أحزان صغيرة من ارشيف مخرج سينمائي غريب الاطوار
زياد خداش أحزان صغيرة من ارشيف مخرج سينمائي غريب الاطوارنسيانشعرة طويلة منسية في ساق امرأة جميلة جدا، تجلس المرأة في مقهي بانتظار رجل جديد، الساقان اليانعتان ملتفتان فوق بعضهما البعض بينما بقايا حبات مطر خفيف يسيل علي الزجاج بجانب طاولة المرأة، هل هي دموع الزجاج أم دمه أم أسئلته؟ كنت اختبيء في شرفة منزل لصديق مسافر، اري كل شيء امامي وكاميرتي لم تكن بهذا الجذل والانفعال منذ حملتها علي كتفي وتجولت بها في ضياعات واحزان واسرار الناس البسطاء العاديين، الشعرة اللعينة ملفتة للنظر لكن المرأة لا تراها ولا تحسها، فقد نسيتها في زحمة تفقد مناطقها الأخري، والإنسان ينسي بطبيعته، يدخل الرجل مبتسما وقويا، يرفل في سحابات عطر لا يذهب، يجلس أمام المرأة الجميلة جدا، تهبط النظرات هناك فيما يشبه سياحة في بلاد لينة، المرأة لا تستهجن النظرات فهي مطلوبة ومنتظرة وتقليدية، تتوقف نظرات الرجل هناك حيث تنتصب الشعرة، كلص مكشوف وأهوج، يضطرب الرجل، يهرش رأسه، تبتسم المرأة الجميلة جدا، فقد ظنت أن اضطراب الرجل ناتج عن سحر ساقيها، ينهض الرجل معتذرا لقضاء حاجته، تزداد ابتسامة المرأة، فاضطراب الرجل الرائع وصل الي درجة الهرب الي الحمام، تنشغل المرأة المبتسمة والمبتهجة بقراءة صحيفة مرمية بالصدفة علي الطاولة، الساقان تتأرجحان بخفة وبراءة كطفلين ضلا الطريق ويلهوان الان علي خط سكة قطار سريع قادم، يـتأخر الرجل، ابتسامة المرأة تتوسع، تقترب من حدود ضحكة، وحده النادل الشاب المستغرب كان يعرف ان المرحاضفارغفارغ تمامًامن الرجالدماملالكاميرا المتطفلة تختبئ الآن تحت درج عمارة، المخرج غريب الأطوار الذي يعاني من هوس ملاحقة أحزان النساء الصغيرة في الشوارع البعيدة والعمارات المكتظة يلصق عينيه النهمتين في مؤخرة الكاميرا، وينتظر: المرأة التي تبدو جميلة فقيرة علي درج الطابق الأول وقفت مرتبكة ناظرة بقلق فوق وتحت، كانت صاعدة لتحضر الدواء لأبيها المحتضر من عيادة مجانية تابعة لجمعية خيرية، وبعد أن اطمأنت من عدم وجود أحد، تنهدت هامسة: يا الله حكالي الدكتور يومين وبتروح هاي الدمامل، رفعت فستانها الأسود، كاشفة عن فخذ مليء بدمامل حمراء صغيرة.راحت تهرش فخذها فاتحة فاها متألمة وضجرة. في لقطة ذكية و سريعة أدار المخرج الماكر الكاميرا باتجاه نافذة بيت مقابل العمارة، كان هناك رجل في الستين يحرك لعابه مستثارا من التماع فخذ احمر مشتعل لامرأة كان يراها بعينيه المعذبتين تمارس العادة السرية، علي درج الطابق الأول. كان يهمس لنفسه مرتجفا : يا الله كل هذه الحمرة ! إلي أين تذهب؟؟. من الذي سيطفئ نارها بعد قليل؟؟ حصانتمشي المرأة الجميلة في وسط المدينة المكتظة بالناس، فجأة أري عربة حصان قادمة مسرعة من آخر الشارع، يهرب الناس من أمام العربة، المرأة كانت تفكر في ما شغل تفكيرها حين دهمتها العربة، وقعت المرأة الجميلة علي الأرض، واندلقت أغراضها خارج حقيبتها، شغلت فورا كاميرتي وصوبتها نحو المرأة الممددة علي الارض بخجل كبير، لم تتألم المرأة رغم التواء كاحلها أو بالأحري لم تنتبه للألم، هل أجلته إلي وقت آخر؟ كاميرتي كانت مركزة علي كاحلها مرة وعلي عينيها المرتعبتين مرة أخري كانت تنظر حولها خجلي ومضطربة بسبب تحلق الناس حولها، الناس ذهلوا حين نهضت المرأة بسرعة رغم التواء كاحلها، تابعتها بالكاميرا، يداها تتحركان بعصبية علي الأرض وهما تبحثان عن أغراضها، كانت تبدو وكأنها تبحث عن غرض خطير او مهم، اعتقدت أنها تبحث عن دولاراتها الكثيرة التي تناثرت هنا وهناك أو أقراطها الذهبية وأوراقها، لكنها تركت كل شيء وخطفت عن الأرض فوط الكوتكس، وهربت مسرعة ناسية ألم كاحلها امام أعين المارة الذين هجموا فيما بعد علي أوراقها النقدية، و منهم أنا.درجكان الرجل الخمسيني صاحب الابتسامة التي لا تتوقف، الطبال سابقا في فرق موسيقية توقفت بسبب الانتفاضة، قصير القامة والاعرج مع بدانة خفيفة يصعد درج العمارة التي يسكن في غرفه سطوحها، لم اكن اعرف ما الذي ينتظره هناك، زوجة وابناء ام سرير بارد متعفن ام اصدقاء ام اب عجوز، ام ماذا؟ كنت الاحقه بكاميرتي منذ اشهر، كنت اعرف ان هذا الرجل لديه من الاحزان الخفية ما يكفي لاخفاء مدينة كاملة عن الوجود، في عتمة رام الله ما زال يصعد الطبال السابق الدرج وانا خلفه مع كاميرتي اصعد حافيا، كنت اعرف ان عدد طبقات العمارة هو عشر، لكن الغريب اني ما زلت اصعد منذ نصف ساعة، ولم اصل بعد للسطح، بينما ظل الطبال القصير متمازجا مع لهائه ما زال يترنح علي جدران الدرج، امامي، الهي، ما زلت اصعد الدرج والظل المكسور امامي، منذ ساعتين، لم اصل بعد. الي اين تأخذني ايها الطبال السابق؟.سوادلم اكن اعرف اسم الشارع في البداية، لكني حين عرفت ان اسمه الرسمي حسب سجلات بلدية رام الله شارع الحرية، اجتاحني ما يشبه شعورا بالسكرة المفاجئة في مسجد او كنيسة، الشارع يقع بالقرب من مطعم دارنا، بجانبه بيوت قديمة جدا وعلي الطرف الاخر هناك السفارة الالمانية، مما يعطي انطباعا بتصالح المعاصرة مع الاصالة او بتواطئهما، لا تسير السيارات في هذا الشارع وحين يحدث ان تسير فهي نادرة، ومرتبكة ومخالفة للقانون، حتي المشاة لا يشاهدون هنا بكثرة، كم هو غريب هذا الشارع! حملت كاميرتي وكمنت بها في حقل مشجر اول الشارع، رحت انتظر فرائسي من نساء ورجال القت بهم الدنيا علي قارعة التعاسة، امرأة بملابس سوداء وحقيبية سوداء، تقترب، كأنها تنتظر احدا ما، امرأة تبدو مألوفة، هيئتها وطريقة مشيها، وتلفتها، كأني اعرف كل ذلك بل ولمسته، سيارة من الطرف الاخر من الشارع تقترب، المرأة تمشي باتجاه السيارة، كاميرتي تلاحق المرأة االتي غطت شعرها بمنديل، تفتح المرأة الباب، في تلك اللحظة السريعة وبين فتح الباب وانغلاقه تخلع المرأة منديلها بعصبية حلوة وفرحة، الهي، انها—— امعقول؟؟ لا لا ليست هي، مستحيل، فزوجتي اقصر من هذه المرأة و—-، اركض باتجاه الباب وقبل ان تتحرك السيارة كنت ارتمي علي زجاجها، تاركا كاميرتي تتحطم.ہ كاتب من فلسطين0