أحلام بالحرية لعائشة عودة: شاعرية البوح

حجم الخط
0

أحلام بالحرية لعائشة عودة: شاعرية البوح

نائل بلعاوي أحلام بالحرية لعائشة عودة: شاعرية البوح ـ 1 ـ حين سمعت بهذا الكتاب لأول مرة، لم افكر صراحة بقراءته، او القيام بأي جهد للحصول عليه. ليس لأن العنوان الذي يحمله الكتاب كثير التداول، وقليل الجاذبية في آن. (هناك العشرات من الكتب العربية التي تحمل عناوين مشابهة، او تدل عليها). وليس لأن اسم المؤلفة مجهول تماما ككاتبة. فهذا الأمر وحده، قد يكون دافعاً لقراءة الكتاب وليس العكس. بل لسبب مختلف تماما، قررت استبعاد احلام بالحرية من قائمة الكتب التي ارغب في قراءتها. فالصحيفة التي علمت من خلال خبرها الصغير بصدور الكتاب قامت بوضعه تلقائيا تحت عنوان آخر، قليل الاثارة، ولا يثير الفضول، بالنسبة لي هو من أدب السجون . وقد ذكرني العنوان الأخير هذا، بعائلة كبيرة من العناوين الاخري، قليلة الاثارة: ادب الحروب ، ادب المقاومة ادب ثوري ، ادب انتفاضة ، قصائد حجارة . الي آخر القائمة التي تضم عناوين كبيرة وطنانة، لم ينجح غالبية الذين كتبوا من وحيها في سبر اغوارها العميقة، او الدخول الي جوفها الانساني الحقيقي، بل ظلوا يترنحون عند سطوتها كأحداث، ليس اكثر، لتخرج تجاربهم المكتوبة في نهاية المطاف كمسوخ مشوهة، شديدة السطحية والسذاجة ايضا. كانت تجربتي الشخصية، مع مثل تلك الآداب المذكورة صادمة الي حد القسوة، وغير مفرحة البتة، الي حين قدم لي كتاب أحلام بالحرية قبل ايام قليلة عبر صديق عارف بذائقتي كقارئ، وقد شدد ذلك الصديق علي ان الكتاب هذا يستحق القراءة.في ساعة متأخرة من ليل ذلك اليوم، وضعت احلام بالحرية في جيب معطفي واستقبلتني الحافلة الاخيرة التي تصلني بالبيت. ورحت اقرأ الي حين فاجأني صوت المذياع الداخلي للحافلة، معلنا عن الوصول الي المحطة الاخيرة. هذا يعني ان الحافلة قد تجاوزت، وبمسافة كبيرة، محطتي المقصورة. وهذا يعني ان العثور علي وسيلة للنقل، في مثل تلك المنطقة، البعيدة عن مركز الحديثة هو امر مستحيل.كان الكتاب لا يزال في يدي، حين غادرت الحافلة الي الشارع. فرحت علي الفور، مستعينا بأضواء المكان، بتأمل وجه الفتاة الجميلة التي تتوسط صورتها غلاف الكتاب، هل هي صورة المؤلفة ذاتها؟ هل هي صورة لفتاة فلسطينية اخري يجعل وجهها وتعابيره الجذابة كل تلك الطاقة علي التأمل والايحاء، الي الحد الذي بدت لي القضية الفلسطينية لحظتها مجسدة بأكثر صورها وضوحاً وعمقاً، كما بدا الحلم الفلسطيني في عيون صاحبة الصورة شديد الشفافية وبعيد المدي.حين وصلت البيت، بعد رحلة طويلة من المشي السريع، كانت الصفحات الاولي التي التهمتها من احلام بالحرية خلال السفر بالحافلة اضافة للمعاني العديدة التي تثيرها صورة الفتاة المذكورة، قد اكملا سيطرتهما عليّ بالكامل. فلم اتمكن من الخلود للنوم قبل الانتهاء من قراءة صفحات الكتاب المتبقية. كما لم اتمكن في صبيحة اليوم التالي، من فعل اي شيء آخر، سوي العودة لقراءة الكتاب من جديد. مستحضرا اجابة جان جينيه، عن السؤال المتعلق بأكثر الكتب تأثيرا وصمودا في ذاكرته، حين قال: انها الكتب التي اعود لقراءتها مرة ثانية .ـ 2 ـها أنذا اعود لقراءة احلام بالحرية لعائشة عودة، مرة ثانية. محاولا النفاذ الي ما فاتني في القراءة الاولي. فلم اجد في الحالتين سوي ذلك السحر الطبيعي الذي يتدثر به النص. سحر المقدة علي الصعود بمستويات البوح الي مداها الاقصي. الي الحد الذي تشي به الكاتبة ونصها معا بكل ما لديها، فلا يبقي هناك، ما يمكن للكلام ان يخفيه. او يسكت عنه تقول الكاتبة دقائق ودخل اثنان احدهما الشخص الذي كان يضربني علي رأسي عند وصولي. كان يحمل في يده كرباجا. اما الثاني فكان ضخم الجثة ذا كرش يندفع امامه كأنه عربة.. داخلني توجس وخوف منه، وقلت في نفسي (يمة الغول). لوح حامل الكرباج به في الهواء ثم اصلي به كتفي وظهري. امسك الغول بشعري ورماني ارضا.. مد رأسه ورقبته في اتجاه وجهي كما يفعل ثور يستعد للمصارعة وكان الثور يسبب الخوف والرعب لي حين كنت صغيرة، عندما كنا نصادف ثورا ونحن اطفال نجوب الكروم والجبال والوديان، نتصايح ونجري في كل اتجاه، فيجري الثور خلف احدنا بهذه اللغة غير المتكلفة، البسيطة الي حد الادهاش والحميمة في آن، تدخل الكاتبة قارءها الي عالمها الشخصي، شاعري التفاصيل بقدر ما هو كثيف في الواقع. ولعل المشهد الوارد اعلاه، هو النموذج الحقيقي لآلية القص عند عائشة عودة. فهناك دائماً تلك المفارقات الساخرة، علي شاكلة يمة الغول . وهناك دائما تلك القدرة التلقائية التي يتمتع بها المقهور علي الاستخفاف بقاهره. وهناك دائما وابدا تلك العودة الاثيرة للماضي الشخصي والعام. والدخول عميقا في اغوار الذات مفتشة عن احلامها وخيباتها، مستحضرة تفاصيل الامكنة والاشخاص والنباتات واوعية الامهات والجدات. وتأثيراتها مجتمعة علي تلك الذات القابعة في سجن المسكوبية في القدس المحتلة بين مخالف السجانين.قدرة عائشة عودة، العجيبة، علي التداعي والتنقل السلس بين واقعة واخري، دون المس بعضلة القص هي العلاقة البارزة في احلام بالحرية فهذا النص المكشوف كما اسلفت، المفتوح علي عالم روحي شاسع وشفاف، يأخذ بنيته الداخلية الصلبة من بساطته ذاتها، من روح الراوية المتحررة من هواجس البحث عن ادوات روائية ما تخرج بها نصها، لتبقي الحكاية التي باحت بها عودة، اسيرة لخطتها الاولي، اسيرة الرغبة الانسانية العادية بسردها. وهنا علي الأغلب، تكمن اسرار الحرفية العالية التي يتمتع بها النص، كما تكمن، هنا ايضا، القدرة علي العودة الي الماضي، وفي اللحظة التي لا ينتظرها القارئ. دون الخدش بالتناغم الطبيعي للغة السرد. كما في المشهد التالي الذي تصف فيه الكاتبة لحظة اعتقالها الاول من اذار (مارس) 1969 الجو ربيعي، السماء صافية تلامس خبايا الروح، اشعة الشمس رقيقة، دافئة، حركت اعماق الحياة المختبئة من برد الشتاء فخرجت تستعرض نفسها تحت اشعتها .. ثم انتبهت لوجود شخص غريب يقف علي الرصيف بادر قائلا: مرحبا اليست هذه صورتك؟ ـ نعم هي صورتي. وقد ادركت انه من رجال الاحتلال. طغت علي وجهه تعابير غرور استغرقتني قال: ارأيت، لقد امسكنا بك بسرعة. انت مطلوبة لقوات جيش الدفاع الاسرائيلي. اكملت سيرتي نحو البيت فتبعني كالظل (ص 26 ـ 27) هنا، في هذه اللحظة التي ينتظر فيها المتلقي/القارئ متابعة تفاصيل الاعتقال تنتقل الكاتبة مباشرة وبتلقائية شديدة، لا يعترضها نشاز ما، الي عالم حميمي، عالي السطوة، يمثله البيت الذي عاشت وكبرت فيه: لبيتنا مدخل له بوابة علي الشارع، يمتد المدخل ثلاثين مترا تقريبا بعرض ثلاثة امتار، مرصوف ببلاط حجري من محاجر المزرعة الشرقية المشهورة بلون حجرها الوردي، وعلي جانبي المدخل سوران بارتفاع متر تقريبا، علي واجهتهما بلاط حجري وردي كذلك (ص27). ثم تبدأ الكاتبة بسرد التفاصيل الدقيقة لذلك البيت، جدرانه، شبابيكه، افراد العائلة الذين يقطنونه، انواع النباتات والزهور التي زرعت في احواضه، واشياء اخري عديدة، تلتقي جميعها في مقطع خلاب من النص لتشكل صورة متكاملة لطبيعة بيوت الفلاحين الفلسطينيين واشكال الحياة فيها.اعتقال عائشة عودة في ذلك اليوم الربيعي من عام 1969، هو اعتقال، بصورة او بأخري، للبيت ذاته، للمكان بمختلف معانيه، لتاريخه ومستقبله ولناسه. وما سياسة جيش الاحتلال الاسرائيلي القائمة علي نسف البيوت، سوي تأكيد فعلي علي الرغبة في اعتقال المكان/ الذاكرة، بل مصادرة اكثر مناطق تلك الذاكرة دفئا وخصوصية، تلك التي يمثلها البيت اشعر الآن وانا اكتب عن البيت كأنه ماء نهر دافئ يغمرني ولا اود الخروج منه (ص 30).سوف يقوم الجيش الاسرائيلي، وفقا لذلك المنطق الوحشي، بنسف البيت الذي سحبت عائشة عودة من رحمه، ليلقي بها في غياهب الجب، كما نقول، لتلاقي هناك صنوفا لا حصر لها من العذاب والتنكيل.ـ 3 ـالتحقيق، عنفه وجنونه، وقدرة المحققين علي الفتك بمعتقليهم. التحقيق بما هو شر خالص تجل بشع لعدوانية المحتل. والتحقيق، بتفاصيله الشاذة وادواته المرعبة، هو الحدث الاساسي الذي تقيم من احشائه الكاتبة عمارتها السردية. فهو الدافع الاول لعجلة البوح. وهو المحرك الاصلي كما اعتقد، لرغبة عائشة عودة في فتح ابواب قلبها وذاكرتها علي مصراعيهما. تنبه احدهم الي شعري المربوط علي هيئة ذنب فرنسي. امسك به، طوح بي عاليا في الهواء ورماني علي الارض. اقدام كثيرة بدأت تركلني. من جديد سحبني من شعري ورفعني عاليا وخبطني في الارض لتركلني الاقدام من جديد. كأنما يمارسون لعبة. تكرر الأمر ثلاث او اربع مرات .تتعدد مشاهد العذاب والتعذيب التي تحكي عنها الكاتبة، وتتنوع (ص54) ايضا، فهي جسدية الي الحد الذي يتبعه الموت فقط، ونفسية الي الحد الرخيص: (التهديد بقتل صديقة معتقلة). (التهديد باعتقال الأم وبعض افراد العائلة)، (استخدام الأبشع من الشتائم البذيئة) (الترغيب في الخروج من المعتقل والسفر الي الاردن)، والاغراء الاخير هذا هو مجرد وسيلة اخري للتعذيب ليس اكثر. الي اخر مسلسل القهر الذي يصل ذروته، في الواقع كما في النص. بهذا المشهد الجنوني: القي عزرائيل اوامره:ـ اخلعي ملابسك.انكمشت وتقاطع ساعداي فوق صدري احتمي بهما. لم يمهلني وطلب من الآخرين تعريتي عنوة.قاومت ولم تفد مقاومتي، اصبحت بلا ملابس كما ولدتني امي تماما. شدت يداي خلف ظهري، وضع القيد فيهما، القوا بي ارضا، انغرز القيد في عمودي الفقري فتصاعد الألم كخيط من نار يسري في نخاعي الشوكي. هجم القصير وثبت ركبته في بطني امسك الطويل ـ عزرائيل ـ بعصا، باعد ساقي وثبتهما بركبته، وثبتت الفتاة رأسي بقدمها.الجاثي بركبته علي بطني، بدأ يسحق صدري بكلتا يديه الضخمتين.. عزرائيل يحاول بالعصا اختراق رحمي.قاومت. كل خلية كل مفردة في كينونتي كانت تقاوم.استمروا في تفتيت صدري، ومحاولات اختراق اعماقي بالعصا دون ان يتمكنوا من ذلك، كنت اقاومهم بارادة تفجرت بداخلي كبركان.توقفوا. هل انتهت المعركة بهزيمتهم؟واذا بسطل ماء بارد يصب فوقي، ثم ثان فثالث . (ص 124 ـ 125). لقد انتهت المعركة بهزيمتهم الاكيدة. فلولا تلك الهزيمة لما كان لعائشة عودة ان تعود الي تلك الساعات الاكثر عنفا وجنونا في حياتها كامرأة وسجينة، وتكتب عنها، بهذا القدر من الصدق مع الذات والآخر. ولولا تلك الهزيمة الاخلاقية للمحتل لما كان لنص الكاتبة عميق الجذور انسانيا ان يصل لهذا المدي من البوح والكشف، ويصبح بالتالي نموذجا جميلا للكتابة العفوية التي تأخذ مفرداتها من خبايا الروح، لتلامس تلقائيا بشفافية واناقة متناهيتين روح المتلقي وتنبش في خلاياها.ہ كاتب من فلسطين يقيم في فيينا صدرت الطبعة الاولي من كتاب احلام بالحرية عن مواطن المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية. رام الله ـ فلسطين في 2004، ثم صدرت طبعة ثانية مؤخرا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2005.عائشة عودة، من مواليد دير جرير ـ رام اللهعملت مدرسة رياضيات وعلوم قبل اعتقالها.اعتقلت بتاريخ 1/3/1969ابعدت في اول عملية لتبادل الاسري بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل في عملية النورس بتاريخ 14/3/1979عضو المجلس الوطني الفلسطيني منذ عام 19810

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية