مالك التريكي
إذا كان ‘البيغ بانغ’ (الانفجار الأول) الحزبي من المشاهد المعهودة في المراحل الباكرة من الثورات الديمقراطية، فإن كثرة الأحزاب التي أصبحت تعج بها الساحة السياسية في تونس مبالغ فيها حتى بمقاييس البيغ بانغ الثوري. كلما سئل مواطن على التلفزيون، قال: ‘برشه أحزاب! علاش هذا الكل؟ احنا مش فاهمين شي!’. ولهذا فمن المجازفة المجادلة الآن بأن هذا الانتقال الصاروخي من العدم السياسي إلى غزارة الإنتاج الحزبي يمكن أن يمنح مفاهيم الحزب والحزبية أيا من المعاني الإيجابية التي يتوقع أن تتمحور حولها ممارسات الحياة الديمقراطية الوليدة. إذ إن لكلمة ‘حزب’ في تاريخ تونس المستقلة جرسا يستمد غرابته من شذوذ الانصهار، بل التماهي، بين حزب واحد أحد وبين دولة أبوية إجماعية تريد أن تكون تجسيما ماديا ورمزيا، في الوقت ذاته، لحالة من الوحدانية الوطنية الصلبة الصماء الملساء التي لا إمكان فيها لأي من ألوان التنوع أو مساحات التغاير أو تضاريس الاختلاف.
صحيح أن الدلالات المنكرة التي كانت توحي بها الكلمة أثناء العهد الانقلابي ليست هي بالضبط الدلالات التي سبق أن أحاطت بالكلمة أثناء عهد بورقيبة. إلا أن المشترك هو شيوع الاعتقاد، منذ بداية السبعينيات، بأن زمن الانتماء إلى ‘الحزب’ (الذي لم يثبت على اسم واحد طيلة عمره المديد) لاعتبارات مبدئية وطنية صادقة هو زمن قد ولى وانقضى، وأن الانتماء إلى ‘الحزب’ لم يعد له من تفسير سوى الاعتبارات ‘الزبونية’ المصلحية الوصولية. كانت كلمة ‘الحزب’ تثير السخرية وحتى الاشمئزاز. كانت كلمة تهجينية، بل هجائية. وأذكر، مثلا، أنه كان لدينا في المرحلة الثانوية أستاذ في مادة التاريخ، لقبه العائلي الدريدي، كان هو الوحيد من بين جميع الأساتذة الذي يجرؤ، في منتصف السبعينيات، على المجاهرة بانخراطه ونشاطه في ‘الحزب’. ولهذا فقد كان التلاميذ يطلقون عليه اسم ‘الدريدي حزب’… كما كان من المعروف في عهد بورقيبة، ولا أدري إن كان الأمر قد استمر بعده، أن الإذاعة الوطنية كانت تبث كل يوم، عقب نشرة أنباء الظهر، نشرة باللهجة العامية. وكان المذيع يستهلها دوما، دون مقدمات، بالقول في شبه نداء: ‘الحزب الاشتراكي الدستوري!’. ثم يورد أخبارا يتعلق أغلبها بالدعوة إلى اجتماع لشعبة أو خلية محلية (حزبية طبعا) أو للجنة تنسيق جهوية (حزبية طبعا). وهكذا دواليك. وكان مما يتندر به الناس أنه أورد عام 1979 خبرا يقول: ‘الحزب الاشتراكي الدستوري! شعبة بلدة عفسة [أي وطأة] الحصان تندد بالاعتداء السوفييتي الغاشم على أفغانستان!’وكما أن لمفردة ‘حزب’ في تاريخ تونس السياسي المعاصر هذه القصة البئيسة، فإن لعبارة ‘ستين حزب’، في المقابل، وقعا راكزا في عمق الثقافة الشعبية على امتداد القرون. يقال عمن حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، في إشارة تقدير وثناء، إنه ‘حافظ ستين حزب’. ويتطرق الحديث إلى معرفة أحدهم بعلوم الدين، فيقال إنه ‘وصل لستين حزب’. أما إذا أراد المرء القسم بأغلظ الأيمان، فإنه يقسم بـ’الستين حزب’. الآن وصلت تونس إلى نقطة تقاطع سيميائي بين تاريخها السياسي المعاصر وبين ثقافتها الشعبية العميقة، فإذا بوحدانية ‘الحزب’ الذي لا حزب سواه تتجزأ، بل تتذرر، إلى ‘ستين حزبا’ أو زد قليلا… كل منها يتهيأ الآن لخوض انتخابات المجلس التأسيسي في 24 تموز (يوليو) منفردا. ورغم أن هذا أمر متوقع في المرحلة الحالية، أي مرحلة التنفيس عن ركام المكبوت السياسي الذي يتداخل فيه الاعتبار الحزبي مع الطموح الشخصي، فإن من المتوقع أيضا أن معظم هذه الأحزاب، التي قيل إن ‘عدد أعضاء الواحد منها لا يكفي لملء حافلة عمومية’، سوف تكتشف أنه لن يكون لها محل من الإعراب الانتخابي إذا ظلت منفردة، وأنه لا يمكن لها البقاء على قيد الحياة إلا إذا انضوت مع أحزاب أخرى في تحالفات ذات وزن. ولن يكون لهذه التحالفات من معنى مفهوم شعبيا إلا إذا كانت تعبيرا واضحا عن التيارات الإيديولوجية الكبرى التي أفرزتها الساحة التونسية، والعربية عموما، أثناء العقود الماضية: أي التيار القومي، والإسلامي، واليساري والليبرالي. يبقى السؤال: هل يمكن لأحزاب غير ذات طابع عقائدي، أي أحزاب براغماتية مسلحة ببرامج عملية لمعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، أن تتحالف هي الأخرى فتشكل تيارا منافسا للتيارات التقليدية- تيارا يستمد قوته من جدته ومن أمانته على الطابع اللاإيديولوجي للثورة الشعبية؟