بغداد-“القدس العربي”:
في أعنف ضربة للاقتصاد العراقي منذ 2003 أعلنت حكومة مصطفى الكاظمي سلسلة إجراءات اقتصادية تقشفية أخطرها خفض سعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار إلى مستويات غير مسبوقة، إضافة إلى فرض ضرائب على الرواتب والسلع المستوردة والخدمات وايقاف المشاريع الاستثمارية مما سيترك آثارا كارثية مدمرة على الاقتصاد وأوضاع المواطنين ومستوى معيشتهم، وسط رفض وغضب شعبي عارم على إجراءات الحكومة.
فقد زجت الحكومة نفسها بأعنف أزمة قد تهدد وجودها، عندما دخلت حقل الألغام بتعريض معيشة المواطنين إلى الخطر، فقوبلت بحملة انتقادات غير مسبوقة واتهامات بزعزعة استقرار العائلة العراقية وخفض مستواها المعيشي والتسبب في تجويعها في حالة مماثلة لحالة انهيار سعر الدينار التي حدثت عقب فرض العقوبات الدولية على العراق بعد احتلاله دولة الكويت عام 1990 والتي نخرت بنيان المجتمع وسهلت احتلال البلد لاحقا.
ويرى الكثير من المراقبين والاقتصاديين ان حكومة الكاظمي، التي واجهت عجز الميزانية بسلسلة إجراءات تقشفية حادة، قد اختارت تحاشي التقرب من مصالح أحزاب السلطة وفضلت اتخاذ إجراءات تعرض مصالح الشعب للضرر.
وفي محاولة لتبرير إجراءات الحكومة، ذكر الكاظمي الذي شكل حكومته منذ نحو ستة أشهر، بأنها جاءت لتغطية العجز الكبير في الواردات، وان “حكومته تعمل على معالجة الأزمة من منطلق اقتصادي” وانها “تعاني من التأسيس الخطأ الذي يهدد النظام السياسي والاجتماعي بالانهيار الكامل”. وأقر بان “الناس ستقوم بشتمي” في إشارة إلى ان قراراته لن ترضي غالبية الشعب.
وكان البنك المركزي العراقي، أعلن رسمياً، رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي بواقع 1450 دينارا لكل دولار، بدل 1191 الذي كان سائدا حتى عام 2020. وهو السعر الذي اعتمده مجلس الوزراء في مشروع موازنة 2021 التي بلغت قيمتها نحو 103 مليارات دولار، وبعجز يبلغ نحو 43 مليار دولار.
وبحسب اللجنة المالية البرلمانية، فإن العام المقبل سيشهد فرض العديد من الضرائب، على السيارات والعقارات والكثير من السلع، وفرض الضرائب على جميع العاملين في الدولة، ورفع ضريبة الدخل على العاملين في الشركات الكبرى.
موجة اعتراضات عارمة
ولعمق تأثير رفع سعر صرف الدولار، فقد شاركت في الاعتراضات والرفض، كافة القطاعات الاقتصادية والشعبية إضافة إلى السياسية، ففي حين وجهت معظم الأحزاب والقوى السياسية انتقادات للحكومة بسبب الآثار الكارثية لإجراءاتها على الاقتصاد والشعب، فإن المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، طالبت الحكومة “بإعادة النظر في قراراتها المالية وعدم التعدي على قوت ورواتب الموظفين وذوي الدخل المحدود تحت أي ظرف أو ذريعة”. وشددت المفوضية في بيان على “ان توجه الحكومة إلى رفع سعر صرف الدولار بشكل مفاجئ وسريع بدون توفير بدائل للطبقة الفقيرة، يشكل انتهاكا واضحا لحقوق الإنسان وأصرارا على مخالفة الدستور النافذ والاتفاقيات الدولية الملزمة”.
ودعت المفوضية، الحكومة، إلى اتخاذ سياسات جريئة في مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة وإعادة النظر في هيكلية المؤسسات التي تشكل العبء الثقيل على الدولة وضبط المنافذ الحدودية وفرز الموظفين الحقيقيين من الوهميين وخلق العدالة الحقيقية في سلم الرواتب وضبط النفقات الحكومية والسعي لإعادة جدولة الديون الخارجية.
وفيما حذر اتحاد المقاولين العراقيين، من “كارثة ستحل بحركة المشاريع والبنى بسبب ارتفاع الدولار، وان الارتفاع أوقف أعماله وان ثلاثة ملايين موظف وعامل سيتم تسريحهم لهذا السبب” فقد عبرت نقابة الصيادلة عن قلقها من أسعار صرف الدولار، وتداعياته على أسعار الدواء المستورد في العراق.
وقد أعلن عشرات النواب، جمع التواقيع لاستجواب الكاظمي ووزير المالية، في البرلمان بسبب عدم الرضا عن رفع سعر صرف الدولار ونتائجه المدمرة على المجتمع.
وذكرت عضو اللجنة الاقتصادية النيابية النائب ندى شاكر جودت، بأن “الحكومة العراقية تشن حربا باتجاه المواطن من خلال السياسة المالية التي أعلنت عنها” مؤكدة ان “هناك غضبا كبيرا في الشارع العراقي من خطوة الحكومة بخصوص رفع أسعار الدولار، وان هذه الإجراءات تمس لقمة العيش للناس البسيطة”.
وتساءلت “لماذا المواطن البسيط هو من يدفع الثمن دائمآ؟” مبينة ان هذا بسبب سوء إدارتهم وفسادهم.
أما عضو لجنة الخدمات النيابية منار عبد المطلب، فإنها حملت حكومة الكاظمي مسؤولية رفع نسبة الفقر في العراق، مؤكدة انه “بعد تطبيق قرار رفع سعر الدولار شهدت الأسواق ارتفاعا ملحوظا في الأسعار وخاصة الغذائية وهذا أمر بالغ الخطورة سيدفع إلى ارتفاع معدلات الفقر بنسبة حادة”. وأشارت إلى ان “الكاظمي سيكون مسؤولا عن أزمة إنسانية حادة في العراق”.
وكشفت النائبة في اللجنة المالية النيابية ماجدة التميمي، أن “هناك نفقات كبيرة غير مبررة وغير ضرورية في الموازنة، لذلك نحتاج إلى مراجعة كل القوانين المشرعة بعد 2003 لتعديل الفقرات التي حملت الموازنة أعباء مالية كبيرة، وأدت إلى عدم توزيع الثروة بشكل عادل”.
الخبراء الاقتصاديون بدورهم كان موقفهم حاسما بعدم صحة قرارات الحكومة، إذ يقول الخبير الاقتصادي باسم جميل أنطوان إن “البنك المركزي فاجأنا بإقرار عملية تغيير سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي” مؤكدا ان “هناك علاجات غير رفع سعر صرف الدولار، وليس من المنطقي أن يتم تعويض الفساد والنهب من الشعب المعدم”. ويرى أن “قرار رفع الدولار يخلق تبعات في زيادة التضخم، والطبقات الفقيرة والموظفون من أصحاب الرواتب المتوسطة سيعانون ويتحملون مسؤولية القرار، لأنه تم سحب نحو 20 في المئة من متوسط دخلهم المحدود”.
أما الخبير الاقتصادي علي المسعودي، فأكد ان قرار خفض قيمة العملة سبب خسار تقدر بـ 24 في المئة من النقد واصفا إياها بالمشكلة الكبيرة، لأن “الفئة الأكثر تضررا من قرار خفض قيمة العملة، هي العوائل التي تعيش تحت خط الفقر وكذلك متوسطة الدخل، حيث ارتفعت الأسعار 27-37 في المئة بحسب مؤسسة غلوبل الدولية”. وأكد المسعودي “ان السيطرة على نافذة بيع العملة الأجنبية وايرادات المنافذ الحدودية تحقق للبلاد إيرادات تقدر بأربعة أضعاف ما حققه قرار خفض قيمة العملة العراقية”.
وكعادة أحزاب السلطة في تهربها من تحمل مسؤولية تدهور الأوضاع والتلاعب بالحقائق، فقد سارعت إلى إصدار البيانات والتغريدات، لانتقاد إجراءات حكومة الكاظمي، ووصفها بالإدارة الفاشلة والفاسدة، كما دعت بعض الأحزاب، الشعب إلى الخروج في تظاهرات غاضبة للتعبير عن رفض قرارات الحكومة التي تمس معيشة المواطنين وللمطالبة باستقالة الحكومة، وفي تصور تلك الأحزاب، ان الشعب ينسى ان كل الأزمات والمشاكل التي يمر بها البلد، هي نتائج تراكم سياسة الفساد والفشل والتبعية لأحزاب السلطة، التي فضحها الكاظمي ووزير المالية عندما أعلنا بأن قرارات الحكومة حظيت بموافقة القوى السياسية.
الحلول الصحيحة للأزمة
وأزاء إصرار الحكومة على إجراءاتها الاقتصادية، قدم العديد من الخبراء والسياسيين، بعض المقترحات البديلة التي تساعد في تجاوز الأزمة الاقتصادية دون المس بمصالح الشعب، وأبرزها ترشيد النفقات الهائلة للحكومة ومحاربة الفساد ونهب المال العام والسيطرة على واردات المنافذ الحدودية التي تنهب الأحزاب والمليشيات 80 في المئة منها، والتهريب عبر الحدود، وإغلاق نافذة بيع الدولار التي تستفيد منها مافيات الفساد (تم بيع أكثر من 27 مليار دولار فيها خلال عام 2020 فقط) وإعادة الحياة للزراعة والصناعة، واستعادة الأموال الطائلة المهربة للخارج (تقدر بنحو 300 مليار دولار) وتشجيع الاستثمار الخارجي، وغيرها من الحلول الكثيرة الممكنة.
ويبقى المؤكد ان حكومة مصطفى الكاظمي التي نالت بعض رضا الشارع الغاضب على أحزاب السلطة، عقب إجراءات محدودة ضد بعض الفاسدين وإعلانها عن انتخابات مبكرة فإن قراراتها الاقتصادية والمالية الأخيرة، نسفت تلك الآمال، وستفاقم أزمة العراق الاقتصادية بسبب ابتعاد الإجراءات عن معالجة الأسباب الحقيقية للانهيار والفشل في إدارة موارد البلد، وسط قناعة عامة بأن قوى سياسية متنفذة في (الدولة العميقة) تدفع حكومة الكاظمي لإجراءات تؤدي إلى افشالها وعزلها شعبيا، حيث تؤيد إجراءات الحكومة في السر وترفضها في العلن، وذلك بهدف توريطها بإجراءات تمس معيشة المواطنين وتثير غضبهم على الحكومة، لإجبار الكاظمي على الاستقالة أو إقالته في البرلمان، لاختيار رئيس حكومة جديد والتملص من الانتخابات المبكرة والإصلاحات، حيث أبدت بعض القوى السياسية استعدادها لتولي رئاسة الحكومة. وعموما فإن القرارات المالية لحكومة الكاظمي والإجراءات المتخبطة والترقيعية، أعادت مخاوف عودة أجواء الحصار الاقتصادي على العراق عقب احتلال الكويت عام 1991 وما نجم عنها من نتائج كارثية مدمرة للاقتصاد والمجتمع العراقي.