بغداد ـ «القدس العربي»: في وقت عادت فيه حوادث اختطاف الناشطين والمشاركين في الحراك الاحتجاجي في العراق، عمدت الأحزاب السياسية العراقية المقرّبة من إيران إلى اتخاذ طريقة جديدة لـ«قمّع» و«حرف» سير التظاهرات، من خلال حثّ جمهورها على التواجد في ميدان التحرير والاحتكاك مع المتظاهرين «السلميين» وتصويرهم على أنهم «مخربون».
وفي خطوة مقابلة، دعا ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي جميع المشاركين في الحراك الاحتجاجي في العراق، إلى دعم تظاهرات التحرير، وسط العاصمة بغداد، وزيادة زخمها من خلال إرسال أعداد إضافية من المحافظات إلى بغداد، لتفويت الفرصة على جمهور الأحزاب الساعية إلى إخراج التظاهرات عن إطارها السلمي.
ويبدو أن العاصمة بغداد تتجه نحو سيناريو مشابه لما جرى في لبنان وإيران، من خلال زجّ جماعات مؤيدة لأحزاب السلطة في ساحات التظاهر، والعمّد إلى الاشتباك مع المتظاهرين السلميين المحتجين منذ الأول من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. وبعد أن قامت عشائر وأنصار أحزاب سياسية وفصائل شيعية مسلحة، باقتحام ساحة التحرير وسط العاصمة أول أمس، والتسبب بعشرات حوادث الطعن التي أصابت المتظاهرين هناك، دعا حزب «الدعوة الإسلامية»، بزعامة نوري المالكي، والمنبثقة منه أغلب الأحزاب السياسية الشيعية في العراق، أنصاره إلى الخروج لساحات التظاهر.
زحف الجماهير
وقال الحزب في بيان له، إن «الجماهير المؤيدة للمرجعية الدينية العليا والتظاهرات السلمية الإصلاحية زحفت إلى ساحة التحرير في بغداد وهي تصدح بالشعارات التي تدعم التغيير والتجديد ومحاربة الفساد، وتندد بالتخريب والمندسين، وتؤيد المطالَب المشروعة للمتظاهرين في الوسط والجنوب، وتؤكد على أن الإصلاح مهمة وطنية داخلية تنهض بها قوى الشعب بكل شرائحه وقواه السياسية والاجتماعية والعشائرية وبتوجيه ورعاية من المرجعية الدينية العليا وتعاون كل الخيرين من أبناء هذا الوطن الحبيب، وتظافر جهودهم».
وأضاف: «إننا ندعو جماهيرنا وأنصارنا إلى المشاركة الفاعلة والواسعة في هذه التظاهرات السلمية، التي تعبر عن آمال وتطلعات شعبنا في العدالة الاجتماعية والعيش بكرامة والتمتع بخيراته والتنعم بأفضل الخدمات»، مؤكدا بالقول: «نحيي عشائرنا الغيورة ومبادرتها التي درأت انفجار بركان الدم، بصولتها الشجاعة التي استحضرت من خلالها تاريخها المجيد وقيمها الأصلية، ونزلت الميدان بقوة واستطاعت أن تفصل بين السلميين والمندسين، وحافظت على السلم الأهلي والاستقرار في المدن والمحافظات».
وأكمل: «نشيد بدور الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة التي تحملت الضغوطات الهائلة وصبرت على الأذى أثناء أداء واجباتها في تطبيق القانون وحماية مؤسسات الدولة والممتلكات والمتظاهرين السلميين، ونقدر عاليا دور مرجعيتنا الدينية العليا وحرصها على وأد الفتنة في مهدها وتبني المطالَب المحقة للمتظاهرين السلميين والدفاع عنهم، والضغط لتحقيق ما يصبون اليه من تغييرات في السلطة التنفيذية والتشريعية، وتبقى هذه المرجعية الرائدة والرشيدة حصن الأمة المنيع والمدافع الحريص عن مصالح الشعب العليا وحامي وحدتها الوطنية، وكان لمواقفها وتوجيهاتها القيمة الدور الأساسي في عبور الأزمات».
واختتم بيان الحزب بالقول «ننتهز هذه الفرصة لندعو القوى السياسية كافةً الاستعجال في اختيار رئيس وزراء كفوء وقادر ومقبول سياسيا وشعبيا لتشكيل حكومة تنهض بالمهام الموكلة اليها وتستجيب لمطالب المتظاهرين المشروعة وضمن سقف زمني تتعهد فيه القوى السياسية والشعبية بدعم جهود الحكومة الجديدة».
كذلك، أكد رئيس المجلس الأعلى الإسلامي همام حمودي، «وجود مندسين في التظاهرات يسعون للحرق والتخريب لصالح دول خارجية».
وقال في بيان، إن «ما صرح به ( رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين) نتنياهو بسعيه و(الرئيس الأمريكي دونالد) ترامب لاستغلال أحداث العراق لصالح مواجهتهم مع إيران يؤكد ما حذرت منه المرجعية بوجود مندسين يسعون للحرق والتخريب لصالح دول خارجية».
وأضاف أن ذلك «يحمل كل الحريصين على التظاهرات الإصلاحية مسؤولية الحفاظ على سلميتها وهويتها الوطنية وبلوغ أهدافها الإصلاحية بفرز المندسين وطردهم وتطهير ساحات التظاهرات من ذيول نتنياهو وترامب».
علاوي ينتقد الصمت الحكومي على عمليات الطعن… ومسلسل خطف الناشطين يعود للواجهة
في المقابل، اعتبر زعيم «ائتلاف الوطنية» إياد علاوي، أمس، تعرض متظاهري التحرير للطعن «استكمالا لجرائم القناصة واستهدافهم بالقنابل الدخانية والرصاص الحي».
وقال في بيان، إن «حالات الطعن التي تعرض لها المحتجون السلميون في ساحة التحرير هي استمرار لجرائم استهدافهم بالقنابل الدخانية والرصاص الحي».
وأضاف أن «الصمت عما شهدته ساحة التحرير أمس (الأول) محرج ومخجل للعملية السياسية التي أصبحت في وادٍ وشعبنا الكريم في واد آخر»، مؤكدا أن «هذا الصمت سيشجع أولئك المخربين على تكرار جرائمهم باستهداف المتظاهرين والمعتصمين».
وتساءل، «من يقف وراء هؤلاء ومن يوفر لهم الدعم والمساندة؟ وما هي الرسالة التي يراد إيصالها عبر تلك الجريمة؟»، داعيا الأجهزة الأمنية إلى «تحمل مسؤولياتها الكاملة في توفير الحماية للتظاهرات والمتظاهرين».
وبالتزامن مع محاولات «تشويه» التظاهرات السلمية، والتضييق على المشاركين فيها، عاد مسلسل خطف الناشطين مرة أخرى، حيث اختطف مجهولون، فجر أمس، الناشط والمصور زيد الخفاجي، بعد عودته إلى منزله في منطقة حي القاهرة في بغداد.
وقال شهود عيان وناشطون إن «الخفاجي عاد إلى منزله فجر اليوم (أمس)، قادمًا من ساحة التحرير، لكنه فوجئ بوجود سيارة سبورتج (كيا) سوداء اللون، بانتظاره، ليستقل منها، أشخاص مجهولون، ويقتادوا الناشط إلى جهة مجهولة أمام أنظار والدته».
وأضافوا، أن «الخفاجي، كان من أوائل المتظاهرين، في ساحة التحرير، الذين وثّقوا بكاميراتهم طريقة تعاطي السلطات مع الاحتجاجات، وسلط الضوء على الحراك الدائم ومختلف الفعاليات والنشاطات».
وفي كربلاء، استهدفت جهة مجهولة ليلة أول أمس، منزل الشاعر والناشط المدني محمد الكعبي بعبوة ناسفة في حي الصحافيين جنوب المحافظة.
وقال الكعبي في تصريح أورده إعلام حزب الاتحاد الوطني الكردستاني أمس، إنه «حاول الجبناء تفجير منزلي، ومحاولة قتلي وقتل عائلتي من خلال تفجير عبوة داخل منزلي»، مبيناً أن «الوجوه العفنة باتت مكشوفة أمام إرادة الشعب وإصرار الجماهير».
وأضاف: «أقول لمن يحاول خلط الأوراق وزرع الفتن، إننا نعرف جيداً غاياتكم المشوهة، لكننا لن نتراجع عن أهدافنا السامية في تحقيق التغيير المشهود، وسوف نستمر بتظاهراتنا السلمية، واعتصاماتنا الوطنية من أجل وطن خال من الأحزاب الفاسدة والدخلاء والعملاء».
يذكر أن الكعبي عضو في نقابة الصحافيين العراقيين ورئيس رابطة شعراء العراق.
في الأثناء، أصدر عدد من خطباء «المنبر الحسيني»، بيانا بشأن التظاهرات والأوضاع الحالية التي تشهدها البلاد، مؤكدين أن «السبيل الوحيد لإنقاذ البلد والحفاظ على سلامته يكمن في الاستجابة الفورية للمطالب المشروعة للشعب».
فشل الطبقة السياسية
وقال جمّع الخطباء في بيان لهم، «نظرا لما يمر به البلد من ظروف عصيبة وما وصل إليه الحال من فشل الطبقة السياسية في إدارة الأمور، وانطلاقا من حرص المنبر الحسيني الشريف على حاضر العراق ومستقبل أبنائه واصطفافا خلف المرجعية العليا في مواقفها المشهودة للدفاع عن العراق، والتي طالما مثلت خريطة طريق للخروج من الأزمات المتلاحقة، وتأكيدا للموقف المبدئي المنحاز للشعب عبر التواجد معه في ساحات التظاهر، يؤكد خدام الحسين (عليه السلام) على أن السبيل الوحيد لإنقاذ البلد والحفاظ على سلامته ودماء أبنائه بعدما تحقق من استقالة الحكومة، يكمن في الاستجابة الفورية وعدم التسويف في تحقيق المطالب المشروعة للشعب العراقي».
وحدد خطباء المنّبر الحسيني «الشيعة» ثلاثة مطالب أساسية تتعلق بـ«الإسراع في إكمال قانون انتخابات عادل، يتيح لكافة أبناء الشعب فرص المشاركة الفاعلة في القرار وتغيير الوجوه التي لم تجلب الخير للبلاد والعباد»، بالإضافة إلى «سن قانون يتيح تشكيل مفوضية مستقلة للانتخابات لا تقوم على أساس المحاصصة الحزبية، ويكون للقضاء العادل المستقل فيها القول الفصل (تم تشريعه ليل الخميس)»، فضلاً عن «اتماما لجدوى استقالة الحكومة ومن أجل بث روح الحياة في النظام السياسي للبلد، نطالب كما يطالب الشعب العراقي بالذهاب إلى انتخابات مبكرة، تترشح عنها طبقة سياسية جديدة تعمل على تلبية مطالب شعبنا العزيز في العيش بكرامة».
ودعا البيان الشباب من المتظاهرين «للحفاظ على سلمية مظاهراتهم المطلبية بإعتبارها الطريق الوحيد لتحقيق مطالبهم المشروعة».