أجواء إيجابية تدفع نحو المصالحة الخليجية التزاماً بالمبادرة الكويتية … وأطراف تسعى لعرقلة المسار

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

الدوحة ـ «القدس العربي»: يترقب المتابعون للشأن الخليجي ما ستسفر عنه جهود الكويت الفترة المقبلة، في حلحلة الأزمة وإحداث اختراق يساهم في تبديد الخلافات، في وقت يرى مراقبون أن أطرافاً ما تزال تعرقل أي مسعى يصب في اتجاه طي الصفحة.
وظهرت المواقف السعودية والقطرية تصالحية، وفتحت المجال لتلمس خيط أمل، وتحقيق تقدم في الملف الشائك الذي أشعل فتيله دونالد ترامب الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، وجاريد كوشنر صهره وكبير مستشاريه. وكانت قطر السباقة لتأييدها جهود الكويت، وعبرت لحظات بعد إعلان الشيخ أحمد ناصر الصباح وزير خارجيتها بياناً، تحدث فيه عن توجه نحو تحقيق المصالحة، وقال الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية أن “إعلان الكويت عن المصالحة خطوة مهمة نحو حل الأزمة الخليجية”.
كما وجه الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر، الشكر لأمير الكويت نواف الأحمد الصباح، وسلطان عُمان، هيثم بن طارق، لجهودهما في دفع عجلة المصالحة الخليجية، تزامناً مع حراك متصاعد لحل الأزمة.
وتؤكد مصادر أن الدوحة عبرت عن انفتاحها لأي مصالحة، طالما لم تكن مشروطة، وأبدت نيتها تجاوز الخلافات، طالما استندت على رغبة حقيقية، ولم تكن مجرد مناورات. وتأتي هذه التأكيدات، متناغمة مع التصريحات القطرية أن الدوحة تسعى لرأب الصدع في البيت الخليجي، ولا ترفض أي مسعى تصالحي.
ولاحقاً شكر فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، الكويت لجهودها في تقريب وجهات النظر. وكشف في منتدى المتوسط عن تقدم ملحوظ بحل الأزمة أملاً أن يُفضي التطور لاتفاق.
وفسر متابعون هذا التطور والتأكيد على وجود نوع من التفاهم بين السعودية والدول الثلاث للمضي باتجاه إنجاز الاتفاق النهائي، بوساطة مشتركة كويتية أمريكية، بين قطر من جهة، والسعودية “نيابة عن الجميع” من جهة أخرى، أي عبر “التنسيق السعودي الكامل مع الشركاء” حسب الوزير السعودي في تصريحات نقلتها “فرانس برس”.
وكشفت بعض التسريبات انطلاقاً من الكويت راعية المصالحة، عن توافق لعقد القمة الخليجية المقبلة في الرياض، بدلاً من المنامة، والإعلان عن إطفاء نيران الخلافات، وبدء صفحة جديدة، على ضوء توافقات جديدة لطي صفحة الماضي. ولم تتأكد حتى الآن المعلومات المتواترة عن قمة الرياض، حيث أن القمة يفترض أن تُعقد هذا الشهر. لكن المصادر الكويتية تتحدث عن تأجيل لمطلع السنة المقبلة أي كانون الثاني/يناير 2021. وستكون المرة الأولى التي تتأجل فيها القمة الخليجية ولا تعقد في موعدها، وهي سابقة في مجلس التعاون.

مخاوف من نسف جهود الصلح

وأمام الأجواء الإيجابية التي كشفتها مصادر وأكدتها لـ”القدس العربي” تدور مخاوف من محاولات أطراف نسف تلك الجهود، وإفشال مساعي حل الأزمة.
وتقرأ تصريحات مقربين من ديوان ولي عهد أبو ظبي حاكم الإمارات الفعلي الشيخ محمد بن زايد، في سياق سعي الأطراف المحسوبة عليه لعرقلة المساعي الرامية للصلح.
ومؤخراً خرج الأكاديمي عبد الخالق عبد الله مستشار بن زايد بالقول إن المصالحة الخليجية لن تتحرك دون موافقة ومباركة أبو ظبي. وكتب بلغة مباشرة: “لن يتحرك قطار المصالحة الخليجية مليمتراً واحداً بدون علم وبدون موافقة وبدون مباركة الإمارات المسبقة”. واعتُبر ما كتب الأكاديمي المعروف بقربه من ديوان الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي وحاكم الإمارات الفعلي، أنها محاولة لنسف جهود المصالحة الخليجية التي ترعاها الكويت. وحتى الآن التزمت الإمارات الصمت ولم تبدِ حماساً ولم تشارك في ردود الفعل الإيجابية، باستثناء تصريح أنور قرقاش وزير الدولة للخارجية الذي عبر بلغة دبلوماسية عن تفاؤل لتجاوز الخلافات، بدون تأكيدات على نية أبو ظبي الحقيقية ركوب قطار المصالحة.
وأكدت مجلة “إيكونوميست” في أحدث تقرير لها عن المصالحة الخليجية، المعلومات المتداولة عن محاولات الإمارات نسف الجهد. وما قالت إنه “خلاف تحاول دول الخليج تقديمه بصورة جيدة” مع أن النهاية الحقيقية له لا تزال بعيدة.
وترى المجلة أن العداء في الخليج يبدو مستحكماً. واعتبرت أن زيارة مستشار وصهر الرئيس دونالد ترامب، جاريد كوشنر، لكل من قطر والسعودية للدفع باتجاه تسوية، ليست كافية. واعتبرت أن تصريح وزير الخارجية السعودي لاحقاً إن صفقة باتت على مرمى حجر، وصدرت أصوات مشجعة من القطريين، لا تحقق وحدها الهدف المنشود. وأكدت المجلة أنه حتى لو كانت هناك وعود لدفن الخلافات، لا تزال المصالحة بعيدة.
وبحسب تقرير الإيكونوميست يريد الأمريكيون من الرباعي العربي بدء المصالحة بفتح الأجواء أمام الطيران القطري، وهو ما يصلح الحصار الذي أحدث ضرراً بالنفس. فدول الحصار تريد من قطر قطع علاقاتها مع إيران، لكنهم وبإجبار عشرات الطائرات القطرية على التحليق فوق الأجواء الإيرانية، قدموا هدية لطهران بالملايين كرسوم على استخدام الأجواء.
وفتح الأجواء سيكون تقدماً ولكنه ليس مصالحة. ولم يمنح كوشنر الذي سيغادر البيت الأبيض الشهر المقبل ما يمكن أن يسرع بصفقة.

المنامة تغرد خارج مسار المصالحة

يطرح مراقبون علامات استفهام على سر طرح المنامة خلافات قديمة على طاولة النقاش، والنبش في أزمات سابقة طويت صفحتها سنوات خلت.
وتتحرك البحرين في كل الاتجاهات نحو تصعيد أزمتها الحالية مع قطر، ضمن مساع لتقويض جهود المصالحة الخليجية التي ترعاها الكويت بدعم أمريكي، في تحول يهدف لتنفيذ أجندة أبو ظبي.
وكشفت عدة مصادر، أن مقربين من ديوان الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد البحريني ورئيس مجلس الوزراء، يتحركون في كل الاتجاهات لاختلاق وافتعال أزمة مع قطر، والنبش في خلافات سابقة وإعادة إحيائها، بالرغم من مناخ التصالح الذي عبرت عنه الدوحة، التزاماً مع مبادرة الكويت.
وتشهد العلاقات القطرية البحرينية خلافات جديدة حول الحدود البحرية عادت إلى صدارة المشهد بعد اعتراض زورقين بحريين من جانب أمن السواحل والحدود القطرية، وهو ما اعتبره وزير الخارجية البحريني “عدواناً عسكرياً قطرياً هدفه الابتزاز والاستفزاز السياسي”. وينم طرح هذه الاتهامات الجزافية في حق قطر، وترويج ادعاءات غير حقيقية عن موضوع الزورقين اللذين وضحت قطر ملابسات دخولهما مياهها الإقليمية، النوايا التي تبيتها الدوائر المقربة من أبو ظبي في المنامة.
ويطرح تحرك البحرين الأخير حول موضوع الخلافات الحدودية بالرغم من طي صفحته مخاوف من نسف جهود المصالحة. وتأتي هذه المناورات بالرغم من أن قرار محكمة العدل الدولية الصادر في  16 آذار/مارس 2001 كان منح البحرين السيادة على جزر حوار وجزيرة قطعة جرادة، بينما حصلت قطر على السيادة على جزر جنان وحداد جنان والزبارة وفشت الديبل. وفيما يتعلق بمرور السفن التجارية، فقد حكمت المحكمة بأن يكون للسفن التجارية القطرية حق المرور السلمي في المياه الإقليمية للبحرين الواقعة بين جزر حوار والبر البحريني.
ويومها رحّبت المنامة والدوحة بقرار محكمة العدل الدولية في لاهاي، وهو ما أنهى نزاعاً حدودياً استمر عدة عقود بين البحرين وقطر.
وتساءل متابعون عن سر توقيت فتح المقربين من ديوان ولي العهد البحريني هذه الملفات، بعد أن كانت الصفحة طويت نهائياً وتجاوز البلدان الأمر، حيث أنه بعد صدور القرار مباشرة، تواصل الملك البحريني مع أمير قطر، واتفقا على بدء صفحة جديدة والعمل سوياً من أجل تعزيز أواصر التعاون.

الرياض تبتعد قليلاً عن محور أبو ظبي

يعول المتفائلون بامكانيات تحقيق المصالحة الخليجية على حدوث شرخ في علاقة الرياض وأبو ظبي، في الفترة الأخيرة، مع تسجيل تباين في المواقف بشأن النفط. فقد عبّرت الإمارات عن إحباطها من الحد على الإنتاج الذي فرضته السعودية على الدول المنتجة والمصدرة للنفط. ويراهن المتابعون على تراجع المملكة عن التموقع مع الإمارات في الملفات، والنأي بنفسها عن التحركات التي يخطط لها محمد بن زايد.
وتكمن أهمية هذا التباين في المواقف، كون أبو ظبي كانت السبب في فشل محاولات سابقة لحلحلة الأزمة.
ويتذكر الخليجيون كيف أفسد ولي عهد أبو ظبي قمة الكويت التي راهن عليها أميرها الراحل الشيخ صباح الأحمد الصباح في 2017 حيث كان سقف التوقعات عالياً لعقد مصالحة حقيقية بين دول مجلس التعاون الخليجي. وبذل أمير الكويت الراحل آنذاك مسعى لعقد قمة تصالحية مع حضور الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، لكن تخلف عنها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي فضل الاجتماع مع حليفه يومها الشيخ محمد بن زايد في أبو ظبي، ونسف جهود الكويت.
ويحتفظ المتفائلون بنجاح الوساطة الأخيرة لحل الأزمة الخليجية بآمال ما زالت معقودة على امكانية تحقيق اختراق، والتقدم خطوة نحو الأمام، في ظل المؤشرات الإيجابية التي بعثتها الدوحة، والرسائل السعودية، التي تجمع على تجاوز صفحة الخلافات.
ويرى مراقبون أن هذه الفرصة الأخيرة في عهد دونالد ترامب الرئيس الأمريكي الذي يسعى جاهداً في أيامه الأخيرة في البيت الأبيض أن يضع حداً لخلافات أقرب حلفائه في المنطقة، وكانت عنوان عهدته الأبرز.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية