أحدثُك عن المَكان..

حجم الخط
0

رندة المغربي

المكان الذي يجرُ أصابعَنا إلي محرقة الكتابة!

عن الرؤية.. يمنحُها خيالُنا آفاقاً لا تنتهي.. عن حكمة السماء.. تُغير قبلة الشمس ليكون سمتها جبينك.. فهييء لي ذراعيك.. لأدرجُ عليهما وأطير.. ہہہأحدثُك عن المكان وباريس هي هي.. كما عرفناها سوياًأطأها بقدمي كأني للتو أهبطُ من السماء..! نفس الأرصفة المثخنة بخطي العابرين ونفس هدأة الآحاد.. ونفس الأحلام التي تقاسمناها، لولا اختلاف التوقيت بلحظة يأس!

ہہہوأنا هنا وجه عابر شخص يحمل علي كتفيه الملائكة الحافظين وقارة بألف شعب ونخلة!

ولستُ بحاجة لأن أتذكرك لأنك دوماً معي، بطلق الرصاص وانسياب النغم من فم طائر حزين.. ہہہوكان المكان واضحا….! قالها الظل المنحني تحت قامة كهل:

لا مكان للمهاجر من يصنع للذاكرة أطرافاً وخاصرة يلغمها ويمضي يُفجر مناجم الذهب في خصلة شقراء..! لا مكان لمن يستلذون مضغ الزُجاج وتأليه سمرة الحنطة علي ناصع الجليد!

تذكرتُ يدك الدافئة تمنح البحر صهيل الجواد.. تمنح يومي شغفاً بغد يأتي.. تذكرتُ معاصر الزيتون في محجريك تلمعُ بها الآمال!

ہہہالآن الآن وقبل عما قليل وبعد، وأنت علي الضفة الأخري تفسخ فك التنين بيديك؟!

أتُراك تذكرني؟

أتذكر كلامك لي؟

شعارك وشعرك؟

اللون الأزرق الذي سفحته علي مئات اللوحات وأنت ترسم مدي بعيدا لشعب ألِفَ الانحناء؟

عن مقهي الباستيل بين زمرة الفلاسفة تضج بأسئلة البشرية تسمي ولادتنا محنة وموتنا انتصارا.. ألم تقل لي: أجمل ما في الحياة قذارتها لهذا كان موتنا انتصاراً عليها؟

مشيتُ طويلاً علي سور سجن الباستيل أحلم باختراع يصلني بك.. بذاكرة لا تتقطع أنفاسها من اللهاث وأنا أعدو خلف ملامحك النبيلة استحضرها بين أهدابيوأتعذب لو ضاعت حبة خال من يدي!

مشيت.. وليس في المدينة شوارع، وليس في الشوارع أرصفة وليس علي الأرصفة يافطات!

كنت أطير لأربت علي كتف السماء المفجوعة لامتقاع أدمتها وللشمس التي رقطت جبينها سحابة!

كنتُ غصة علقت بحنجرة مقهور.. كنتُ ضياعاً يتفشي في الضياع.. واستغاثات ضعاف سقطت قبل أن تكمل طريقها إلي الله بصاروخ طائرة!

كنت أطير فوق غابة بولونيا أراقب اندلاع الصيف علي الأكتاف العارية وأتحسر علي الأكتاف المتراصةلبت نداء الله أكبر فأحالوها بطرفة عين إلي مشهد رعب يبثها التلفاز في التاسعة مساءً علي مائدة العشاء!

كنت أطير وأفتش عنك.. عن وعودك لي وكلامك عن الحرية وارفعِ رأسكِ وكوني نصفي واكتبي للمتعبين علي الضفة الأخري لتمنحيهم غداً جديدا.. كنتَ مخلوقا أسطوريا نصفك شعب والآخر نبي!

فهل كان رحيلك وحي إله؟

هل كانت باريس وشقتك في الدور العاشر قيداً حطمته ومضيت ترسم الأزرق علي صفحة الوجود؟

ہہہلا أدري!

لا أدري لم كلما حاولت أن اصنع لي رجلاً من الحبر أشهرت أنت ملامحك أمامي وقلت هاكِ أنا فاتبعيني!

أتدري.. ؟ أتدري بأن خشخشة أوراقك الملغمة بالحروف اسمعها في أذني كل مساء؟

تنبجس من حقيبة يدك الجلدية تزحف منها شعوب نحوي.. تملأ الردهات والزوايا في شقتي وتتواطأ علي أوردتي لترفع بها سقف خيمة!

ہہہآه لو تدري كيف هي الأمكنة.. بدونك!

كيف غيرت مقاهي باريس عاداتها وباعت لحمها الحُر لسواح جنس!

كيف تكالبت الحروف علي ومنحتني تصريحاً واحدا!

هو الكتابة عنك.. عن جبينك تفركه بأصابعك صباحاً مساء وأنا أطاردك خلف سحب الدخان لألتقط الوحي من عينيك.. عن الأمكنة.. التي أطاحت برأس النضال ومحاربيه الأشاوس من امتطوا صهوة الورق وطاروا خلفك ليصرعوا التنين!

كاتبة من سعودية تقيم في باريس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية