أحزاب الأنابيب

حجم الخط
0

لقد أُفرط كثيرا في إستخدام هذه الأداة (الأحزاب) التي يتم توليدها بعنوة قيصرية فجأة على حين غرة إنطلقت فكرتها بحفلات شاي وولائم زعفرانية في فنادق شاهقات النجوم إقتصرت على ذوي ربطات العنق غاب عنها أصحاب المولد من ذوي الدكك أهل الطبقات المسحوقة، تلك الطقوس الفندقية التي شاهدها الليبيون أجمعين على شاشات التلفزة التي ملأت صورهم صحافة الإلكترون، كانت لتوليد ديمقراطية خدجاء بفعل قوى إصطناعية هوجاء ومحاكاة تقليدية عاتية سعيا فقط خلف رونق اليافطات المضيئة وسط ظلام الليبيين الدامس مزاحمة في سوق لبازار متكالب عليه في مولد صاحبه غائب، معظم تلك الأحزاب لم تكن وليدة ثمرة ناضجة يانعة لإنسيابية تلقائية حتى يحين وقت قطافها ولم تصنعها الأحداث الليبية الجسام وسجالاتها السياسية والإجتماعية ولا تطوراتها وظروفها وفكرها الناضج ولا قيمها على نار المطبخ الليبي الهادئة في ظروف طبيعية مكللة بالسلام والوئام، بل ظهرت لنا في ظروف قلقة غير طبيعية ولا يمكن إتخاذها سنة أساس بل كانت في ظروف مضطربة غير ملائمة في ما بين ليلة ثم ضحاها وقبل أن يرتد إلى الليبيين طرفهم فكانت مشوهة ذات صورة باهتة لا تستند البتة على خلفية مرجعية فكرية ولا نضالية تمت للوطن بأواصر صلات عميقة منذ أكثر من 50 عاما منذ تأسيس ليبيا المستقلة، وكأنها طبخة جاهزة مغلفة take away صنعت بالخارج فطبخت عنوة علي عجل بالميكرويف خلال ثوان معدودات فكانت طبخة محترقة، مما توحي تلك التصرفات والمعطيات إلى جهل سياسي عميق وإستهزائي يستسهل الأمر متجاهلا لعقليات ورؤى أفكار وتطلعات كل الليبيين النابضات بالوطنية في كل المدن والقرى وحتى النجوع والحارات والأزقة الليبية التي لا يمكن إستدراجها ببساطة إلى هكذا مهزلة ولا تطويعها للإستثمار الإنتهازي في فقر وعوز كثير من الناس، ذلك القفز من فوق الأسوار علي هذا النهج والكيفية لا ينطلي علي أسذج شخص عابر ترفضه وتستهجنه أعتي مجتمعات العالم ديمقراطيةً ودهقنة برلمانية لأنه ما هو إلا إنتحال لروح الديمقراطية بأوسع معانيه أمام الملأ، إذ لم يثبت في تاريخ الفكر السياسي ظهور ما يربو 200 حزب في فترة تناهز الـ 3 أشهر معدودات إلا في ليبيا. لا يجب الربط بين الأسلوب الحزبي السائد الآن على عواهنه وبين الفردوس الأرضي فالرأي المطروح هنا لا يعني إجهاض العمل الحزبي بقدر ما يتمنى تأطيره وتنظيمه نأياً به عن كثير من الإشكالات. هنالك العديد من الأدوات الأخرى للديمقراطية مغيبة كان يجب تفعيلها كالتوسع في تأسيس منظمات المجتمع المدني ذات البعد الإنساني والإجتماعي والخيري النبيل الذي لا ينتظر جزاءا ولا شكورا سوى إرضاء وازع ذاتي من الضمير الإنساني الحي، تلك المنظمات يجب أن يكون لها صوتا فاعلا ومسموعا في الحياة الإجتماعية والسياسية القادمة. لذا علي قانون الأحزاب أن يسبق تأسيس هذه الأحزاب لإضفاء الشرعية عليها ويضع شروطا تنظيمية حازمة للعمل الحزبي ومراقبته من حيث الإتجاه والتمويل بدلا من الإستباحات الفكرية والسياسية، لا سيما أن الأمر لا يتعلق بتكوين جمعيات إستهلاكية ولا بفتح نوادي رياضية ولا يعدو مجرد مختبرات فئرانية ولا بعقد صفقات تجارية ومضاربات في بورصات دنيا المال والأعمال. لا مناص أمام الليبيين من صون منطلقات ثورة فبراير من أي إنتعال وذلك بإحقاق روح الشفافية المطلقة وتغليب مصلحة ليبيا هي العليا عند الإحتكام إلي صناديق الإقتراع التي باتت وشيكة قاب قوسين أو أدنى، وضمان نزاهة إجراءتها لأنها ستكون أول إمتحان ديمقراطي تاريخي امام الليبيين علي مشهد ومسمع من العالم، سيكون عسيرا بعد مخاض أليم ليرسم مدى مصداقيته ويضع حدود لدرجات الثقة السياسية، و يضع بذلك الليبيون حجر أساس لأول ديمقراطية لهم، تاركين ميراثا دستوريا لأجيالهم القادمة حتى تقول بحق طوبى للأجداد.

محمد يونس موسى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية