أحلام مستغانمي في كتاب السيرة «أصبحت أنت»: رهانات روائية على استعادة جماليات الحداد

لونيس بن علي
حجم الخط
0

تحت ضغط العُمر، تغدو السيرة الروائية محطة لابد منها لمراجعة الذات لنفسها، واسترجاع ذكريات الماضي، وفتح ألبوم الصور القديمة للتأمل في الوجوه القديمة. وفي سيرتها الروائية «أصبحتُ أنتَ» لم تكتب الروائية أحلام مستغانمي عن حياتها كمجرد سيرورة حياتية في الزمن، بل قدّمت لنا نصّا مكثّفا بالمعاني والتأمُّلات والرؤى، مبرزة على نحو محوري علاقتها الخاصة بوالدها المجاهد سي الشريف، الذي كان حضوره في حياتها طاغياً.
كانت هذه السيرة الروائية نصا مؤجلا، إذ لم يكن سهلا على أحلام الكتابة عن والدها الذي عاش حياة صعبة، انتهت به في أروقة المصحات العقلية، قبل أن يفارق الحياة في صمت مطبق. فليس هناك ما هو أصعب من كتابة الرثاء، إذ تحتاج هذه الكتابة إلى عمر بأكمله لاستيعاب الفقد.
كتبت مستغانمي منذ الصفحات الأولى من سيرتها تقول: «أعجب للذين يُسارعون في الرثاء. الصدمة الكبرى تأخذ صوتنا، لا تترك لنا من كلمات. الحزن الكبير ذهول لا دموع له». شعرتُ بأنّ ما كتبته كان انتشالا للذات من صخب الذاكرة الموجعة، مدركة – في نظري – بأنّ العالم اليوم لم يعد يكترث للحِداد إلا في شكل استعراض باهت، ينتظر ببلاهة تفاعلات الكائنات الافتراضية في مواقع التواصل الاجتماعي. ودون مبالغة، استعادت أحلام، بهذا النص السيري الباذخ، ألق الحزن، وجماليات الحِداد.
ما شغلني كقارئ في هذه السيرة، بعد أن قرأتها باستغراق شديد، هي جملة من التأملات التي تصب حول شكل الكتابة السيرية، منطلقا من سؤال جوهري: لمن كتبت هذه السيرة؟ وصولا إلى علاقة الكتابة بالذاكرة وما بينهما من التباسات. أما جانب الحقائق السيرية، فأنا من الذين يميلون إلى أنّ هذه المعلومات قد تغذِّي فضولَ القرّاء العاديين الذين يبحثون خلف الجُمل عن أسرار ما، في حين كانت عيني النقدية أكثر انتباها إلى ما أسميته بأسئلة الكتابة. والجميل في هذه السيرة أنها راهنت على الأدبية وعلى البعد العاطفي أكثر مما راهنت على الوثائقية.
لمن كتبت مستغانمي سيرتها الروائية؟ تقول بكثير من الأسى: «أيّ شقاءٍ أن تكتب للقارئِ الوحيدِ الذي لن يقرأك». وكانت تقصد بذلك القارئ الوحيد والدها، المرحوم سي الشريف. ما تسميه مستغانمي بالقارئ الوحيد، أسميه أنا بالقارئ المُستحيل؛ هو مستحيل لسببين جوهريين: أنّ والدها لم يكن يتقن اللغة العربية، وبذلك لا يُمكن له قراءة ما تكتبه ابنته، وثانيا وفاته التي تزامنت مع صدور روايتها الأولى «ذاكرة الجسد».
ذكّرني سؤالها بسؤال قد طرحه الأديب الجزائري مالك حداد في كتابه «الأصفار تدور في فراغ»، معبِّرا عن مأساته ككاتب جزائري يكتب عن الفلاحين الذين لا يستطيعون قراءة ما كتبه عنهم، وقد ربط حداد سؤاله بقضية الكتابة باللغة الفرنسية. ومن المهم أن أفتح قوسا هنا لأتحدث عن مكانة مالك حداد في أدب مستغانمي، فهو ابن مدينتها قسنطينة، وهو الأديب الذي أثّرت شعريته على أسلوبها في الكتابة، ناهيك أنّ صاحب «رصيف الأزهار لا يرد» جعل الفرنسية منفاه، وقرّر بعد استقلال الجزائر التوقف عن الكتابة بها، متحسراً على عدم إتقانه للّغة العربية، فقد شغفت بأدبه، لذا أهدت روايتها الأولى «ذاكرة الجسد» له.
لكن، ما تراه مستغانمي شقاء كان أيضا نعمة لها، ولا نعتبر هذا تناقضا في موقفها، لكن استغلالا ذكيا لغياب هذا القارئ الوحيد الذي لأجله فقط كتبت نصوصها، ذلك أنّ الغياب حرّرها من سلطة ذلك القارئ، فكتبت بكل حرية، وإلاّ ما كانت قد كتبت نصوصها؛ إذ تروي قصة بداياتها الشعرية، سواء في المدرسة أو في البرنامج الأدبي الذي كانت تقدّمه في الإذاعة الوطنية حيث رفض والدها الفكرة من أساسها، لكن وجوده في المشفى كان عاملاً إيجابيا لها من جهة الكتابة.
تتأرجح سيرة مستغانمي الروائية بين الذاكرة والنسيان، بين ما لا يُمكن كتابته وبين ما لن يُكتب بسبب النسيان. ما قد يُكتب ليس بالضرورة ما ينبغي تذكره، فالالتباس قائم بين الكتابة والتذكر؛ ذلك أنّ ما يصعب كتابته ينتمي للسيرة، وما يمكن كتابته ينتمي للرواية.
لماذا كتبت مستغانمي سيرة روائية ولم تكتب سيرة فحسب؟ إنّ حدود الالتباس في مصطلح السيرة الروائية واضح، وقد خاض فيه من تخصص في هذا النوع من الكتابة. إنها تقول: «أن تكتب أي أن تتذكّر»، وفي مكان آخر تستدرك: «لا أحد يريد أن يحكي ماذا فعل، ولا ماذا رأى». وعندما علمت بأنّ طبيب والدها فرنسي، طلبت من والدها أن يكتب لمواجهة أسئلته، وسيكون مدخل الكتابة هو تزوير ذكرياته: «عليك إذن إعادة صياغة قصتك، وترتيب أكاذيبك. ارو ما حدث أو ما كنت تود لو أنه حدث. لكل رواية صيغتان، إحداهما لم توجد إلا في خيالنا، ماذا لو كان شفاؤك في تزوير ذكرياتك؟».
يُمكن قراءة سيرة مستغانمي كوثيقة تاريخية عن حياتها، وبداياتها الأدبية، وتجاربها الأولى مع الحب ومع الخيبات، وهي أيضا سيرة لعلاقتها بوالدها المجاهد سي الشريف، وهو مناضل في جبهة التحرير الوطني، ناضل خارج الوطن، وبعد الاستقلال تقلد مهام دبلوماسية رفيعة المستوى، قبل أن تسقط أحلامه النضالية في مستنقع الحسابات السياسية، التي غيّرت مسار الحلم، فينهار نفسيا لأنه لم يتحمّل قوة هذا الزلزال التي دمّر كل أحلامه. ستتحدث أحلام عن علاقته السرية بامرأة من براغ، لتكتشف بأنّ داخل والدها ينام شاعرٌ رهيف الحسّ، اكتشفته في مخطوطات نصوص كتبها.
حضور اللغة الأدبية لم يكن حضورا للأسلوب الأدبي الذي يهدف إلى امتاع القارئ، ولو أنّ نصيب المتعة حاضر. الكتابةُ هي التي تجعل الذكريات حية، بل عندما تندلع من الكتابة حرائق الشعر والاستعارات يصبح للذكريات شكلاً أدبيا، وتتحوّل كلّ ذكرى إلى قصة أدبية. لم تستحضر مستغانمي ذكرياتها، بل صاغتها داخل شكل أدبيّ؛ فالأدب وحده يمنح الضوء الأخضر للذات لتتكلّم عن ماضيها.
ليس هناك ما هو أصعب من مواجهة الماضي، والصعوبة تأتي من عملية ترتيب الذكريات، تقول مستغانمي: «وبعيدا عن الكتابة، هل يجب أن نحتفظ بكل ذكرى، أم أن نتخلص فورا منها. أن ننجو من دكتاتورية الأشياء غير الضرورية، التي تتحكم فينا إلى الأبد، لأنّها يوما كانت جزءا من حياتنا؟». أمام جدار الحقيقة، يأتي الدور للروائية لاستكمال المغيب في الذاكرة؛ فحياة والدها ظلت بالنسبة لها مليئة بمساحات من الصمت، لاسيما قصته مع تلك المرأة التي كان يتبادل معها بعض الرسائل.

سيرة التحولات

لم تكتف مستغانمي بسرد سيرتها الذاتية، لكنها أيضا ألقت ضوءا كاشفا على مراحل تاريخية حاسمة في تاريخ الجزائر، وكانت شاهدة على عنف التحولات التاريخية، مبدية موقفها مما كان يحدث، خاصة بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكم بن بلة، وقد طالت نيران هذا الانقلاب استقرار عائلتها، وبسببه تعرّض والدها لأزمة نفسية، ففُصل عن العمل، وتم إيقاف معاشه، في حين كانت الغنائم والألقاب توزع على من يستحقها وعلى من لا يستحقها، وأصبحت الثورة مجرد ذريعة فقط لتبرير النهب.
لقد أدركت مستغانمي أنّ خطأ والدها أنه كان رجلا حالما، كل ما كان يقوم به بجهد كبير كان فقط لأجل تسريع ماكينة الأحلام كما قالت، لكنه في الوقت نفسه كان يدفع بعقارب الوهم بقوة نحو المجهول، فكل ما حلم به تحول فجأة إلى سراب، ذلك أنّ الذين تقلدوا السلطة سرقوا جميع أحلامه، وغيّروا مجرى الاستقلال. لم يكن والدها في نظرها إلا تمظهرا تراجيديا لمحنة سيزيف مع عبث العالم.
ليست هذه السيرة في الأخير، إلا طريقة لسرد قصة والدها الذي كان له التأثير الكبير على حياتها، وعلى مستقبلها الأدبي، إذ لم تنس كيف أنه فاجأها في إحدى الأمسيات الشعرية بحضوره، ثم صعوده إلى المنصة للدفاع عنها من المنتقدين. ومن شدة تعلقها به، فقد أصبحت هو: «بعدك أصبحتُ أنتَ. أعدتُ اقتراف كل حماقاتك، خسرتُ بسخاء، وبسخاء تهكمتُ على خساراتي».
ستتحدث مستغانمي أيضا عن المناخ الثقافي الذي كانت تتحكم فيه عصبة من المثقفين الطاعنين في السن، ممن كانوا يحاربون الأصوات الجديدة؛ وبسببهم مُنعت من حضور أول اجتماع لاتحاد الكتاب العرب الذي أقيم بالجزائر، بل تم اقتيادها إلى مركز الأمن لاستجوابها بسبب كتاباتها. «كانت الجزائر في سبعينيات القرن الماضي، تعيش حالة تخدير دكتاتوري، نتناول فيه جرعتنا الإخبارية اليومية من الشعارات، دون إمكانية للنقاش. مطمئنين إلى أبوة بومدين و «أمومة» حزب جبهة التحرير».
وفي الأخير، وعلى أهمية ما كتبته مستغانمي من حقائق مسّت حياتها وحياة والدها، إلاّ أننا نشعر بوجود فراغات في هذه السيرة يُمكن أن تمهّد لسيرة أخرى تكون هذه المرة عن مسيرتها الروائية، وسردا تكوينيا عن تجربتها في كتابة الرواية، أي أن تنتقل إلى مستوى آخر من السيرة وهو الكتابة عن سيرة رواياتها. وأكيد أنّ ذلك سيلقي الضوء على أهم تجربة روائية عربية أسست للأدب الجماهيري (بالمعنى الإيجابي للكلمة)، وأثارت حولها الكثير من المعارك النقدية والأدبية والتي كثيرا ما اُستعملت فيها الأسلحة المحظورة.

أحلام مستغانمي:
«أصبحتُ أنتَ»
هاشيت أنطوان/ نوفل، بيروت 2023
304 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية