسميّ أعدّه خبراء أوروبيون في شؤون الشرق الأوسط وضمّنوه توقعاتهم للسنة المقبلة 2008 الي أن هناك خلافا جديا بين اسرائيل وبين الولايات المتحدة حول التسوية الشرق أوسطيّة. وعلي الرغم من أنه يُتوقَّع من كل فلسطيني طبيعي أن يبتسم ساخرا من هذا التقدير، فإن التقرير يقول إن واشنطن تريد التوصّل إلي نتيجة كونها تريد تقديم مكاسب ملموسة إلي حلفائها في المنطقة. أي زعماء أنظمة النفط وغيرهم. فالولايات المتحدة تعرف ضمنا ـ بموجب التقرير نفسه ـ أن المبادرة العربية هي أقصي ما تستطيع انتزاعه من الدول العربية كقاعدة متفق عليها من جميع الزعماء العرب لبدء النقاش حول تسوية نهائية.
في هذا الإطار يصحّ استعادة الصمت الأمريكي الموافِق علي هذه المبادرة، وذلك بانتظار قضم بعض عناصرها كما يبدو. وقد تكون أولي خطوات القضم تكمن فيما نسبه سياسيون اسرائيليون الي الملك الأردني عبد الله، بعد لقائه الأسبوع الماضي، بخصوص استبدال حق عودة اللاجئين الفلسطينيين بـ حق التعويضات. عمّان من جهتها نفت بل بالغت في النفي، لكن ألعاب التصريح والنفي هي جزء من اللعبة.
علي الرغم من احتمالات القراءة المتفائلة، تسرّعا، فإن التقرير الأوروبي من تلقاء نفسه يدفع المرء الي الميل نحو التشاؤم الواقعي بسبب وجوب رؤية الجانب المعتم من القمر، وليس الاكتفاء بالجلوس تحته وقرض الشعر فيه. ذلك لأن التقرير يري بصدد موضوع عودة اللاجئين أنه ليس من خلاف جوهري عليه، لأن تمسّك العرب به يرمي إلي تثبيت هذا الحق معنويا، وبالتالي الحصول علي تعويضات وعلي مساعدات للاجئين الفلسطينيين تسمح بتجميع القسم الأكبر منهم في الدولة الفلسطينية العتيدة مع إعطاء حق العودة لعدد منهم لأسباب عائلية، أو بتوطين جزء منهم في الدول العربية. حتي الآن لم تخرج قضية حقوق اللاجئين الفلسطينيين من حدود الشعار والشعار المناقض. وأعتقد أنه يجب التوقّف عند جميع الشعارات التي تُسوَّق في سياق حقوق اللاجئين. ولربما أن إحدي الوقفات الجديّة تتحقّق عبر استعادة ما كتبه المفكر الماركسي السوري صادق جلال العظم قبل أكثر من ثلاثة عقود ونصف. كان ذلك في سياق آخر متّصل، لكنه لا يزال صحيحا.
ففي كتابه دراسات يسارية حول القضية الفلسطينية (دار الطليعة، 1970) يتوقّف عند شعار تحرير فلسطين علي ألسنة الأنظمة العربية. فيقول: بقي هذا الشعار علي امتداد العشرين سنة الماضية فكرة غامضة مقدسة محاطة بهالة من الاجلال والوقار بحيث لم يكن مسموحا بمناقشتها بصورة جدية أو إخضاعها للنقد الموضوعي أو حتي شرح تفاصيلها ومعانيها علي صعيد الممارسة والواقع والمستقبل. (…) وأعني بذلك أن التحرير كان يثير صورة في مخيلة الناس تفيد دخول الجيوش العربية الي اسرائيل دخول الفاتحين يقوم بعدها كل فلسطيني بنفض الغبار عن أوراقه القديمة، ثم يذهب الي الفاتح العربي ليبرز له صكا يثبت له ملكيته لهذه الدار أو تلك الأرض، فيقوم المنتصر بإعادة الحق الي أصحابه وكأن شيئا لم يكن.
ويتابع العظم هناك: بعبارة أخري ظلّت فكرة التحرير غارقة في غموضها وسذاجتها وقدسيتها الي أن جاءت هزيمة 1967. (…) كان لصمت القيادات العربية حول موضوع التحرير ومحتواه، ولابتعاد التنظيمات السياسية والحزبية العربية عن تشجيع الوضوح قي فهم المحتوي الواقعي والتاريخي لشعار التحرير أكبر الأثر في ترسيخ هذا الوهم وتكريسه في أذهان الجماهير، وتثبيته في وجدانها ومشاعرها عن طريق استخدام الشعار باستمرار من ناحية وعدم مناقشته أو شرحه من ناحية أخري، وهذه هي الديماغوجية بعينها. في هذا الاقتباس أعلاه، يكفي استبدال مفهوم التحرير بمفهوم حق العودة لنري أن شيئا لم يتغيّر لدي هذه الزعامات العربيّة. والخطورة في عموميّة الشعارات أنه يصبح بالإمكان الابتعاد عنها في شتي الاتجاهات مهما تناقضت، بخفّة شديدة السهولة، وفقا للمصالح. حاليا، لا تزال الطروحات العربية الرسمية جميعها ضبابيّة، علي الرغم من اختلاف لهجة قمة الرياض. لقد سادنا منها إعجابٌ وعجبٌ مع وقف التنفيذ، لكننا بانتظار التطبيق والممارسة. وحتي لو اقتربت الشعارات من بعض الوضوح فإن الخشية هي من أن يظلّ الظل الأمريكي مسيطرا عليها. قد تتفاوت قتامة هذا الظل بين سقوطه علي جريء وأقلّ جرأة منه؛ أو علي زعيم خَنوع وآخر أقلّ خنوعا منه، ولكن علي الرغم من جميع التقسيمات الأمريكية اللئيمة الي معتدلين ومتطرفين تظل الأشياء سيّالة. تتحرك بوتيرة الكُثبان الصحراوية التي يمكن إزاحتها بقبضة أمريكية واحدة. في مقال أخير للمفكر التقدمي نوعام تشومسكي حول التوجه الامريكي نحو ايران قال: بالنسبة إلي الولايات المتّحدة، كانت المسألة الأساسية في الشرق الأوسط، ولا تزال، هي السيطرة الفعليّة علي موارده التي لا تضاهي في مجال الطاقة. أمّا الوصول إليها فمسألة ثانوية. عندما يصبح النفط في البحار، يمكن أن يذهب إلي أيّ مكان. من المعروف أنّ السيطرة هي أداة للهيمنة العالمية. إذن فقد تسعي واشنطن الي شتي الطّرق: عملية سياسيّة متخيّلة؛ تلوين سراب أخضر في أفق صحاري العرب؛ التظاهُر بالسّعي الي ايجاد مخارج وحلول وانفراجات وتهدئات وهُدنات… لكن كل ذلك هو مجرّد وسائل قد تتعدّد وتختلف لكنها تظل مُستغلّة لخدمة الهدف الأكبر: الهيمنة.
قلنا في البداية مصالح؟ نعم. ليس غريبا أن تقتضي المصلحة تهدئة في حدود ما. ضبطٌ للنيران علي ارتفاع محسوب للّهيب. أو حتي إثارة آمال قابلة للضبط، بالضبط مثل الفوضي البنّاءة القابلة للضبط. لكن كل هذا سيصبح أفيونا مخدّرا في حال تم نسيان الجوهر: سعي أمريكا الرسمية الدائم الي الهيمنة.
فمرساة السياسة الأمريكية لا تزال هي نفسها، وهي تغوص عميقا في آبار النفط. قد يبدو وقد يكون فعلا أن الرياح تجري بما لا تشتهيه سفن الأسطول السادس أحيانا، وعليه ربما يقرّر سادة البيت الأبيض القيام بعمليّات تبدو تغييرية، لكنها لن تزيد عن كونها عمليات تجميل. في جميع الأحوال سيظلّ من الخطير اعتماد مواقف سياسية استنادا الي مصاعب الأسطول السادس وسط عواصف موسميّة هنا وهناك. وطالما لم يتمّ التحرّك وفقا لرياح نفَس الشعوب ومصالحها، فإن التغيير سيظل متخيّلا ليس أكثر. ومع أنظمة العرب هذه، لا نفَس ولا متنفّس للشعوب ومصالحها.