رغم إلقاء الزجاجة الحارقة على مركز الشرطة في الحرم أمس، ورغم قرار الشرطة رداً على ذلك إغلاق أبواب الحرم، فإن الأمر الظاهر حالياً في القدس هو محاولة الطرفين تهدئة المواجهة وليس تصعيدها. إسرائيل بمساعدة الأردن تريد منع التدهور في الحرم وإزاء ما يحدث الآن في قطاع غزة.
رغم أن هذه الأمور لا تقال رسمياً، إلا أن سلم الأولويات لحكومة نتنياهو يبدو واضحاً جداً: غزة أولاً ـ وهناك تبذل الآن جهود كبيرة لمنع مواجهة عسكرية قبل الانتخابات بعد أقل من أربعة أسابيع. تصعيد محتمل في القدس أمر مقلق بذاته، أيضاً بسبب الخلفية الدينية للتوتر هناك. ولكن خطره يزداد لأنه يمكنه أن يؤثر على الاشتعال في غزة، مثلما حدث في مرات كثيرة في المواجهات بين إسرائيل والفلسطينيين في المنطقة. في المرة الأخيرة حدث ذلك على خلفية نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في أيار الماضي. في حينه قتل خلال يومين 60 فلسطينياً في المواجهات مع الجيش على حدود القطاع.
كما تظهر الأمور الآن، لا يوجد للأردن ورجال فتح في القدس، الجسمان المؤثران على مجلس الأوقاف، في المرحلة الحالية مصلحة في مواجهة في الحرم. من ناحيتهم، فإن قضية مبنى باب الرحمة تدار بنجاح. لقد خرقوا الوضع الراهن بصورة أحادية الجانب. وفي المقابل، إسرائيل ورغم التصريحات المتصلبة التي نشرتها، لم تعمل حتى الآن من أجل طرد المسلمين من المبنى الذي فتح بعد أن كان مغلقاً بأمر من الشرطة مدة 16 سنة. في يوم الجمعة الماضي صلى في الحرم حوالي 40 ألف مسلم، خلال حدوث عدد قليل من المواجهات فقط. محكمة الصلح في القدس أجلت أمس لمدة أسبوع النقاش القانوني في موضوع إغلاق المبنى بذريعة أن الطرفين ما زالا يتباحثان حول التوصل إلى تسوية.
على الأجندة يقف اقتراح لإغلاق المبنى بذريعة إعادة ترميم طويلة المدى. وفي الخلفية يقف الخبر بشأن قوة التشبيه «الأقصى في خطر» في إعادة إشعال المناطق وإثارة الاضطرابات في أوساط العرب مواطني إسرائيل. وكذلك هناك توتر ما في الضفة في الأيام الأخيرة.
في الأيام الأخيرة قتل فلسطينيان بنار الجيش الإسرائيلي، أحدهما من الخليل الذي حاول طعن جندي، والآخر من سكان سلفيت أثناء مظاهرة. في حادثة أخرى تم إطلاق النار على سيارة إسرائيلية في السامرة.
في غزة هناك عملية «حرب نفسية» هدفها ردع حماس عن اللعب بالنار. الوزير يوآف غالنت، عضو الكابنت، حذر أمس من أنه إذا اقتضى الأمر سيعمل الجيش الإسرائيلي بقوة في القطاع حتى قبل الانتخابات. أيضاً الجيش الإسرائيلي مشغول في هذه الأيام بنشر معلومات عن إعداده لمواجهة محتملة في القطاع. أيضاً مصر تقوم بدورها: الوفد المصري إلى القطاع يعطي معلومات كثيفة لوسائل الإعلام الفلسطينية بشأن تسهيلات وبوادر حسن نية يتم وعد الفلسطينيين بها إذا حافظوا على الهدوء.
باتباعها سياسة الحرب النفسية في غزة والضفة وحدودها الشمالية
واضح للجميع أن هذه محاولة لكسب الوقت حتى موعد الانتخابات. ومع ذلك، الوعود كثيرة ومختلفة، منها الحديث الدائر عن أموال مساعدة من قطر، وزيادة عدد تصاريح الدخول لرجال الأعمال من القطاع إلى الضفة وإسرائيل، وزيادة مخزونات السولار (التي تستخدمها شركة الكهرباء)، وعن توسيع الحركة في معبر رفح.
إسرائيل تستخدم الحرب النفسية والاستخبارات على الحدود السورية في هضبة الجولان. صباح أمس نشر الجيش تفاصيل موسعة عن شبكة مخابرات سرية يشكلها حزب الله منذ أيار الماضي في الجانب السوري من هضبة الجولان. الحديث يدور عن «ملف الجولان»، وبنية تحتية تمت إقامتها بمعرفة عدد قليل من الأشخاص في إيران وحزب الله. من يديرها حسب الاستخبارات في منطقة الشمال هو أبو حسين ساجد، ضابط قديم في إيران شارك في السابق في القتال ضد إسرائيل في جنوب لبنان، وفي تشغيل مليشيات شيعية في العراق، ضمن أمور أخرى، هو متهم بالمسؤولية عن قتل خمسة جنود أمريكيين في عمليات في العراق، وقد قضى هناك عقوبة بالسجن مدة خمس سنوات قبل عودته إلى لبنان ومن ثم إلى سوريا.
هذه شبكة قامت على أنقاض شبكتين سابقتين شغلهما حزب الله في الجولان السورية، برئاسة جهاد مغنية وسمير قنطار. الاثنان قتلا في عمليات اغتيال جوي نسبت لإسرائيل. هذه المرة يبدو أنه تقرر استخدام القوة الناعمة ـ نقل رسائل تهديد بدل القذائف. في الجيش الإسرائيلي يقولون إن الرئيس السوري بشار الأسد لا يعلم ما يقوم به حزب الله تحت أنفه في هضبة الجولان. بدءاً من هذا الصباح أصبح يعلم. ويبدو أن الافتراض في إسرائيل هو أن حزب الله سيعيد من جديد فحص سلوكه في الجولان.
الاستخبارات الإسرائيلية تقدر بأن الشبكة التي تقوم على نشطاء محليين من قرى في جنوب سوريا استهدفت في المرحلة الأولى جمع معلومات عن نشاطات الجيش الإسرائيلي، لكن الهدف فيما بعد هو استخدامها لإقامة بنية تحتية كبيرة، تستطيع أيضاً فتح جبهة ثانية أمام إسرائيل في حالة مواجهة في لبنان.
إحدى النقاط المهمة هنا هي ما يتبين حول أهمية التأكيدات الروسية. في الصيف الماضي وافقت إسرائيل على عدم التشويش على خطوات النظام، الذي بمساعدة روسية وإيرانية أعاد السيطرة على كل جنوب سوريا، ومن ضمنها الجولان السورية. موسكو في المقابل تعهدت بإبعاد الإيرانيين والمليشيات الشيعية حتى مسافة 80 كم عن الحدود مع إسرائيل. وحتى نتنياهو تفاخر بهذا الإنجاز، الذي نسبه لعلاقته الجيدة مع الرئيس الروسي فلادمير بوتين. فعلياً، الروس مكنوا الإيرانيين من مواصلة العمل دون إزعاج في منطقة دمشق. الآن يتضح أنهم لم يعملوا حتى من أجل وقف نشاطات حزب الله التي تتم قرب الحدود مع إسرائيل.
عاموس هرئيل
هآرتس 13/3/2019