أحلام عن الحب والفقد والحنين في أعمال السورية صفاء الست

زينة شهلا
حجم الخط
0

دمشق ـ «القدس العربي»:

ما هو حلمي؟ ما هو حلمك؟ ما هي أحلامنا اليوم؟ هل يمكن أن تتشابه هذه الأحلام حتى إن كنا أشخاصاً مختلفين، نعيش في أماكن بعيدة عن بعضها، دون أن يعرف أحدنا الآخر؟ وهل هناك خط فاصل بين الحلم والأمنية والأمل؟
هي أسئلة كثيرة قد لا تسهل الإجابة عنها، وقد تفتح باباً لتساؤلات أخرى وخليط من المشاعر المتناقضة، يطرحها المعرض الأخير للفنانة السورية صفاء الست في دمشق بعنوان «أحلام اليقظة» وفيه نزور سبعة عشر «حلماً» على شكل منحوتات متفاوتة الأشكال والأحجام والألوان والتقنيات المستخدمة، ولكل منها ملامح تتراوح بين الحب والقسوة والألم والأمل، مثل العبور بسلام، والسفر، واللقاء بالأصدقاء الغائبين، ولم الشمل، وبناء بيت، والأمومة، والعيش بخصوصية، والسيطرة على العالم، والوصول للشهرة والعالمية. تقول الست وهي خريجة كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق عام 1997، ضمن التعريف عن المعرض الذي افتتح نهاية مايو/أيار، ضمن منزل وسط دمشق جُهز ليكون صالة عرض فنية:
«الحلم لا يكلف المرء شيئاً
الخط الرفيع بين الحلم والأمنية هو… حلم اليقظة
نمضي معظم حياتنا نحلم… ونحن مستيقظون».

مع بداية المعرض نلتقي مع أول الأحلام على شكل أوراق أشجار كبيرة معلقة بشكل طولي، وله عنوان «الرغبة بالتحوّل إلى شجرة في العالم الآخر». بعده نتجوّل بين مجموعة من الأعمال، أو «الأحلام» المتنوعة، التي استخدمت فيها الفنانة خاماتها المفضلة من المعادن، إلى جانب الحجر وزجاج البلكسي. من هذه الأعمال ما يحكي عن الحنين والفقد، مثل حلم «أن أرى أصدقائي الغائبين» وفيه نرى شخصاً واقفاً وقد تحوّل رأسه إلى صندوق يشبه الكاميرات القديمة تعلوه مجموعة من الأشخاص الملتصقين ببعضهم، وحلم «العبور بسلام» وتتضمن منحوتته إلى جانب الشخصية الأساسية زورقاً صغيراً يسعى لأن يحمل من عليه بسلام للضفة الأخرى، وحلم «السفر على كائن خرافي» وفيه مجموعة شخصيات متلاصقة بأرجل مكبّلة ورؤوس محنية تشكّل مع بعضها جسد حيوان ربما سيطير بها وينقلها نحو عالم آخر أفضل، وحلم «التحرر من كل القيود» وتعكسه شخصية مكبّلة لأقصى حد، إذ تتشابك يداها حمراوتا اللون ليكون الأمل بالتحرر والانعتاق حلماً بالفعل بالنسبة إليها، وحلم «العيش بخصوصية» وفيه نرى بيتاً صغيراً في أعلى المنحوتة يصلح لأن يكون المكان الذي سيحمي الأحلام ويحتضنها.
أحلام أو منحوتات أخرى تحكي عن أمنيات شخصية أيضاً لكن ضمن منحى مختلف، مثل حلم «أضواء المسرح والشهرة» وفيه كسر لنمطية ألوان المعادن، التي نراها في معظم الأعمال، إذ اختارت الفنانة للشخوص الحالمة الظاهرة فيه ألواناً تميل للبرتقالي والرمادي، وحلم «العثور على شريك الحياة» وفيه تتراقص أربع شخصيات متكئة على بعضها ومتداخلة بتناغم، «وساندريلا» وهو عبارة عن حذاء معدني كبير، و»توأم الروح» وفيه نرى قطعتي «بزل» سوداء وبيضاء مترابطتين ومتداخلتين تماماً، و»الرغبة برؤية الكثير من عوالم الدنيا» وفيه تخرج من رأس معدني عشرات المكعبات الصغيرة التي قد تكون الوجهات التي يرغب بالسفر إليها.
تتكامل المنحوتات وحكاياتها مع المنزل – الصالة، بجدرانه الإسمنتية البيضاء وسقفه الأسود، وطريقة العرض التي عملت عليها الفنانة، مع منسقة المعرض نور سلمان واستفادتا فيها من المساحة الكبيرة للمكان والحرّية في الاختيار والتجريب، كأن تضعا أحد الأعمال على قطعة خشبية قديمة يحملها برميلان مهترئان، والإضاءة التي تعكس ظلالاً لأجزاء من «الأحلام» بشكل مدروس، التي نفذها مهندس الإضاءة مروان طيارة.

«أحلام لي وللآخرين»

في لقاء لـ«القدس العربي» مع الفنانة صفاء الست داخل صالة العرض، تتحدث عن اختيارها لموضوع «الأحلام» منذ فترة، والعمل عليها كفكرة متكاملة بدءاً من العنوان والتفكير بالتقنيات والتنفيذ، وصولاً لانتقاء المكان الملائم والتنسيق والإضاءة وغيرها من التفاصيل الفنية. وعن الأحلام التي قررت الست تجسيدها وتحويلها إلى منحوتات، تقول: «البعض منها أحلامي الشخصية، والبعض الآخر هو أحلام استوحيتها من الآخرين، سواء أصدقائي ومعارفي، أو من أفلام حضرتها وروايات قرأتها». وتشير إلى أن الحصول على إجابة ممّن حولها عن «حلمهم» لم يكن بالأمر السهل على الإطلاق: «أخذت بسؤال أشخاص مقربين إليّ: ما هو حلمكم؟ لأكتشف بأن السؤال والإجابة عليه أمر صعب للغاية. كثيرون قالوا لي بأنهم سيفكرون ويجيبونني في ما بعد، لكنهم لم يفعلوا. كنت أعتقد بأن الأمر أبسط من ذلك، فأنا حلمي الخاص الذي تعبّر عنه أول منحوتة في المعرض، هو التحوّل إلى شجرة في العالم الآخر، إذ إنني أحب كل ما يرتبط بالطبيعة، وأحب أن أبقى موجودة في هذا العالم على هيئة شجرة».
لم تكتفِ الفنانة في هذا المعرض بخاماتها المعدنية المعهودة، فأدخلت زجاج البلكسي في بعض الأعمال لكونه ملائماً لنمطها التجريدي والحديث، والحجر في أعمال أخرى لها حكاية خاصة تشرحها: «أعمل حالياً في ورشة تقع في غوطة دمشق الشرقية، ضمن محيط تعرّض للدمار خلال سنوات الحرب، ولفتت نظري بعض الأحجار هناك ولعلها بقايا بعض الأبنية، ومن هنا فكّرت بحلم بناء البيت واستخدمت ضمن المنحوتة تلك الأحجار كما هي بعشوائيتها وشكلها الغريب». كمحصلة، عملت الست على سبعة عشر حلماً، وما زال لديها الكثير من الأحلام التي يمكن أن تتابع تشكيلها حتى بعد انتهاء المعرض، فالأحلام والأمنيات لا تنتهي، وهي ملك للجميع، خاصة عندما نتحدث عن أحلام اليقظة التي يمكن أن ترافقنا كل حياتنا دون أن تتحقق بالضرورة. تقول في ختام حديثها: «قد تبدو بعض الأحلام خاصة بفئة معينة دون غيرها، مثل حلم العبور، أو لم الشمل الذي يراود سوريين كثيرين اليوم، لكن أليست هذه أمنيات شعوب أخرى أيضاً؟ سعيت للحديث عن أفكار مختلفة، بعضها جميلة، والأخرى أليمة، أو صعبة المنال، أو حتى شريرة، مثل حلم «السيطرة على العالم» ولا بد لأي منا أن يجد نفسه في واحدة منها أو أكثر».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية