قد ينطوي العنوان علي بضع مفارقات كوميدية فعلاً في هذا المحيط العربي الدامي. وأولي هذه المفارقات الفقعاء هو وجود أحزاب شرعية في بؤر استبدادية مستعصية، والمفارقة الأخري هي وجود أي نوع من الكوميديا حتي السوداء يمكن أن تنتج مجرد ابتسامات باهتة. إلا أن تطميناً يقيناً تسجله مؤشرات الأحداث في الملمات والنازلات يؤكد وجود مثل هذه الظواهر الغريبة وتناميها. لكن الثابت أيضا أن في أحيائنا الشعبية، وزواريبنا البلدية، بعض الفرق الجاهزة وتحت الطلب لإحياء الحفلات والمناسبات المختلفة كالأعراس، وأعياد المولد النبوي، ونجاح الأولاد بالشهادات، والطهور، والختان، والعودة من الحج والديار المقدسة. وقد اعتادت هذه الفرق الشعبية إدخال البهجة والسرور في نفوس الناس عبر تأديتها لعملها، ومهامها الإنسانية والترفيهية المختلفة، بحرفية، ومهنية، وصدق عال.
وفي ليالي الأنس، وحقب التهريج السياسي، ومسلسلات ارتكاب الأخطاء، والمناسبات الوطنية النكداء انتشرت أيضاً ظاهرة بزنس أحزاب الدعم، والتأييد، والاعتصامات والخطابات مهمتها المعلنة نشل الأنظمة من الهاويات. وإذا كان هناك ثمة قواسم مشتركة وَصْفِيّة، وملامح وضعية متشابهة، وبعض المسارات التاريخية المتطابقة التي تَسِمُ الأحداث بين الوضع السوري الراهن، والوضع العراقي البائد في بعض الأوجه، فقد يبدو هذا أولاً من قبيل الصدف الجيوسياسية البحتة ليس إلاّ، والأقدار السياسية الصعبة التي طبعت الجارين اللدودين. غير أن سير الأحداث، بنفس الوقت، وتتابعها في نفس المسار الدرامي، ولا سيما في ظاهرة الدعم والتأييد من نفس الشخصيات والأحزاب، هو وبلا شك، نذير شؤم، وسوء طالع، وتكرار ممل لنفس السيناريو والأحداث.
ولعل ظاهرة الأحزاب العربية الخطابية هذه هي واحدة من أوجه عدم التفاؤل علي الإطلاق، ربما نظراً للدور التوريطي الكبير الذي ساهمت فيه في تقصير عمر نظام صدام، عبر دفعه لاتخاذ مواقف بدت فضفاضة وكبيرة علي مقاسه السياسي، مما فضح عوراته، وعجّل بسقوطه التراجيدي ذاك. وإذا كان النظام السوري عموماً أذكي، وأكثر مناورة، وأقل بطشاً ودموية من سلفه البعثي العراقي، ولديه شيء من المرونة، والتكتيك، والديناميكية والحذر تجاه الخارج، وعدم التهور والاندفاع، بما لا يقارن مع نظام صدام حسين المنقرض، فإن تكرار عروض التهريج في ليالي الأنس السياسية، التي تقودها فرقة الأحزاب العربية الكوميدية توحي بشيء من الخوف، والانقباض، وعدم الارتياح، وتفرض علي النظام، في الوقت نفســـــه، تجنب القيام، أو حضور أية حفلات إباحـــــــية سياسية من هذا المقام، بسبب عدم جدواها، وتحسباً، طبعاً، لحسن العاقبة والختام. نضال نعيسة[email protected] 6