مـحـمـود صُـبْـحعنترة الأندلسيّ هـذا هو أبو جعفر أحمد بن عبد اللـه بن سعيد العَنْسيّ. وكان لونه مائلا إلى السواد. قال قريبه أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد في كتابه ‘المُغرِبُ في حُلى المَغْرِبِ’ سمعت أبي يقول: ‘لا أعلم في بني سعيد أشعر منه بل أعلم في بلده، وعشق حَفْصةَ شاعرة الأندلس، وكانا يتجاوبان تجاوب الحمام. ولمّا استبدَّ والده بأمر القلعة حين ثار أهل الأندلس بسبب صولة بني عبد المؤمن على المُلَثَّمين اتخذه وزيرا واستنابه في أمور فلم يصبر على ذلك واستعفى فلم يعفه وقال: ‘أفي مثل هـذا الوقت الشديد تركن إلى الراحة؟’وهـذه القلعة التي يذكرها صاحب ‘المُغْرِب’ كانت تُدْعى قلعة بني سعيد، وهي الآن تُدْعى ‘الكلا ريال’، أي القلعة الملكيّة، وتقع في منتصف الطريق بين قرطبة وغرناطة. وما زالت تَشْمَخُ فوق ذروة جبليّة يراها المسافرون والعابرون فيعجبون بما خلّفه الأندلسيّون من آثار تدلّ على عظمتهم ورُقِيِّ مَدَنِيَّتِهِمْ.
أمّا عبلة فهي كما يقول لسان الدين ابن الخطيب في كتابه ‘الإحاطة في أخبار غرناطة: ‘حفصة بنت الحاجّ الرَّكونيّ من أهل غرناطة، قريرة الزمان في الحسن والظرف والأدب واللَّوْذَعِيّةِ. ‘ثمّ يقول: ‘كانت أديبة نبيلة جيِّدة البديهة سريعة الشعر.’ ويضيف: ‘وقالوا تُوُفِّيّتْ بحضرة مرّاكش في آخر ستّة وثمانين وخمسمئة’، أي في أواخر القرن الثاني عشر وذلك سنة 1190 م. ويضيف كذلك: ‘وتولَّع بها السيّد أبو سعيد بن عبد المؤمن ملك غرناطة وتغيَّرَ بسببها على أبي جعفر بن سعيد. وكان يقول لها: ‘ما تُحِبِّينَ في ذلك الأسود وأنا أقدر أن أشتري لك من سوق العبيد عشرة خيرا منه؟’ولـكنّها لم تُصْغِ إليه ولم يتبدّل حبّها لعنترة الأندلسيّ هـذا بل ظلَّت تبادله الوفاء والوصال والشعر والرسائل إلى أن قتله ملك غرناطة حسدا وغيرة. فبقيت تحنّ إلى عهده وتتذكَّرُ أيّام ودّه. وكان أبو جعفر بن سعيد يعلم حقّ العلم مبلغ حبّها له فهو يقول: ‘أُقْسِمُ ما رأيت ولا سمعت بمثل حفصة. ومن بعض ما أجعله دليلا على تصديق عزمي وبرّ قَسَمي أنّي كنت يوما في منزلي مع من يحبّ أن يخلى معه من الأجواد الكرام على راحة سمعت بها غفلات الأيّام فلم نشعر إلاّ بالباب يُضْربُ فخرجت جارية تنظر مَنْ بالباب فوجدت امرأة فقالت لها: ‘ما تردين؟’ فقالت:’ ارفعي لسيّدك هـذه الرقعة.’ فجاءت برقعة فيها:
زائر قد أتى بجيد غزال طامع من مُحِبِّه بالوصالِأتراكم بإذْنـكم مُـسـْعـِفـيهِ أم لكم شاغل من الأشغال؟
ِ (البحر: السريع)فلمّا وصلت الرقعة إليَّ قلت: وربّ الكعبة! ما صاحب هـذه الرقعة الرفيعة إلاّ حفصة. وقمت مبادرا للباب وقابلتها بما يقابله من يشفع له حسنه وآدابه والغرام به وتفضّله بالزيارة دون طلب… .’وكان عنترة الأندلسيّ هـذا يكتب لها كذلك أشعارا شبيهة بشعر عنترة بن شّدّاد متغنّيا بمحاسنها وبآدابها. وكان الاتصال بينهما يتمّ بعد المراسلة الشعريّة. فمن قصيدة بعثتها له وقد قارنت نفسها ببُثَيْنة وقارنت حبييها بجميل تقول:
أزورك أم تزور فإنّ قلبي إلى ما مِلْتُمُ أبدا يميلُ؟
فعجِّلْ بالجواب فما جميل أناتُكَ عن بُثَيْنَةَ يا جميلُ( البحر: الوافر)وكانت تغار عليه كثيرا فقد عَبَّرَتْ عن هـذه الغيرة بهـذين البيتين الجميلين:
أغار عليك من عيني رقيبي ومنك ومن زمانك والمكانِِولو أنّي خَـبَـأْتُكَ في عيوني إلى يوم القـيامة ما كـفانـي ( البحرُ: ألوافر)علما بأنّ هـذين البيتين مكتوبان باللغة العربيّة مع ترجمتهما بالإسبانيّة إزاء أبيات شعر لشاعر قرطبة ابن زيدون ( لقد ترجمنا مختارات من شعره ونشرناها باللغتين العربيّة والإسبانيّة مع دراسة طويلة) قالها في حبيبته وَلاّدة بنت المُسْتَكْفيّ، وقد نُسِبا إليها، في تمثال يمثِّل يَدَيْ عشيقَينِ: يد ابن زيدون ويد ولاّدة. وقد حُفِر تحت هـذه الأشعار بخطّ كبير ما يلي: ‘تُهْدي بلديّةُ قرطبة هـذا النصب التذكاريّ الذي يدلّ على الحبّ الوفيّ الخالد إلى جميع عشّاق العالم’. ويتردّد العشّاق والسوّاح على الحديقة المحيطة بهـذا التمثال ليجِّددوا عهدهم على الوفاء مردِّدين الشعر الأندلسيّ وأُنْشودة الحبّ العربيّ ّالعُذْريّ: حبّ عنترة وعبلة، حبّّ قيس وليلى؛ حبّ جميل بثينة، حبّ ابن زيدون وولاّدة، حبّ ابن سعيد وحفصة،… . أستاذ كرسي شرف في جامعة مدريد المركزيّة