تضطلع الدراسات الثقافية بمهمة الحَث على رؤية المُنجز الإبداعي كنسيج متشابك يحمل العديد من الأنساق المتفاوتة على مستوى الوعي والتلقي، فهنالك الأنساق المُضمرة التي تختبئ داخل ذلك النسيج والتي يؤدي الكشف عنها أو محاولة قراءتها إلى تكريس رؤية مفادها أن الإخلاص الحقيقي للوعي مرتهن بالرغبة الصادقة بتفكيك هذا النسيج؛ كما تخلق هذه الرؤية أفقاً أكثر عمقاً وفاعلية لفهم المنجز الإبداعي، مما يقودنا لتخليق أفقٍ أكثر رحابة لفهم الحياة ذاتها، ففهم العالم الذي لا يكف عن توليد التشابكات الدائمة لم يعد مرتهناً لتلك النظرة المعيارية التي تنهمك بتصنيف المنجز والحياة إلى جيد وسيء، فهذه الأحكام الأحادية والقطعية تُفرغ أي خطاب من مضمونه ومن تشكيلاته الثقافية والبنيوية.
ينهض الألبوم الموسيقى الذي كتب كلماته الروائي والصحافي الفلسطيني مجد كيّال ولحنه المؤلف الموسيقي فرج سليمان على رؤية كلية ترتبط بحياة الفلسطيني وبتشكيلاتها القلقة على مستوى الوجود والمعنى.
على المستوى اللغوي يتكئ الألبوم على اللهجة الفلسطينية المحكية ومن هنا نستطيع أن نقرأ رغبة العمل الواضحة في تجذير معنى اللهجة ومقدرتها على خلق ارتباط عضوي بالأرض والمكان، حيث تُحقق فكرة اللهجة بحد ذاتها نوعاً من التكثيف الكنائي لمعاني الانتماء والالتصاق بهذه الأرض التي ما زالت تُواجَه بأفعال الاقتلاع والتهميش، ومن زاوية مقاربة نستطيع أن نقرأ اسم الألبوم الذي يحمل عنوان» أحلى من برلين» حيث الرغبة على تأكيد حضور المكان، فكلمة أحلى التي تختزل كلمة (هنا) في داخلها هي رغبة على تأكيد المكان بحيزه السيميائي والجغرافي والثقافي، فهنا الأرض القائمة التي يحاول الاحتلال إبقائها مُعلقةً بالهواء بلا ملامح، في طريق إقصائها كلياً على مستوى الوجود، كما أن السياق كله « أحلى من برلين» يحمل نسقاً مضمراً يؤكد على أن هذه الأرض تستحق أن تمتلك أحلامها ورؤاها وإنسانها، كما تمتلك برلين أو أي مدينة أخرى هويتها ومعناها.
اتخذت اللغة أو السرد في الألبوم منحى قصصيا ذا بعد مشهدي؛ حيث يمتلئ الألبوم بأحداث وعناوين وأسماء لأشخاص وشوارع وأمكنة، لا يأخذ هذا الاستحضار الكثيف للعلامات بُعداً محايداً إنما هو محاولة للكشف عن المخبوء والمضمر في هذه تكوين هذه العلامات والرموز، كما ساهمت الموسيقى ذات البعد التصويري في إضفاء ما يشبه المزاج المسرحي على كل ما يحصل، لتبدو حيفا مسرحاً يختزل عذابات وأسئلة فلسطين كلها، فمما لا شك فيه أن استحضار اللغة الكثيف لثيمات الأسماء والأمكنة والاحداث يعني أيضاً استحضاراً وتكثيفاً لقيمتها ومعناها، هذا التكثيف الذي يعكس في جوهره حالة الانشغال والقلق الدائم للفلسطيني بقضية وجوده، ويبرر أيضاً تموضع الأسئلة كفعل حي ودائم في هذه الذاكرة، كما يحصل في أغنية « في أسئلة براسي» وأغنية « شارع يافا « حيث نواجه الكثير من الأسئلة : « بس أنا شو بقدر أعمل قدام الوحش العظيم؟ … عم ينهش بطن المدينة … مين أجا من تل أبيب؟ … قصدي، مين أجا من بولندا؟ … مين عمّر ابراج قزاز؟ … وإحنا هدّلنا البرندة؟ … مين محانا من القصّة؟ … مين جدّد سوق العُتَق؟ … مين دخّن البترول؟ … ونفخ غيوم القلق؟

يعكس الألبوم أبعادً في غاية العمق على المستوى الدلالي، ففي أغنية «صلاة» ثَمّة تمثيل حقيقي لإشكالية الذات الفلسطينية مع المكان، حيث التموضع الدائم في الهامش، هذا الهامش الذي يُحدثُ قطعاً سياقياً في الوجود برمته ويُحيل كل ما هو ثابت إلى ما هو طارئ وهش. نستطيع أن نتلمس من هذه الزاوية أهمية معاينة هذه المنجز/ الألبوم؛ فهو معاينة لفهم الذات التي تختبر فعل الاقتلاع، الذات التي تحاول ردم الفجوة بين هشاشة الهامش وصلابة الحياة، ومن هنا أيضاً تبرز قيمة الأسلوبية السردية التي أتخذها الألبوم في التعبير عن تلك القصص اليومية والعادية والتي هي في جوهرها فعل استجلاب لمعنى المكان وما يمكن أن يضفيه هذا المعنى على التجربة والإدراك، إن معاينة ما هو ثابت/الواقع من أشد المناطق هشاشة/الهامش يفضي لخلق ارتباك في قيمة الفعل على مستوى السلوك والممارسة؛ مما يؤدي لأهمية وحاجة خَلق أفق أكثر تماسكاً على مستوى الرؤية، حيث ينتقل فعل المعاينة من إطاره البسيط والجمالي ليتحول لفعل اكتشاف واختبار ومقاومة متعدد المستويات والتكوينات، وهذا ما يشرح أحد جوانب التماسك التي نلمسها في الألبوم على مستوى الرؤية والخطاب في بنيته الكلية.
على الصعيد الموسيقي، يستلهم المؤلف فرج سليمان فلسفة موسيقى الجاز، حيث أن طريقة البناء الموسيقي لم تكن مُرتهنة لمرجعيات كلاسيكية، مما أضفى عليها الكثير الفردانية والابتكار؛ فلا وجود للبناء النغمي التقليدي المليء بالجمود والتكرار وهينمة الجملة اللحنية الواحدة.
في إطار موازي يحقق فعل المعاينة بأبعاد ارتباطه العضوي الواضح بالمكان حالة من التطور في مستوى الخطاب السردي الفلسطيني، الذي بات يعاني في الفترة الأخيرة من حالة تكرار واضحة، حيث باتت مركزية الخطاب تنشئ على حالة من الاسترجاع الدائم لمروية الخيبات والنكبة والارتحال، ما يَحدث هنا مفارق تماماً – رغم أنه يتبور في مخاضات مشابهة على مستوى المرجعيات-، إذ تبدو الحالة السردية أكثر انزياحاً عن المناخات التقليدية، مما يمنح العمل المقدرة على خلق آفاقٍ أكثر إنسانية، فالخطاب السردي ليس مفعماً بحالة من الماضوية المنتهية الفاعلية، إنما هو خطاب حي ومتوهج، توهج الحياة الذي يُذكرنا السرد بأنها مازالت موجودة وقائمة بأسئلتها وآمالها.
على الصعيد الموسيقي، يستلهم المؤلف فرج سليمان فلسفة موسيقى الجاز، حيث أن طريقة البناء الموسيقي لم تكن مُرتهنة لمرجعيات كلاسيكية، مما أضفى عليها الكثير الفردانية والابتكار؛ فلا وجود للبناء النغمي التقليدي المليء بالجمود والتكرار وهينمة الجملة اللحنية الواحدة، ربما يشرح هذا حالة التناغم الاستثنائية التي تحققت بين الموسيقى والكلمات في الألبوم، فطريقة بناء اللغة المقتضبة ذات الجمل القصيرة المشحونة والتي تعتمد مشهدية وتقطيعات سريعة وعفوية تشبه كثيراً موسيقى الجاز في بنيتها الإيقاعية والدلالية، حيث الجمل اللحنية والإيقاعات القصيرة المشحونة بأقصى حدود الدلالة، وهذا نفسه ما تحقق في أداء فرج سليمان نفسه للأغاني، ليُكمل الصوت العادي دائرة الانسجام الكلي، فلا شك أن الصوت الطربي الرصين والذي عادة ما يرتهن للصرامة الموسيقية والجمود المدرسي كان سيُخرج الموسيقى والكلمات من حالتها العفوية وسيفرغها ولو جزئياً من شحنتها ونقائها، نلمس في أغنية «مرثية لشهيد وحيد» تمثيلاً واضحاً لهذا الانسجام، حيث تُحلّق الأغنية في تخوم تتنازعها الاستعارات الموسيقية واللغوية.
لقد استطاعت هذه التجربة أن تَسترد صوت الأشياء، فهي لا تتحدث عن فلسطين بقدر ما تُتيح لفلسطين أن تتحدث عن نفسها … بكل ما يعتريها من حب وحنين وتشظي.
كاتب أردني