زعماء العالم خلال قمة الناتو في بروكسل
إسطنبول- “القدس العربي”: تبدي أنقرة تفاؤلا بإمكانية التوصل إلى اتفاق قريب لتحديث اتفاقية اللجوء الموقعة بين تركيا والاتحاد الأوروبي منذ عام 2016، فيما يحذوها تفاؤل أكبر بإمكانية استئناف مباحثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي المتوقفة منذ سنوات والمتعثرة منذ عقود، وذلك في ظل الأجواء الإيجابية النسبية التي تسود العلاقات بين الجانبين في الأسابيع الأخيرة، مع تراجع التوتر شرق المتوسط، بالإضافة إلى الأجواء الإيجابية التي شكلتها سلسلة قمم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع زعماء بالاتحاد الأوروبي على هامش قمة الناتو، الأسبوع الماضي.
وفي نهاية عام 2020 وبداية 2021، وصلت العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي إلى مرحلة هي الأسوأ على الإطلاق، وذلك نتيجة تراكم كم كبير من الخلافات التي ترتبت على التدخل العسكري التركي في ليبيا وقره باغ بأذربيجان، وما سبقها من عمليات الجيش التركي ضد الوحدات الكردية في سوريا، والتوتر الذي كاد إلى يتحول لصدام عسكري مع فرنسا قرب سواحل ليبيا ومع اليونان حول ملف شرق المتوسط، والخلافات العميقة مع اليونان وقبرص، وقضايا الحقوق والديمقراطية الداخلية في تركيا وغيرها الكثير من الملفات.
وبعد أن وصلت الأزمة إلى ذروتها بين الجانبين وسط خشية حقيقية من حصول صدام عسكري بين تركيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي وعقب فرض عقوبات من قبل الاتحاد على تركيا، بدأ الجانبان بتغليب لغة الحوار وجرت مساعي مختلفة بقيادة الناتو لمنع صدام عسكري بين تركيا واليونان وجهود ألمانيا، التي نجحت بإعادة الجانبين للمباحثات الاستكشافية والخطوات المختلفة التي ساهمت بعودة الهدوء لشرق المتوسط وتراجع التحركات العسكرية والتصريحات النارية التي سادت لأشهر ، قبل أن تحل محلها اللقاءات الدبلوماسية والتصريحات الإيجابية.
وعلى مدار يومي الخميس والجمعة، سيجتمع زعماء الاتحاد الأوروبي لبحث العديد من الملفات، أبرزها ما يتعلق بإقرار حزمة مالية جديدة لدعم اللاجئين السوريين في تركيا، وإمكانية العودة لاستئناف مباحثات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي في محاولة للبناء على الأجواء الإيجابية التي سادت مؤخراً، وسط خلافات داخل أطر الاتحاد على هذا التوجه رغم الاجماع على ضرورة مراكمة الخطوات الإيجابية مع تركيا لتجنب الصدام وهو ما يخدم مصالح الاتحاد الأوروبي لا سيما في ملفات الأمن والهجرة.
وفي إطار مواقفها التقليدية، تقود ألمانيا معسكراً داخل الاتحاد الأوروبي يدعم الحوار مع تركيا بقوة ويدفع باتجاه إحراز تقدم في ملف اتفاقية الهجرة والعودة لمسار انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي من أجل “احتواء تركيا”، وسط قناعة بعدم جدوى الصدام وسياسة العقوبات التي لم تحقق أي نتائج في السابق ودفعت نحو تفجر العلاقات بين الجانبين. في المقابل قادت في السنة الأخيرة فرنسا واليونان معسكراً يدعم التصعيد مع تركيا وفرض عقوبات “مؤثرة” على أنقرة بسبب سياساتها في شرق المتوسط.
وعلى الرغم من المواقف المتشددة لفرنسا واليونان طول الأشهر الماضية بشكل خاص، إلا أنه لا يعرف ما إن كانت اللقاءات التي أجراها زعيما البلدين مع الرئيس التركي، على هامش قمة الناتو في بروكسل قبل أيام والتي وصفت بـ”الإيجابية والبناءة”، قد أسست لتغيير حقيقي قد يدفع نحو دعم خطط تحديث اتفاقية اللجوء واستئناف مباحثات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي خلال القمة الحالية.
وخلال قمة الناتو الأخيرة، التقى أردوغان المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكي، وما سبقها من قمم عبر الفيديو كونفرنس مع ميركل وماكرون إلى جانب الزيارات المتبادلة لوزيري خارجية تركيا واليونان واللقاءات بين قادة تركيا ومسؤولي الاتحاد الأوروبي التي تكثف مؤخراً في محاولة للبناء على الأجواء الإيجابية السائدة.
وفيما يتعلق بملف اللاجئين، تطالب تركيا بتحديث الاتفاقية التي تقول إنها باتت لا تتلاءم مع الظروف الحالية للاجئين ويتوجب إعادة النظر في بنودها وخاصة فيما يتعلق بالدعم المالي المقدم لهم في تركيا وتعامل اليونان معهم وتفاصيل إعادة تفعيل اتفاقية إعادة القبول الموقعة مع اليونان أيضاً. وقد نقلت وكالة رويترز عن دبلوماسيين أوروبيين القول إن الاتحاد الأوروبي يبحث منح تركيا 3.5 مليار يورو (4.18 مليار دولار) لتمويل استمرارها في استضافة اللاجئين السوريين البالغ عددهم قرابة 4 ملايين حتى عام 2024 في إطار خطة أوسع نطاقا لدعم اللاجئين في أماكنهم لمنع هجرتهم لدول التكتل.
وعلى الرغم من أن مبدأ تخصيص مبالغ مالية جديدة قد يؤسس لتحديث اتفاقية اللاجئين، إلا أن مسودة القرار تنص على تقديم المساعدات بشكل مباشر وهو ما تعارضه أنقرة التي تصر على أنها تصرف هذه الأموال على اللاجئين وأنها لا تكفي مقارنة بما صرفته عليهم طوال السنوات الماضية والذي تقدره بملغ 40 مليار دولار.
كما أن هذا الملف لا يوجد عليه إجماع بعد داخل أطر الاتحاد في ظل معارضة بعض الدول منح أموال لتركيا بسبب خلافات متعددة معها والاتهامات لأنقرة باستخدام ملف اللاجئين كورقة ضغط، كما أنه وعلى خلاف حزمة تمويل سابقة بستة مليارات يورو دفعت جزءا منها حكومات في الاتحاد الأوروبي بشكل مباشر، سيأتي التمويل هذه المرة بالكامل من الميزانية المشتركة للتكتل وبالتالي يتعين على البرلمان الأوروبي إقرارها وهو ما يزيد من حجم التعقيدات.
وفي ملف آخر، تشير مسودة البيان النهائي للقمة أن زعماء الاتحاد الأوروبي سيسعون لإحياء محادثات انضمام تركيا للتكتل وذلك من خلال إبداء “استعداد الاتحاد الأوروبي للتواصل مع تركيا لتعزيز التعاون في عدد من مجالات الاهتمام المشترك”، حيث ترغب أنقرة في البحث في العديد من الملفات أبرزها ما يتعلق بتحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي والموافقة على رفع التأشيرة عن دخول المواطنين الأتراك لدول الاتحاد.
وعلى الرغم من أنه لا يتوقع أي اختراق حقيقي في مباحثات الانضمام، إلا أن الجانبين يعتبران استئناف المباحثات فرصة للبناء على الأجواء الإيجابية السائدة حالياً إلى جانب إمكانية تحقيق بعض التقدم، ولو في ملفات جزئية متعلقة بالتأشيرة والتبادل التجاري، دون أي آمال واسعة بتحقيق تقدم حقيقي في ملف الانضمام بشكل مباشر، كما ترى دول أوروبية في المباحثات فرصة لإعادة أنقرة لتقديم خطوات في مسار الحقوق والحريات والديمقراطية.
وفي كلمة لها أمام البرلمان الألماني، الأربعاء، دعت ميركل لتسريع عملية الحوار بين الاتحاد الأوروبي وتركيا من أجل تحقيق تقدم قائم على المصالح المشتركة، وطلبت ميركل من المجلس الأوروبي والمفوضية تقديم مقترحات من أجل بناء شراكات مع دول محورية في مسألة الهجرة. وقالت المستشارة الألمانية “من الواضح أنّ مشاكل الهجرة لا يمكن حلها إلا مع تركيا وعبر الحوار”، مؤكدة على ضرورة تحقيق تقدم على صعيد التعاون الاستراتيجي مع تركيا على الرغم من اختلاف وجهات النظر في مسائل “دولة القانون” و”الحقوق الأساسية”.