متجذرة هي الحركة الاسلامية في الأردن وعمرها من عمر الدولة يشهد بذلك التاريخ والحاضر ولا ينكر ذلك الا جاحد ولطالما كانت الحركة صمام الأمان على المستوى السياسي بعقلانيتها وحكمتها في الظروف الصعبة وعلى المستوى الاجتماعي بانتشارها على طول الأردن وعرضه بمؤسسات كان لها أكبر الأثر في تعويض ما قصرت به الحكومة من تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم لفئات مستضعفة كالأرامل والأيتام والمرضى عن طريق جمعيات المركز الاسلامي وعلى المستوى التربوي والديني بجمعيات المحافظة على القرآن التي أحيت في المجتمع حب القرآن وتعلمه وإجادته وخرجت الكثير من الحفظة والمجازين بالرغم من امكانياتها القليلة وكان وما زال الاقبال للاستفادة من هذه الجمعيات وخدماتها المعيشية والعلمية في تزايد مستمر من كافة فئات المجتمع وفي الفترات الأولى من نشأتها كان لها دور أكبر في زرع الوعي وتشكيل الشخصية الاسلامية المتكاملة ولكن منذ أن وضعت الحكومة يدها عليها وتدخلت في برامجها في التوجيه الديني والدعوي فأصبحت هذه المراكز تخرج أفرادا صالحين ولكنهم سلبيون تربوا على أداء الشعائر التي لا تجاوز ذواتهم أو حلوقهم! وليس هذا هو الدين إنما هذه رهبانية اسلامية مبتدعة تبقي المرء أسير كهف العزلة وتأخذ بالمظهر دون الجوهر! فما ينفع أن يأخذ المرء كل علوم القرآن ودوراته ويتقن حروفه وقراءاته ثم يضيع حدوده وفريضة إقامته في واقع الحياة وواجب الشهادة على الناس؟! أليس أدل من أن الحفظ والقراءة دون العمل لا تغني عن المرء شيئا أن الله لم يوجب على عباده الحفظ وإنما أوجب عليهم التطبيق لسانك وقال مخاطبا نبيه يحيى في موضع آخر ان الكتاب يجب ان يؤخذ بقوة وهذا يعني تطبيقه في أتم صورة، وذم أهل الكتاب بأنهم حملوا التوراة حمل الحمير دون أن يعرفوا قيمة ما يحملون، ويؤكد ابن مسعود أن الهدف ليس الحفظ وإنما العمل فقال ‘كنا لا نتجاوز العشر آيات حتى نعمل بها فتعلمنا العلم والعمل معا’ نعم نحن بحاجة الى تصحيح الفهم حتى نستطيع تقييم مخرجات الجمعيات الاسلامية فحافظ لا يعلم أن القرآن بين جنبيه يأمر جسده باستنفاد الجهد في الوقوف بوجه الطغاة ليس بحافظ بينما متعتع بالقرآن يمشي في حاجات مجتمعه بالاصلاح يبغي نفعه ورفع الظلم عن اخوانه خير من مقرىء تدمع لصوته العيون وتخشع القلوب، وهذا ما فهمه سيدنا خالد يوم أمسك بالقرآن وبكى وقال ‘شغلنا عنك الجهاد’ فاشتغل بعظيم عن عظيم واشتغل به بصورة أخرى لتظل كلمة الله هي العليا وليُحفظ القرآن في حياة الناس لا فقط في صدورهم ومصاحفهم إن تعليم القرآن للناس دون فهم معناه والعمل بمقتضاه يكاد يكون منهيا عنه فعن سفيان الثوري أنه قال ‘ إذا رأيتم طالب العلم يطلب الزيادة من العلم دون العمل به فلا تعلموه فإن من لم يعمل بعلمه كشجرة الحنظل كلما ازداد ريّا بالماء ازداد مرارة وإذا رأيتموه يخلّط في مطعمه ومشربه وملبسه ونحو ذلك ولا يتورع فكفوا عن تعليمه تخفيفا للحجة عليه غدا’ وعلى القائمين على الجمعيات أن يعوا ذلك ويصححوا مسارهم فتطبيق القرآن في المجتمع بالاصلاح فيه هو الامتحان الحقيقي والوظيفة الفعلية والإجازة الكاملة لحامل القرآن ولذا كان هم الأولين ممن فقهوا ليس متى يختم الآية أو الجزء ولكن متى يفهم ما يقرأ ومتى يعمل به إن كل قارىء لا يعمل لإقامة الدين ورفع الظلم وإصلاح الحياة فقد جعل القرآن وبالا عليه وكم من قارىء للقرآن والقرآن يلعنه!! ليس بأعداد الحفاظ والخـــــريجين والمراكز تقاس الانجازات ولكن بتحسن أحوال بلدنا والمواطنين عنــــدها فقط يكون القرآن قد أدى غايته وعندما يطبق الناس رسالة القرآن الاصــــلاحية يمكن القول أننا نجحنا في تعليمهم اياه فكثيرون يدروشون بالدين والعبادات ويتسابقون بالختـــمات وحال المسلمين من سيىء لأسوأ وهذا الكتاب ما نزل عليـــنا لنشـــقى بل لننــعم بأفضـــل حياة وأكرم منزلة والى أن يتحقق هذا تبقى وظيفـــة القــــرآن منقوصـــة يقول بيت الشعر الذي يجمع حروف حــــكم الاخفاء من أحكام النون الساكنة. د.ديمة طارق طهبوب