الدوحة ـ «القدس العربي»: يتميز المجتمع الخليجي عموماً، شأن العديد من الشعوب العربية والإسلامية الأخرى، بعاداته المتوارثة والمكتسبة في المناسبات. وفي رمضان تبرز بشدة مع الاستعدادات المسبقة لاستقباله، مع ما يرافقها من ترتيبات خاصة، وميزانية توفرها الأسر وحتى الحكومات. وتسبق الأجواء الرمضانية في شوارع الدوحة العاصمة القطرية، ومحلاتها ومراكزها التجارية، إعلان لجنة تحري الهلال التابعة لوزارة الأوقاف بداية الشهر الفضيل الذي يعد من المناسبات الدينية التي تحظى باحترام واسع، وطيلة هذا الشهر تُبرمج العديد من الفعاليات ويتلمس زائر الدوحة ومدن قطر الأخرى، حضور الشهر الفضيل الطاغي في كل مناحي الحياة.
تحتفل قطر مثل سائر الدول العربية أو الدول ذات الغالبية الإسلامية بالشهر الفضيل، وتتنوع مظاهر الاحتفال بين الجانب الديني والروحي والاجتماعي والاقتصادي والرياضي والترفيهي، حيث تلبي البرامج ذائقة الجميع.
وأعلنت وزارة الأوقاف تجهيز 2150 مسجدًا على مستوى الدولة لاستقبال المصلين في رمضان، حيث تشهد المساجد خلال الشهر أعدادا متزايدة من المصلين لأداء صلاة التراويح التي تعد من أبرز المظاهر التي تشكل يوميات الصائمين، ويحرص الآباء مرافقة أفراد أسرتهم جميعاً وغرس هذه العادة في قلوب الناشئة، كما تصلي النساء في المساجد أيضاً وتواظب على أداء التراويح والتهجد في الأيام الأخيرة من الشهر الفضيل.
ورمضان يسجل حضوره اليومي مع المدفع حيث يستعيد الناس أجواء تعودوا عليها كل سنة، مع طلقة المدفع إيذاناً بميقات الإفطار. وتنتشر في قطر عدد من المدافع، يوضع المدفع الحربي الأول في ساحة جامع محمد بن عبد الوهاب، وآخر في ساحة الحمام بسوق واقف التراثي، والثالث عند الواجهة الجنوبية في المؤسسة العامة للحيّ الثقافي كتارا، التي تحولت أحد أهم الوجهات في قطر. وتتوافد الأسر إلى هذه المواقع ويصطحب الأهل أطفالهم ليشهدوا إطلاق مدفع رمضان، ويلتقطوا معه وحوله الصور التذكارية، وقبيل موعد الأذان يتجمع كثيرون حول المدفع ويقتربون منه، ويتجمهرون حول ماسورته.
وتشرع العديد من الجمعيات الخيرية، منها قطر الخيرية مع مستهل الشهر الفضيل في تنفيذ مشاريعها الموسمية وتستهدف الحملة تقديم وجبات الإفطار ومؤونة رمضان لصالح الأسر المتعففة والعمال وتقديم المساعدات المختلفة للغارمين والأرامل والحالات الإنسانية والأيتام.
وتُنصب في مناطق مختلفة من قطر خيم رمضانية يقصدها آلاف العمال يومياً لتناول وجبات إفطارهم التي تحرص عديد الجهات على تأمينها، وهو ما يشكل بادرة يستحسنها كثيرون. وتعد المناسبة لتلك الفئات فرصة للتواصل مع أشخاص من بيئات مختلفة وتواصل اجتماعي يصنع أجواء مبهجة. وتواصل الجمعيات الخيرية ضمن حملتها الرمضانية مشروع «الإفطار المتنقل للعمال» توزيع وجبات إفطار الصائم على العمال داخل قطر. ويصل عدد المستفيدين منها أزيد من نصف مليون عامل طيلة الشهر الفضيل، ويستهدف المشروع توزيع وجبات إفطار متكاملة على العمال في مناطق مختلفة، ويأتي المشروع انطلاقًا من حرص الجمعيات الخيرية على تخفيف الأعباء المعيشية عن هذه الشريحة، وعرفانًا بدورها في الإسهام بتشييد البنية التحتية للبلاد، ورغبة في خلق علاقة تكافلية في المجتمع تقوية للنسيج الاجتماعي. ويدرك القائمون على المبادرة أن وقت العمال قد لا يسمح لهم بإعداد وجبات مماثلة بسبب أعباء العمل، وسعيًا لسد حاجتهم، وتقليل النفقات عليهم خلال الشهر الكريم. ويتمُّ توزيع الوجبات من خلال سيارات تصل إلى تجمعاتهم، في أماكن سكنهم، ومواقع عملهم في المناطق المختلفة. وموائد رمضان في الدوحة، لا تستهدف المسلمين فقط، بل تحرص العائلات والمؤسسات الخيرية على إعداد ولائم للعمال الأجانب من الديانات الأخرى. ولا تشترط تلك الخيم أن تستقبل المسلمين فقط، ما يسهم في إعطاء غير المسلمين فكرة عن أخلاقيات المجتمع المسلم في رمضان.
وتُشكّل الصحة والتعليم والتراث محور الأنشطة الرمضانية التي تنظمها العديد من الجهات والإدارات. وترحب المدينة التعليمية التي تعد من أبرز الجهات التي تهتم بتنظيم العديد من الفعاليات، بأفراد المجتمع من جميع أنحاء قطر للمشاركة في مجموعة من الفعاليات المصممة لتناسب كافة أفراد الأسرة، وتشمل البرامج التعليمية وأنشطة اللياقة البدنية، والمحاضرات الإسلامية.
فرحة الأطفال
ومع منتصف رمضان، تتوشح أحياء ومناطق العاصمة الدوحة ومدنها كافة بأزياء تراثية وملابس تقليدية مزركشة وتعمها صورة نمطية واحدة تمثلت في تجول الأطفال الصغار رفقة أهاليهم محملين بأكياس مليئة بالحلويات والمكسرات والهدايا في كل بيت يطرقرون بابه مرددين الأغاني المعروفة في احتفالات ليلة «القرنقعوه» المشهورة في دول الخليج بمسميات عدة والتي يحتفل بها سنويا مع منتصف رمضان. وفي الكويت ومناطق من السعودية تسمى قرقيعان، وهي قرقاعون في البحرين أو قرنقعوه في قطر، أما في عمان فأهل السلطنة يسمونها القرنقشوه، وفي الإمارات تسمى «حق الليلة» أما العراقيون فيسمونها الماجينة. والتسمية مشتقة من كلمة قرقعة أي إصدار أصوات من مواد صلبة وهي الأواني الحديدية التي تحمل فيها الحلويات يضرب الأطفال بعضها ببعض. كما أنها مشتقة أيضا من قرقعة، صوت المكسرات التي يتناولونها وهم يوزعون حصيلة ما قدم لهم. ويعد هذا التقليد السنوي، مناسبة تراثية يحاول الأجداد نقلها إلى أحفادهم والمحافظة عليها.
خيم رمضانية للإفطار والسمر
يشكل الإفطار خارج البيوت، ظاهرة ملحوظة في معظم دول الخليج، والمطاعم تتنافس في ما بينها لاستقطاب أكبر عدد من الزبائن، وتقدم بعضها عروضاً لمن يحجز له مكاناً طيلة الشهر الفضيل.
وتنتشر في قطر العديد من الخيم في الفنادق الفخمة التي تنظم يومياً وجبات إفطار وسحور لزبائن لديهم الامكانيات لتناول وجباتهم يومياً. وفي المساء قبل موعد الأذان تزدحم الخيم الرمضانية بالسائحين وسكان قطر، الذين يطلبون تناول المشروبات الرمضانية والإفطار في تلك الأجواء، وبعضهم يحرص على تدخين الشيشة (الأرجيلة) والاستماع إلى مقطوعات عزف العود، والآلات الموسيقية الشرقية.
وبالمقابل يحرص كثيرون على تناول إفطارهم في الحدائق العامة والشواطئ والبعض يقصد البر بعدته ويخيم هناك ويفطر ويسهر ويعود فجر اليوم الموالي.
وغالباً ما يكون رمضان في الخليج إلى جانب كونه شهر عبادات، فرصة لتعزيز التواصل الاجتماعي، وتكثر اللقاءات العائلية وتزداد وتيرة الزيارات للأهل والأقارب والأحباب. وعادة ما يجمع كبير العائلة أفراد أسرته وتلتقي أجيال مختلفة على سفرة واحدة، في لفتة تدخل البهجة والسرور لقلوب الناس خصوصاً كبار السن، الذين يحرصون على استمرارية اللقاءات لأفراد أسرهم.
أما الشباب منهم فتستهويهم، استعراضات السيارات التي تجوب بعض الشوارع الرئيسية، ويقبل عليها كثيرون. والجموع تصطف في طوابير طويلة، بعرباتهم من الماركات الحديثة، والعريقة، والقديمة والكلاسيكية.
واشتهرت الدوحة، وبعض المدن السعودية، والكويت، والعديد من المدن الخليجية، بهذه الاستعراضات التي تلقى إقبالاً واسعاً، ويحضرها جمهور غفير يعيش تلك الأجواء التي تستمر من بعد صلاة العصر، حتى موعد أذان المغرب. وينتظم أصحاب السيارات من النوع نفسه في صفوف طويلة قبل الانطلاق في تجمعات يقابلها جمهور يتابعها ويلتقط صوراً للمهرجان العفوي والشعبي.