لندن – «القدس العربي»: أحدهما أجبرته الظروف بطريقة أو أخرى على ترك إرثه التاريخي في «كامب نو»، بينما الغريم الأزلي اتخذ قرارا عاطفيا، بالعودة إلى ناديه الأسبق الذي صنع أسطورته بين 2003 و2009، وحدث ذلك بعد انفجار اثنين من أعنف القنابل الصحافية في تاريخ انتقالات اللاعبين، نظرا للهالة الإعلامية غير المسبوقة، خاصة تلك التي سبقت رحلة طيران ليونيل ميسي من برشلونة إلى باريس في أوج موسم هجرة اللاعبين، قبل أن يأتي الدور على كريستيانو رونالدو، ليسحب البساط من الجميع في آخر أيام النافذة، بروايات متضاربة عن وجهته المحتملة بعد انفصاله عن يوفنتوس، انتهت باستيقاظ عشاق مانشستر يونايتد على حلم عودة الابن الضال، دليلا على أن الثنائي الفضائي لم يكتف بالنجاحات والمعجزات التي حققها كل منهما على مدار أكثر من 15 عاما من المنافسة والغيرة العمياء الصحية داخل المستطيل الأخضر.
الهوس باللقب الشرفي
ربما لو سار البرغوث والدون على نهج جُل نجوم وأساطير اللعبة، إما بالتوقف عن اللعب على أعلى مستوى تنافسي أو بتعليق الحذاء في خريف العمر الكروي، منتصف الثلاثينات، لما أثير هذا الجدل وحدثت تلك البروباغندا سواء في وسائل الإعلام الرياضية أو عالم مواقع التواصل الاجتماعي، لكن ذهاب أعجوبة الأرجنتين إلى فريق أحلام باريس سان جيرمان وعودة البرتغالي إلى معقل يونايتد، أحدث رواجا للصحف والمواقع الرياضية من جانب، ومن جانب آخر ساهم بـ«الأرقام» في حدوث قفزات مجنونة لحسابات بي إس جي واليونايتد في مختلف مواقع «السوشيال ميديا»، وصلت لحد تجاوز المليون إعجاب في أول ساعة في ردود أفعال جماهير مانشستر على التغريدة الرسمية لعودة صاروخ ماديرا بعد 12 عاما من الانفصال، بعد حصول ليو على نفس التفاعل الخرافي في إعلان ضمه للعملاق الباريسي.
ويرجع السبب الرئيسي لهذا الصخب، تلك الرسائل التي أراد الثنائي إيصالها للعالم، في ما تعرف إعلاميا بـ«الرقصة الأخيرة» لميسي ورونالدو في هرم المنافسة على الجوائز الجماعية والفردية المرموقة في أوروبا، لعل أبرزها وأكثر ما توقف أمامها النقاد والمتابعين، تمسك وإصرار كل لاعب بالمضي قدما في طريقه وحياته المفضلة، والحديث عن «هوس» تحطيم ما تبقى لهما من أرقام قياسية، طمعا في نيل اللقب الشرفي «GOAT» (الأفضل في كل العصور)، كأفضل هدية لصناع المحتوى والمتخصصين في شغف الإحصائيات، لتسليط الضوء على التحديات أو بالأحرى أبرز الأرقام القياسية الإعجازية، التي يبحث عنها كل أسطورة في مغامرته الجديدة، ليبقي على آماله في تعزيز مكانه في صدارة الأفضل على مر التاريخ، بدون التوقف عن حصد الألقاب الجماعية ومواصلة الهيمنة على الجوائز الفردية الكبرى.
هز عرش صلاح
بالنظر إلى الأرقام والتحديات الجديدة التي يتطلع إليها كريستيانو بعد عودته إلى البريميرليغ، سنجد أن منها معركة خاصة مع النجم المصري محمد صلاح، لتحطيم رقمه الأسطوري بتسجيل 32 هدفا في الدوري 2017-2018، كأكثر لاعب تسجيلا للأهداف في موسم واحد، متجاوزا الرقم المشترك بين آلان شيرر وكريستيانو، بواقع 31 لكل مهاجم في موسمي 1995-1996 و2007-2008، ومع عدم ظهور علامات التباطؤ على أيقونة البرتغال، حتى مع اقترابه من كسر حاجز الـ37 عاما، كما أثبت بشكل عملي مع يوفنتوس الموسم الماضي، بحصوله على جائزة هداف جنة كرة القدم برصيد 29 هدفا، ومؤخرا قدم دليلا جديدا على أن السنين مجرد أرقام له، باعتلاء صدارة هدافي منتخبات العالم، بفضل ثنائيته في مرمى ايرلندا في التصفيات المؤهلة لكأس العالم، التي نصبته ملكا لهدافي المنتخبات بـ111 هدفا، بفارق هدفين عن صاحب الرقم القياسي السابق الإيراني علي دائي، فلن تكون مفاجأة إذا استعاد رونالدو رقمه السابق من صلاح، وبطبيعة الحال لوجوده في مشروع أكثر جودة وامتلاكا لمفاتيح لعب في الثلث الأخير من الملعب، من نوعية برونو فيرنانديز وبول بوغبا وجادون سانشو ولوك شو وماركوس راشفورد وإدينسون كافاني، مقارنة بنفس الأسماء التي كان يرافقها في «يوفنتوس آرينا»، أو على أقل تقدير سيقترب بشدة من هز عرش الفرعون ورقمه الخالد، وهذا واحد من أهداف وأحلام هداف ريال مدريد التاريخي في 2022، ليضرب عدة عصافير بحجر واحد، منها على سيرة أبو صلاح، مرافقته في نادي المائة، مع اقتراب الأخير من كسر حاجز الـ100 هدف في الدوري الأكثر شهرة في العالم، في ما يتبقى لكريستيانو 16 هدفا لضمان التواجد في نفس القائمة، بعدما غادر «أولد ترافورد» في 2009 وفي سجله 86 هدفا على مستوى البريميرليغ من أصل 118 هدفا في مختلف المسابقات.
ما بعد الـ100
كما سيكون من القلائل الذين نجحوا في تسجيل 100 هدف أو أكثر في اثنين من أقوى الدوريات الأوروبية منذ بداية الألفية الثالثة، مثل زلاتان إبراهيموفيتش وإدينسون كافاني في ايطاليا وفرنسا، والأرجنتيني غونزالو هيغواين، لكن ما يميز إنجاز رونالدو المنتظر، أنه سيكون أول لاعب في التاريخ يفعلها على مستوى البريميرليغ والليغا. ولأن رونالدو يستمد طاقته بتسجيل الأهداف والاحتفال بهز شباك المنافسين، سيكون من ضمن أهدافه في ختام موسم 2021-2022، التتويج بجائزة الحذاء الذهبي، كأفضل هداف في الدوري الإنكليزي، لينفرد بالرقم القياسي، كأكبر هداف يحصل على هذه الجائزة، حيث سيتجاوز الرقم المسجل باسم قناص ليستر جيمي فاردي، الذي ظفر بالجائزة الموسم قبل الماضي بعمر 33 عاما، بجانب تعزيز مكانه في صدارة الهدافين التاريخيين لدوري أبطال أوروبا بـ134 هدفا، بفارق 14 هدفا عن ميسي، وكي يحافظ على فارق الأمان مع البرغوث، سيتعين عليه محاكاة إنجازه السابق، عندما سجل في نسخة واحدة لذات الأذنين 17 هدفا، أو على الأقل سيحتاج هز شباك المنافسين 13 مرة، ليكسر الرقم المسجل باسم الهولندي رود فان نيستلروي، كأفضل هداف لليونايتد في موسم واحد في الأبطال، بواقع 10 أهداف في موسم 2001-2002 و12 هدفا في الموسم التالي، ويتبعه كريستيانو في المرتبة الثالثة بثمانية أهداف في آخر مرة توج فيها الفريق بالأبطال نسخة 2007-2008.
وتشمل أهداف وأحلام رونالدو المشروعة، كسر الرقم الآخر لنيستلروي، كثاني أفضل هداف في تاريخ مانشستر يونايتد في موسم واحد في مختلف المسابقات، بـ44 هدفا، ثم التفكير في تحطيم الرقم القياسي لدينيس لو، صاحب الـ46 هدفا على مدار موسم 1963-1964، علما أن رونالدو يتبعهما في المركز الثالث بـ42 هدفا سجلها خلال 49 مباراة في موسم 2007-2008، فضلا عن استعادة هوايته المفضلة بتسجيل «هاتريك» في مباراة واحدة، ليكون أكبر معمر يتمكن من تسجيل «هاتريك» في البريميرليغ، لكن ليس قبل الاحتفال بعيد ميلاده الـ37، ليتجاوز رقم تيدي شيرينغهام مع بورتسموث في 2003، حين زار شباك شيفيلد يونايتد 3 مرات بعمر 37 عاما و146 يوما، فيما يبقى الرقم الأصعب والأكثر تعقيدا، هو إزاحة الفتى الذهبي وين روني من صدارة الهدافين التاريخيين للنادي، وهذا الإنجاز يتطلب تسجيل 136 هدفا لتضاف إلى رصيده القديم 118 هدفا، ليتخطى الـ253 هدفا التي تركها زميل الأمس في إرثه، أما الهدف الجماعي الأسمى، فهو إعادة الكيان إلى مناص التتويج، وبالتحديد إلى منصة التتويج بلقب البريميرليغ، ليكون «عراب» اللقب الذي ينتظره عشاق النادي منذ تقاعد الأسطورة أليكس فيرغسون في 2013، وبنفس الأهمية سيضع دوري الأبطال نصب عينيه، ليوسع الفارق في عدد مرات التتويج بينه وبين ميسي، بالوصول للمرة السادسة، مقابل أربعة للنجم الأرجنتيني، وبالتبعية ستتضاعف فرصه أكثر من أي وقت مضى، في تحقيق ما يريده، بحصد الكرة الذهبية، كأفضل لاعب في العالم للمرة السادسة في مسيرته، ليعادل رقم ليو.
أحلام البرغوث
بالنسبة لميسي، فحاله لا تختلف كثيرا عن كريستيانو، هو الآخر أخذ وضعية الاستعداد لتغيير الحقائق والمسلمات المتعارف عليها في فرنسا، ليكمل سيرته الذاتية مع المعجزات، التي سيتحاكى ويتفاخر بها الأحفاد بعد عقود، بحصيلة لا بأس بها من الأرقام الاستثنائية سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، كما اعتاد على سحر العالم طوال سنواته في «كامب نو»، التي خرج منها بـ474 هدفا على مستوى الليغا، كأفضل هداف في تاريخ المسابقة، بخلاف أهدافه الـ120 التي سجلها في دوري الأبطال. ولعل أقرب حدث أو رقم فارق ينتظره ليو، وربما يتحقق في التجمع الدولي المقبل أو الذي يليه، هو تخطي رقم الجوهرة السوداء بيليه في عدد الأهداف الدولية على مستوى القارة، حيث يحتاج بطل كوبا أميريكا هدفين فقط ليرفع رصيده إلى 78 هدفا بقميص التانغو، ليتجاوز رقم بيليه الصامد منذ عقود، كأفضل هداف دولي في القارة اللاتينية، ثم بعد ذلك سيركز على هوايته المفضلة بتحطيم الأرقام، سواء التي يتشارك فيها مع كريستيانو، أو التي يتطلع إليها في فرنسا، بما في ذلك التحدي الخاص مع السلطان زلاتان إبراهيموفيتش، باستهداف أرقامه القياسية التي لم يقترب منها كيليان مبابي أو أي لاعب آخر، منذ رحيله عن «حديقة الأمراء» عام 2016. أول هذه الأرقام، إنهاء حملة الليغ1 بـ38 هدفا أو أكثر، لمعادلة إنجاز إبرا في الدوري الفرنسي، كأفضل هداف في تاريخ المسابقة في موسم واحد، بينما الثاني، تكرار ما فعله مع برشلونة 5 مرات، بتسجيل 10 أهداف أو أكثر في حملة دوري الأبطال، ليتجاوز رقم زلاتان، حين سجل 10 أهداف بالقميص الباريسي في نسخة 2013-2014، وهو ما لم يفعله أي لاعب باريسي منذ ذلك الحين. أما التحدي الثالث مع أسطورة السويد، فهو إنهاء الموسم بـ50 هدفا على الأقل، ليعادل إنجاز السلطان التاريخي، علما أن ميسي فعلها مع برشلونة 6 مرات، منها موسم ختمه بـ73 هدفا في كل البطولات 2011-2012. وبعيدا عن إبرا، سيبحث عن تكرار إنجازه السابق مع البلوغرانا، بتسجيل أربعة أهداف في مباراة واحدة ثماني مرات، ليكون أول لاعب باريسي يتجاوز الأربعة أهداف في مباراة واحدة، بعد توقف تسعة لاعبين عند هذا الرقم، ونفس الأمر على الصعيد القاري، حيث سيبحث عن استعادة ليالي الهاتريك الأوروبية، ليفض الشراكة مع كريستيانو، بواقع 8 «هاتريك» لكل لاعب، وبالتبعية سيواصل الضغط على غريمه في لعبة تقليص فارق الأهداف بينهما في أعرق كؤوس القارة الأوروبية، والأهم أنه يتشارك مع الآخر في الهدف الرئيسي، هو الجمع بين لقب الدوري المحلي ودوري الأبطال، أو على أقل تقدير الأخير، ليعزز فرصه في الفوز بالكرة الذهبية السابعة العام المقبل، إذا أفلتت منه أو من رونالدو هذا العام، والسؤال الآن: من سينجح في تحقيق الجزء الأكبر من أحلامه وأهدافه في «الرقصة الأخيرة» على مسرح الكرة العالمية؟